د. بسّام أبو عبد الله – ١٠ كانون الأول/ديسمبر ٢٠٢٥
أقدم في هذا العرض خلاصة مركّزة للآراء الصادرة عن باحثين وخبراء في مدوّنة مايكل يونغ في مركز كارنيغي للشرق الأوسط ، إلى جانب مواقف صدرت عن مراكز بحثية دولية أخرى ، مثل مركز ستيمسون ، معهد بروكينغز، ومعهد الشرق الأوسط ، وهدف هذا العرض ليس إعادة سرد كامل النقاشات ، بل تكثيف الأفكار الجوهرية ، واستخلاص نقاط الاتفاق والاختلاف بين الباحثين ، بما يساعد القارئ على تكوين صورة أوضح حول اتجاهات التفكير البحثي في ما يتعلق بسورية بعد عام على سقوط النظام فيها .
أولاً: نقاط الاتفاق بين الباحثين :
١- ضرورة الوصول إلى عقد اجتماعي جديد :
يجمع الخبراء على أن أي مسار مستقبلي يتطلب صياغة ترتيب سياسي مختلف جذرياً عن المرحلة السابقة ، يقوم على قواعد حكم واضحة ، وتوزيع متوازن للسلطات ، وضمانات تحول دون إعادة إنتاج الاستبداد .
٢ – حتمية إعادة بناء مؤسسات الدولة :
اتفق الباحثون على أن إعادة بناء المؤسسات – خصوصاً القضائية والتنفيذية والأمنية – يمثل شرطاً سابقاً لأي استقرار، مع تأكيد أهمية المهنية والشفافية ، وعدم خضوع هذه المؤسسات لهيمنة فصائلية أو شخصية .
٣ – الدور المركزي للمجتمع المحلي :
هناك إجماع على أن المجتمعات المحلية باتت أكثر وعياً بعد تجربة الحرب والانهيار، وأن إشراكها في القرار، وفي الرقابة على السلطة ، لم يعد خياراً بل ضرورة ، لتثبيت أي مشروع وطني طويل الأمد.
٤- أولوية التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية :
يشدد معظم الخبراء على أن معالجة الفقر، وسوء الخدمات، وتفاوت الفرص، ليست قضية اقتصادية فقط ، بل شرط سياسي لمنع عودة الانقسامات والصدامات.
٥ – رفض أي مشروع يقوم على الإقصاء :
تتشارك الآراء بأن الإقصاء – سواء كان سياسياً أو مناطقياً أو طائفياً – هو وصفة جاهزة لولادة نزاعات جديدة ، وأن أي حل مستدام ينبغي أن يكون شاملاً.
ثانياً: نقاط الاختلاف بين الباحثين:
١- شكل النظام السياسي المناسب :
تعددت الآراء بين من يدعو إلى نظام رئاسي مضبوط ، ومن يفضّل النظام البرلماني لتوزيع السلطة ، بينما يرى آخرون أن سورية تحتاج إلى نظام مختلط تجنباً لتركيز الصلاحيات.
٢ – دور القوى الإقليمية والدولية :
اختلف الباحثون في تقييم حجم التدخل الدولي المطلوب
بعضهم يرى أن الضمانات الدولية ضرورية لحماية أي اتفاق سياسي ، بينما يؤكد آخرون أن المبالغة في الرهان على الخارج ستُعيد إنتاج التبعية ، وأن الحل يجب أن يكون محلياً في جوهره.
٣ – آليات دمج الفصائل المسلحة:
تباينت المقاربات حول كيفية التعامل مع القوى العسكرية والفصائل : اتجاه يدعو إلى دمج مشروط ضمن مؤسسات الدولة الجديدة ، وآخر يرى أن الحل هو التفكيك الكامل وإعادة بناء جيش وطني مستقل. ، فيما يطرح فريق ثالث صيغة مرحلية مختلطة تجمع الدمج التدريجي مع إعادة الهيكلة.
٤- إدارة المرحلة الانتقالية :
تراوح الطرح بين : هيئة انتقالية واسعة الصلاحيات ،
حكومة انتقالية محدودة الصلاحيات مع رقابة دولية،
أو اعتماد مسار تدريجي طويل الأمد تضمنه إصلاحات متتابعة وبطيئة لكنها مستقرة.
٥ – أولويات الإصلاح الاقتصادي :
هناك من يرى أن البدء يجب أن يكون بإعادة الإعمار وتحريك عجلة الإنتاج، بينما يعتقد آخرون أن الإصلاح المالي ومكافحة الفساد يجب أن يسبقا أي استثمارات كبيرة.
ثالثا” – إن الغاية الأساسية من هذا التلخيص :
هي تمكين القارئ السوري من الاستفادة العملية من الآراء والخلاصات التي قدّمها الخبراء في مدوّنة مايكل يونغ في مركز كارنيغي للشرق الأوسط ، مثل سام هيلر، وخالد الحاج حسين ، ولينا الخطيب، وعباس كاظم ، وهدى الصالح ، ورنا جمول ، وغيرهم ممن ساهموا في تحليل المشهد السوري واستشراف مساراته المحتملة.
وتكشف مراجعة هذه الآراء أن كثيراً من استنتاجاتهم يتقاطع بشكل واضح مع ما تطرحه أصوات وتيارات وطنية داخل سورية ، وخارجها خلال العام الأخير، خصوصاً في النقاط الآتية:
– ضرورة بناء جيش وطني سوري غير طائفي يشكل الضمانة لكل المكونات السورية، ويحافظ على وحدة سورية، بعيدا” عن النهج الطائفي المتبع.
– كتابة عقد اجتماعي جديد يضمن توزيعاً واضحاً للسلطات.
– إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المهنية والشفافية.
– تعزيز دور المجتمعات المحلية، وتقليل المركزية الشديدة.
– أولوية الإصلاح الاقتصادي العادل لتحسين الخدمات والفرص.
– رفض الإقصاء والاحتكار، والبحث عن صيغة وطنية شاملة.
ومن خلال قراءة هذا القدر الواسع من المشتركات بين الباحثين ، على اختلاف خلفياتهم ومقارباتهم ، يتبيّن أن كثير من الانتقادات التي توجه لسلطة الأمر الواقع ، وتحذر من سلوكها ، هي محقة ، ودقيقة ، وأن تحويل هذه الأفكار إلى برنامج عمل وطني أمر ممكن وضروري إذا أراد السوريون تجنّب تكرار أخطاء الماضي وصناعة مستقبل أكثر استقراراً بعيدا” عن السجالات الإعلامية ، وما نراه من تدن أخلاقي عبر وسائل التواصل الإجتماعي ، فالعبرة الأساسية التي يجب أن يفهمها الجميع بعد عام على سقوط النظام أن السلطة المطلقة هي مفسدة مطلقة ، وأنه دون شراكة وطنية ، وفصل للسلطات ، وقانون ، ودستور، وجيش وطني حقيقي لا أفق أمام السوريين سوى المزيد من التشرذم والخراب.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
