حين صار الجهاد مرآة الغرب: من ساحة التحرير إلى لعبة المصالح”

بقلم: الدكتور محمد هاني هزيمة – كاتب سياسي – خبير استراتيجي

في معمعة الحروب وتقاطعات المشاريع الكبرى، لا تُزرع كل فكرة في أرضها، هناك أفكار تُستورد، تُروى بخيوط خفية، ثم تُحصد ثمارها لتعيد رسم خرائطٍ وولاءات. هكذا كان حال الإسلام الجهادي: حركة نشأت من رحمِ الغضب والكرامة، لكنها ما لبثت أن دخلت في دوائر التوظيف الدولي حتى صار السؤال مشروعًا: هل بقي الجهاد مشروعًا للتحرير؟ …… أم تحوّل إلى ترسٍ صغير في ماكينة الهيمنة الغربية؟؟!!من الجهاد إلى الأداة
ففي ثمانينيات القرن الماضي، ووسط نيران الحرب الباردة، احتضنت الولايات المتحدة ومعها بعض القوى الغربية جماعات اسميت “مجاهدة” ضد السوفييت في أفغانستان كان الهدف المعلن: مقاومة الاحتلال الأحمر.
أما الهدف المضمر أعمق: هو استخدام الدين أداة جيوسياسية لتفتيت خصمٍ شرسٍ دون خوض حرب مباشرة، كما يحصل اليوم في سوريا بمشهد مقزز شهد عليه العالم كله من قلب أميركا ومن أروقة البيت الابيض …وهذا استمرار الغرب بقيادة واشنطن حين انطفأت الحرب الباردة وجبهة افغانستان مع الاتحاد السوفياتي لم تنتهي السياسة الاميركية وظلّت فكرة مشتعلة لادارة تُنقلها واشنطن من ساحة إلى أخرى، ومن قضية إلى أخرى، لتُعيد إنتاج الصراع بشكل يخدم من صنعها أولًا من “العدو البعيد” إلى “العدو القريب”
تبدّل الخطاب الجهادي بذكاءٍ مقصود من مواجهة “العدو البعيد” ممثلاً بالقوى الغربية الإستعمارية لمحاربة “العدو القريب” داخل العالم العربي والإسلامي نفسه بسلاح المذاهب والتطرف وتكفير الاخر وابتداع مظاهر جديدة شوهت سماحة الدين الإسلامي وانقلبت على مفاهيمه الانسانية لشتعل فتن داخلية تحوّلت الجهاد من طاقة مقاومة إلى قدرة تدمير، ومن مشروع تحرري إلى ذريعةٍ للتدخل الخارجي
وهكذا، سقطت الفكرة في فخّها، وصار الإرهاب مرآةً يُبرّر بها الغرب كل اجتياحٍ وكل قاعدةٍ عسكرية جديدة في الشرق الأوسط.
امام هذا الواقع المرسوم اميركيا واستخباريا تحول الإسلام الجهادي وقودٍ لمعادلة سيطرة
النفوذ الأميركي الذي لا يعيش بلا “عدوّ” ولا بتوسع لكي تبقى جيوشه على الأرض وتستمرّ القواعد على الرمال، كان لا بدّ من صناعة “الخطر الدائم” ومن هنا، تحوّل الجهاد – من صوره – إلى ذريعة لإدامة الحضور الأميركي، فكلما اندلع حريقٌ جديد، كان extinguisher التدخل الغربي جاهزاً، باسم “مكافحة الإرهاب” أو “حماية الأمن العالمي” بأدوات اللعبة: الإعلام والتمويل والعزل عناوين ثلاث تختذل أدارة حرب وصراع
– الإعلام: قدّم صورة الجهاد في قالب رعبٍ سينمائي، ليغدو الإسلام كلّه مشبوهاً في أعين الشعوب الغربية.
– التمويل: تدفّق المال من جهاتٍ غامضة تحت راية “دعم المجاهدين”، لكنه غيّر وجهة البنادق والرايات، حتى باتت بعض الجماعات تتبع لمن يمولها لا لمن تؤمن بقضيته.
– العزل السياسي: وهو الأخطر حين تُوصم جماعة بأنها “إرهابية”، يُجمّد البديل المقاوم الحقيقي ليُفتح الباب أمام تدخلٍ دولي “منقذ”، يُدير الواقع من الخارج لا من الداخل.
فالجواب على سؤال لماذا يريد الغرب أن يبقى الجهاد في قبضته؟ يختصر الكثير من الإجابات وتحضر معه صورة امريكا والغرب وإدارة المجتمع الانكلوساكسوني للعالم وذلك “لأن بقاء الخطر الإسلامي يعني بقاء المبرّر للهيمنة.” فبدون عدوّ، تنتفي شرعية التدخل، وبدون فوضى يستيقظ حلمُ الاستقلال
لذا يُعاد تدوير الفكرة الجهادية ضمن حدودٍ مضبوطة: “لا تبلغ التحرير، ولا تموت تماماً” بل تبقى حيّةً بالقدر الذي يضمن استمرار الحاجة إلى المنقذ الأميركي….
وما أحوج العالم كله وبمقدمه الامة للعودة إلى الأصل!!! يخرجها من واقع اصبح الجهاد فيه ورقةً في دفتر السياسة افقد الأمة بوصلتها وتحوّل الدم إلى حبرٍ يُكتب مشروع العدو …
فكيف نعيده إلى موضعه الأول !!!؟؟؟ بواقع حاكم نسأل كل لحظة من يسيّر من؟ نحن الرسالة أم الأداة؟ ولحظة نفهم حقيقة مطلقة :”إن أراد الجهاد عليه أن يستعيد روحه ويتحرّر من الوصاية ويعود إلى جوهره الأول:” مقاومة الظلم، لا خدمة الاستعمار، وإحياء العدالة، لا تغذية الفوضى”
عندها فقط، يعود للقلم معنى الشهادة، وللشهادة معنى التحرير، ويغدو الدمُّ زرعًا لا يُشترى به الزمان، بل يُكتب به مستقبلُ أمةٍ ترفض أن تكون رقماً في معادلة أحد.

شاهد أيضاً

*يونيو في الذاكرة العربية* *استنفار الإرادة العربية* *خميس القطيطي* https://alwatan.om/article/42505/%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D9%81%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة كانت حرب يونيو 1967م، التي قال عنها الشاعر العروبي الكبير نزار قباني: «أدمت سياطُ حزيران ظهورهم فأدمَنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا… وطالعوا كتبَ التاريخ.. واقتنعوا: متى البنادقُ كانت تسكن الكتبَا؟!». لكن عندما تستحضر الذاكرة العربيَّة، تستنفر الأقلام لاستذكار المآسي عن سبق إصرار وترصد، ويطغى عليها أحيانًا حالـة من التشفي وتصفية الحسابات لإفراغ الشحنات السلبيَّة. وللأسف، فإن ذاكرة يونيو تُمثِّل فرصةً سانحة لاستهداف قائد عربي كبير بحجم جمال عبد الناصر، الذي قلب مواجع الأعداء وأفقدهم مراكزهم الاستعماريَّة في الشرق العربي من المحيط إلى الخليج. فكيف إذا كان الحدث يُعَد نكسة، حسب ما يراد تسميتها، وقد غيرت الحدود؟! هنا لا تحتاج الأقلام إلى ترخيص لتصبَّ هجومها اللاذع على زعيم عربي قاد تجربةً عظيمة من التجارب الإنسانيَّة الحاكمة، ورفع صوت العروبة عاليًا في المحافل الدوليَّة. فكان ينبغي التريث لمحاكمة التجربة سلبًا وإيجابًا في ظرفها الزماني والمكاني، وظرفها الدولي، واتباع قواعد منهجيَّة في المحاسبة التاريخيَّة، وتحري الأمانة والدقة والمصداقيَّة. لكن ـ للأسف ـ أغلب مَن ينبري لمهاجمة عبد الناصر جاء متماهيًا مع حملات التشويه التي لم تتوقف منذ رحيله، ومع الزمن قلبت الحقائق فأصبحت المنجزات من الخطيئات. لكن ـ مع ذلك ـ بقي عبد الناصر هو القائد العربي الحاضر الذي لم يغبْ أبدًا عن أي مناسبة عربيَّة تُرفع فيها صوره في مختلف الأرجاء، استئناسًا بتجربته الرائدة التي عبرت الزمان والمكان، وأصبحت نموذجًا للبطولة ومقاومة الاستعمار والعدالة الاجتماعيَّة؛ لذا تحولت تلك الحملات الناقدة وقودًا يضيء تلك التجربة العظيمة. عندما يتحول يونيو إلى حالة استنهاض قومي واستيقاظ أُمَّة لإعادة البناء والتجديد، فهي ـ بلا شك ـ إصابة أرادها الله منبهةً للأُمَّة وقياداتها للتحرك المدروس نحو استرداد الكرامة والثأر. وهو ما حدث منذ اليوم التاسع من يونيو 1967م، عندما أعلن جمال عبد الناصر خطاب التنحي، فأعقبته ثورة عارمة في شوارع القاهرة والمُدن الكبرى والأرياف بخروج الملايين من أبناء مصر، بل وملايين آخرين من أبناء الأُمَّة العربيَّة، رفضًا لخطاب التنحي والمطالبة بالعدول عن القرار، مرددين: «هنحارب»، رفضًا للهزيمة. فتلك الجماهير استشعرت ـ بأحاسيسها ـ أن عبد الناصر هو القائد الذي سيكمل المشوار ويقود المرحلة الأصعب في تاريخ الصراع؛ لأنه كان يحمل مشروعًا وطنيًّا وقوميًّا خالصًا، وبدأ الإعداد لمعركة استرداد الكرامة. فكانت إرادة الله متوّجةً لهذا الزعيم بالعودة وقيادة ذلك الوهج القومي الذي كان يسجل أعظم النتائج على صعيد الاستعداد للحرب، وحرب الاستنزاف، وتحديث الجيش المصري، ولملمة شتات الموقف العربي، واستمرار النهج الوطني في التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعيَّة، والمكانة الدوليَّة، وضخ المزيد من وقود التحرير للأقطار العربيَّة والإفريقيَّة، ليصبح عبد الناصر مُلهم الأحرار حول العالم على طريق الحريَّة والوحدة والكرامة الإنسانيَّة، يرفع شعار: «ارفع راسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستبداد». نعم، كانت عودة عبد الناصر هي أعظم استفتاء في التاريخ، حيث قضت مشيئة الله أن يعود عبد الناصر متوجًا بإجماع وطني ـ قومي عربي، ليبدأ مرحلةً جديدة من النضال. النظر إلى تجربة الزعيم جمال عبد الناصر يتطلب استقراء التجربة بتجرد وعمقٍ، والتمعن في مبادئها وأدواتها ومنجزاتها، واستطلاعًا أوسع لتاريخها بعيدًا عن حُمَّى التشويه التي ألقت بظلالها على فهم التجربة وحقيقتها وقيمتها. وكما قال أحدهم: الفرق بيننا وبينهم «الجنائز»، يقصد جنازة عبد الناصر المليونيَّة. ونحن نقول إن الفرق يكمن أيضًا بين تجربة عبد الناصر في حجم تأثيرها وحضورها الدائم ومنجزاتها ومبادئها الفكريَّة التي قدمتها، وما زالت حاضرةً في ذاكرة التاريخ العربي الحديث. رحم الله جمال عبد الناصر، الذي قال فيه الشاعر العروبي الكبير: «رفيقَ صلاح الدين.. هل لك عودةٌ؟ فإن جيوشَ الروم تنهى وتأمرُ. رفاقُك في الأغوار شدوا سروجَهم، وجندُك في حِطِّين صلوا.. وكبروا. تغنّى بك الدنيا.. كأنك طارقٌ، على بركات الله يرسو.. ويبحرُ. تناديك من شوقٍ مآذنُ مكةٍ، وتبكيك بدرٌ، يا حبيبي، وخيبرُ. ويبكيك صفصافُ الشام ووردُها، ويبكيك زهرُ الغوطتين، ودُمَّرُ». هكذا كانت تجربة جمال عبد الناصر، وهكذا أراد الله أن تتلقى الأُمَّة هزيمةً منبهةً تعود بعدها للاستعداد واسترداد الكرامة على مبدأ: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلَّا بالقوة، وهكذا كانت تلك المرحلة العروبيَّة العظيمة.

  *خميس القطيطي* يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة …