زارني السيد في المنام، وقال جملة واحدة “اكتب عن الصعود الثاني للشيعة”، ومن تلك الجملة بدأت رحلة البحث عن المعنى بين الحلم والسياسة، وبين التاريخ وما بعده.
كتب / سلام عادل
حدث في تلك الليلة أن طرق الباب رجل يشبه القدر، خرجتُ لأرى من الطارق، فإذا به السيد حسن نصر الله، بلباسه المعروف ونور وجهه، الذي لا تُخطئه العين، ولم أفكر في حينها أنه شهيد، بدا أمامي حياً أكثر من الحياة نفسها، ولهذا ارتبكت، لأنني كنت بملابس البيت، والتي ربما لا تليق باستقباله، لكنه ابتسم، تلك الابتسامة، التي تسبق الكلمة العظيمة، وقال بهدوء الواثق “إذا أردت أن تكتب، فاكتب عن الصعود الثاني للشيعة”، ثم استدار وغاب في الليل، تاركاً وراءه عبارة واحدة، لكنها كانت كافية لتوقظ قروناً من الأسئلة.
وما إن أغلقت الباب حتى بدأت الأسئلة تتزاحم، ما المقصود بالصعود الثاني؟ وهل هناك صعود أول؟ أهو نداء زمني أم تحوّل فكري؟ وهل يعني أن المرحلة الأولى انتهت؟، وبصراحة لم أجد جواباً، لكن شيئاً في داخلي قال إن تلك الجملة ليست حلماً شخصياً، بل رسالة إلى جيلٍ بأكمله، كأن السيد جاء ليذكّر بأن التاريخ الشيعي يقف على عتبة تحول جديد، وأننا أمام لحظة انتقال من مرحلة المقاومة إلى مرحلة التمكين.
وإذا ما نظرنا إلى النصف قرن الأخير، يمكن القول إن “الصعود الأول” بدأ مع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، حين تحوّل الوعي الشيعي من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم، وكانت تلك لحظة التأسيس الكبرى، حين خرج القادة من السجون، ومعهم خرجت الرؤية من الحسينيات، ومن النجف إلى طهران بدأ الزلزال السياسي، الذي أعاد رسم خريطة الشرق الأوسط، وفي أعقابها تمدد الدور الشيعي في الميدان والسياسة، من جنوب لبنان إلى بغداد وصنعاء، ليصبح أحد الأعمدة الجديدة في معادلة القوة الإقليمية.
ولكن التاريخ لا يتوقف عند الانتصار، كما يقول هنري كيسنجر في النظام العالمي “إن أخطر لحظات أي حركة هي لحظة انتصارها، لأنها تبدأ بالبحث عن دورٍ جديد بعد أن تكون أنهت دورها القديم”، ومن هنا بالتحديد تكمن الإشارة إلى “الصعود الثاني” حيث بعد أن أنجز الشيعة مرحلة الثورة واثبات الوجود آن لهم أن يدخلوا مرحلة الدولة بما فيها من بناء ومشروع ورؤية.
ومن هنا يتطلب أن نفهم “الصعود الثاني” ليس باعتباره استئنافاً للحرب، بل إعادة تعريفٍ لمفهوم القوة، في الوقت الذي لم تعد البندقية هي اللغة الوحيدة، بل صار الإعلام والاقتصاد والثقافة أدوات النفوذ الحديثة، والشيعة الذين صمدوا في وجه أعنف المنظومات العسكرية والسياسية، مدعوون اليوم إلى بناء منظومة حضارية تُدير القوة لا تكتفي باستخدامها، والانتقال من “سياسة الذاكرة” إلى “ذاكرة السياسة”، كما قال كيسنجر، وهو انتقال من استحضار المظلومية إلى هندسة المستقبل عبر خطابٍ سياسيٍ جديدٍ ومنهجٍ مؤسسيٍ منظم.
وفي زمنٍ يعاد فيه ترتيب العالم، لم تعد الولايات المتحدة مركزاً مطلقاً، ولا أوروبا ضميراً للعالم، فيما تصعد الصين بهدوء وتعود روسيا إلى المسرح، والشرق الأوسط يستعيد مكانه كممرٍّ بين القوى الكبرى، وفي هذه الفوضى الجديدة، وما فيها من تحولات، سيتحدد موقع الشيعة مجدداً، إما قوة تمتلك مشروعًا متكاملًا يعيد تعريف دورها في العالم، أو جماعة تنظر إلى ماضيها كأنها انتهت بانتصارها الأول.
والصعود الثاني، كما فهمت من الرؤية، هو انتقال من التعبئة إلى التنظيم، ومن الانفعال إلى التخطيط، مما يساهم في بناء الإنسان المتمكن من الجغرافيا، وهو ما يتطلب تجديد الخطاب السياسي قبل تجديد السلطة، فلا نهضة بلا اقتصادٍ منتج، ولا دولة بلا ثقافةٍ جامعة، ولا قوة بلا وعيٍ منظَّمٍ ومؤسساتٍ راسخة، فالمقاومة التي أنجبت وعياً سياسياً مدعوة اليوم لإنجاب وعيٍ حضاريٍّ يصنع الاستقرار لا الصراع.
وفي الختام .. لقد كانت كلمات السيد في الحلم أشبه ببيانٍ من زمنٍ قادم، الصعود الثاني للشيعة هو لحظة الانتقال من البندقية إلى المشروع، من الثورة إلى الدولة، من الطائفة إلى الأمة، من الدفاع إلى البناء، إنها وصية التاريخ بأن يتحوّل الدم إلى وعيٍ منتج، والوعي إلى مشروعٍ سياسيٍ ناضج، والمشروع إلى حضارة، لأن من لا يبني بعد النصر، يخسر النصر مرتين.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
