أكبر طوائف لبنان: المهاجرون والمنكوبون

بقلم: ناجي علي أمّهز

من منّا ليس نصفه راحلاً؟ إما إلى الاغتراب… أو إلى القبور.
كل يوم، يغادر لبنانيٌّ أرضه من بوابة المطار مودَّعاً، لكن بلا أمل في العودة، بينما يرحل آخر بقصفٍ من مسيّرةٍ إسرائيلية، دون وداع.

اليوم، ينشغل البعض بإحصاء الدمار الذي ألحقته إسرائيل بلبنان، بينما يتغافل كثيرون عن الخراب الأعمق: ذلك الذي نسجه زعماء الطوائف بأيديهم، وأكمله انهيار الدولة المالي والمصرفي على حساب مدّخرات الناس وأعمارهم. دمار إسرائيل المادي يمكن ترميمه، وحتى الشهداء الذين يسقطون بنيرانها، يتحولون إلى رمز للقوة، ويرفعون سقف المطالب الوطنية بتعزيز القرارات الدولية التي تحمي لبنان. أما خراب الحرب الأهلية فما زال يسكننا؛ جراحه غائرة في النفوس، ووصمته تشوه صورتنا أمام العالم كأمة قاتلت بعضها بعضاً. وأما سياسات الدولة المالية والمصرفية، فقد فتّت الأواصر الأسرية، وأغلقت المؤسسات، وحوّلت حياة الآلاف إلى جحيمٍ من المهانة والعوز.

من كان يظن أن تعويض نهاية خدمته يكفيه ليعيش ما تبقّى من عمره بكرامة، صار اليوم يتمنى الموت، لأن كرامته أصبحت عبئًا على عائلته، وقوت يومه استجداءً، ودواؤه حلمًا بعيد المنال. والمفارقة أن العالم الذي لم يحتمل أن يعاني النازحون على أرض لبنان ما يعانيه أهلها، فأمّن لهم المسكن والطبابة والتعليم، هو نفسه الذي يقف متفرجاً على معاناة المواطن. فهل أحصى أحد عدد اللبنانيين الذين أنهوا حياتهم عجزاً عن تأمين رغيف خبز أو حبة دواء؟

لقد فقد اللبنانيون الأمل في وطنهم، وفقد العالم الأمل ان يبقى لبنان.
تهاوى الوطن، فهُدمت جدرانه وتمزقت أحلام أهله، وقُوِّضت أركان الطمأنينة. بات القلق خبز اللبناني اليومي، وأمسى الغد مجهولاً، وكأن الوطن والمواطن يعيشان كل صباح على قيد انتظار الهجرة. حتى بتنا نتساءل: هل تراب هذا الوطن المقدس يلفظنا، أم أننا نحن من نشعر بالغربة فيه، فنهجره بلا تردد وعودة؟

لا يجب أن يبقى لبنان مجرد مسرحٍ للصراعات الإقليمية أو التجاذبات المحلية؛ فلبنان بلد يعيش هدنةً أطول من القيامة نفسها، وشعبه يموت كل يوم ألف مرة. لقد خفتت أصوات المدافع لترتفع أصوات الانقسام، والجروح لم تندمل بعد. لم تكن الحرب مجرد اشتعال للنار والرعب والدمار، بل أصبحت نمط حياة وسياسة فُرِضت على المجتمع، وتراكمت رواسبها عبر عقود حتى غدت حواجز تمنع اللبناني من لقاء أخيه. لن ينهض هذا الوطن إلا إذا أدرك كيف يُعيد لمّ شمل مواطنيه قبل أن يُعيد ترميم جدران طوائفه.

نعم، إنها الحقيقة وما أقساها: الحرب لم تغادر عقولنا. الانقسام الطائفي ليس مجرد مشكلة “عابرة”، بل هو أزمة تنشئة وهوية. حين يصبح الانتماء إلى الطائفة أصلاً والولاء للوطن فرعًا، تهتز القيم الأساسية للمجتمع. لا يمكن لوطن أن يقف على قدميه إذا ظل كل مواطن يرى في الآخر “خصمًا مؤقتًا” أو “مساحة محظورة”.

ليس سرًا أن حلول لبنان، من الانتداب إلى الطائف، كانت دومًا مستوردة؛ تسويات تُفرض من الخارج بدلاً من أن تنبع من بناء داخلي متين وصادق.

في كل دول العالم، تُبنى المتاحف لتذكير الأجيال بفظائع الماضي. أما في لبنان، فالذاكرة مبتورة. وإن لم نعترف بجراحنا ونعالجها بصدق، فسنظل نكرر مآسينا.
كل طائفة تطالب بالاستفتاء على حجمها، بينما الهجرة هي أصدق استفتاء؛ فملايين اللبنانيين في الشتات هم الطائفة الاكبر والاصدق لواقع لبناني مؤلم.

اللبناني الحقيقي ليس من يزرع الخوف ويرفع أسوار طائفته، بل من يهدم متاريسه ليبني جسورًا نحو الآخر. لا نريد ألقابًا وشعارات في ذكرى نكساتنا، بل نريد التزامًا يوميًا يُترجم إلى ممارسات. الأوطان لا تُنقَذ ببيانات التضامن، بل بخطوات ملموسة تُقنع المواطن بأن العيش معًا خيارٌ مجدٍ ومربح للجميع.

في الختام،
أيها اللبنانيون، إن كنتم تريدون الانتصار على أعدائكم الحقيقيين، فابدأوا بالانتصار الأعظم: وحدة لبنان. اجمعوا صفوفكم لتلتئموا، كما اجتمعتم يومًا لتتقاتلوا. فما حفرتموه بأيديكم من مقابر وما بنيتموه من دمار، يمكنكم بأيدٍ أخرى أن تبنوا فوقه صرحا للتلاقي والحوار.

إن بقي الحال على ما هو عليه، فلن يبقى لبنان، ولن يأسف عليه أحد. فالمجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، أرسل رسالة واضحة: اتفقوا فيما بينكم، وإلا فإن لبنان سيعود الى بلاد الشام.
فهل نختار الطائفية، أم نختار لبنان؟ بالختام إنهما نقيضان لا يجتمعان. الخيار لكم.

شاهد أيضاً

*يونيو في الذاكرة العربية* *استنفار الإرادة العربية* *خميس القطيطي* https://alwatan.om/article/42505/%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D9%81%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة كانت حرب يونيو 1967م، التي قال عنها الشاعر العروبي الكبير نزار قباني: «أدمت سياطُ حزيران ظهورهم فأدمَنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا… وطالعوا كتبَ التاريخ.. واقتنعوا: متى البنادقُ كانت تسكن الكتبَا؟!». لكن عندما تستحضر الذاكرة العربيَّة، تستنفر الأقلام لاستذكار المآسي عن سبق إصرار وترصد، ويطغى عليها أحيانًا حالـة من التشفي وتصفية الحسابات لإفراغ الشحنات السلبيَّة. وللأسف، فإن ذاكرة يونيو تُمثِّل فرصةً سانحة لاستهداف قائد عربي كبير بحجم جمال عبد الناصر، الذي قلب مواجع الأعداء وأفقدهم مراكزهم الاستعماريَّة في الشرق العربي من المحيط إلى الخليج. فكيف إذا كان الحدث يُعَد نكسة، حسب ما يراد تسميتها، وقد غيرت الحدود؟! هنا لا تحتاج الأقلام إلى ترخيص لتصبَّ هجومها اللاذع على زعيم عربي قاد تجربةً عظيمة من التجارب الإنسانيَّة الحاكمة، ورفع صوت العروبة عاليًا في المحافل الدوليَّة. فكان ينبغي التريث لمحاكمة التجربة سلبًا وإيجابًا في ظرفها الزماني والمكاني، وظرفها الدولي، واتباع قواعد منهجيَّة في المحاسبة التاريخيَّة، وتحري الأمانة والدقة والمصداقيَّة. لكن ـ للأسف ـ أغلب مَن ينبري لمهاجمة عبد الناصر جاء متماهيًا مع حملات التشويه التي لم تتوقف منذ رحيله، ومع الزمن قلبت الحقائق فأصبحت المنجزات من الخطيئات. لكن ـ مع ذلك ـ بقي عبد الناصر هو القائد العربي الحاضر الذي لم يغبْ أبدًا عن أي مناسبة عربيَّة تُرفع فيها صوره في مختلف الأرجاء، استئناسًا بتجربته الرائدة التي عبرت الزمان والمكان، وأصبحت نموذجًا للبطولة ومقاومة الاستعمار والعدالة الاجتماعيَّة؛ لذا تحولت تلك الحملات الناقدة وقودًا يضيء تلك التجربة العظيمة. عندما يتحول يونيو إلى حالة استنهاض قومي واستيقاظ أُمَّة لإعادة البناء والتجديد، فهي ـ بلا شك ـ إصابة أرادها الله منبهةً للأُمَّة وقياداتها للتحرك المدروس نحو استرداد الكرامة والثأر. وهو ما حدث منذ اليوم التاسع من يونيو 1967م، عندما أعلن جمال عبد الناصر خطاب التنحي، فأعقبته ثورة عارمة في شوارع القاهرة والمُدن الكبرى والأرياف بخروج الملايين من أبناء مصر، بل وملايين آخرين من أبناء الأُمَّة العربيَّة، رفضًا لخطاب التنحي والمطالبة بالعدول عن القرار، مرددين: «هنحارب»، رفضًا للهزيمة. فتلك الجماهير استشعرت ـ بأحاسيسها ـ أن عبد الناصر هو القائد الذي سيكمل المشوار ويقود المرحلة الأصعب في تاريخ الصراع؛ لأنه كان يحمل مشروعًا وطنيًّا وقوميًّا خالصًا، وبدأ الإعداد لمعركة استرداد الكرامة. فكانت إرادة الله متوّجةً لهذا الزعيم بالعودة وقيادة ذلك الوهج القومي الذي كان يسجل أعظم النتائج على صعيد الاستعداد للحرب، وحرب الاستنزاف، وتحديث الجيش المصري، ولملمة شتات الموقف العربي، واستمرار النهج الوطني في التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعيَّة، والمكانة الدوليَّة، وضخ المزيد من وقود التحرير للأقطار العربيَّة والإفريقيَّة، ليصبح عبد الناصر مُلهم الأحرار حول العالم على طريق الحريَّة والوحدة والكرامة الإنسانيَّة، يرفع شعار: «ارفع راسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستبداد». نعم، كانت عودة عبد الناصر هي أعظم استفتاء في التاريخ، حيث قضت مشيئة الله أن يعود عبد الناصر متوجًا بإجماع وطني ـ قومي عربي، ليبدأ مرحلةً جديدة من النضال. النظر إلى تجربة الزعيم جمال عبد الناصر يتطلب استقراء التجربة بتجرد وعمقٍ، والتمعن في مبادئها وأدواتها ومنجزاتها، واستطلاعًا أوسع لتاريخها بعيدًا عن حُمَّى التشويه التي ألقت بظلالها على فهم التجربة وحقيقتها وقيمتها. وكما قال أحدهم: الفرق بيننا وبينهم «الجنائز»، يقصد جنازة عبد الناصر المليونيَّة. ونحن نقول إن الفرق يكمن أيضًا بين تجربة عبد الناصر في حجم تأثيرها وحضورها الدائم ومنجزاتها ومبادئها الفكريَّة التي قدمتها، وما زالت حاضرةً في ذاكرة التاريخ العربي الحديث. رحم الله جمال عبد الناصر، الذي قال فيه الشاعر العروبي الكبير: «رفيقَ صلاح الدين.. هل لك عودةٌ؟ فإن جيوشَ الروم تنهى وتأمرُ. رفاقُك في الأغوار شدوا سروجَهم، وجندُك في حِطِّين صلوا.. وكبروا. تغنّى بك الدنيا.. كأنك طارقٌ، على بركات الله يرسو.. ويبحرُ. تناديك من شوقٍ مآذنُ مكةٍ، وتبكيك بدرٌ، يا حبيبي، وخيبرُ. ويبكيك صفصافُ الشام ووردُها، ويبكيك زهرُ الغوطتين، ودُمَّرُ». هكذا كانت تجربة جمال عبد الناصر، وهكذا أراد الله أن تتلقى الأُمَّة هزيمةً منبهةً تعود بعدها للاستعداد واسترداد الكرامة على مبدأ: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلَّا بالقوة، وهكذا كانت تلك المرحلة العروبيَّة العظيمة.

  *خميس القطيطي* يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة …