حين يريدون إقناعنا بأن التاريخ بدأ معهم!!!

د. بسّام أبو عبد الله.

25 تشرين الأول / أكتوبر 2025

أولًا، يتجاهل كثيرون، أو لا يرغبون في ذكر حقيقة أن الأرقام التنموية الخاصة بسورية قبل بدء الأحداث فيها كانت إيجابية. انظروا إلى مؤشرات الأمم المتحدة في مجالات التعليم، والصحة، والزراعة، والصناعة، والتصدير، والاستيراد، ومستوى دخل الفرد، وغيرها الكثير. وليس هذا دفاعًا عن نظام سياسي أو عن أشخاص، بل لأنّها حقائق موضوعية لا يمكن القفز فوقها أو محوها من الذاكرة. فمن غير الممكن إنكار أن مئات الآلاف من الكوادر السورية من مختلف المكونات والطبقات تعلمت مجانًا في الجامعات السورية، من دون أي تمييز مناطقي أو طائفي، لتخرج لاحقًا وتقدّم خبرتها في أربع جهات الأرض، من أوروبا إلى الخليج وأفريقيا وأميركا اللاتينية. هذه الكفاءات، التي بنت مدارس ومستشفيات ومشاريع داخل سورية وخارجها، هي نتاج منظومة تعليمية وطنية أتاحت فرصًا حقيقية للفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة ليصعدوا سلّم العلم والنجاح. الهدف من التذكير بهذه الحقائق ليس التباهي ولا التبرير، بل التوقف عن إنكار جهود ملايين السوريين الذين صنعوا جزءًا من نهضة بلادهم، لأنّ التاريخ لا يُكتب بالشتائم ولا بالإلغاء، بل بالاعتراف الموضوعي بما تحقق وبمن حققه.

ثانيًا، إنّ سورية كانت دولة تمتلك بنية تعليمية وصحية وزراعية واقتصادية جيدة ضمن ظروفها الصعبة، لكنها تآكلت لاحقًا بفعل الحرب والحصار والعقوبات القاتلة. ومع ذلك، فإنّ مجرّد الإشارة إلى تلك الإنجازات بات كافيًا لاتهام صاحبها بالولاء للنظام السابق أو بكونه “فلولًا”، وكأنّ الموضوعية أصبحت جريمة. المطلوب اليوم هو نظرة علمية هادئة وموضوعية، بعيدة عن الكراهية والتعالي وازدراء الماضي، لأنّ ذلك ليس تعبيرًا عن وعي، بل عن إفلاس
فكري وأخلاقي.

ثالثًا، لا يمكن إنكار أنّ نظام البعث ارتكب أخطاء كبيرة، أبرزها أدلجة المجال العام، وإنكار دور المراحل التي سبقته، ظنًا منه أن التاريخ بدأ معه. ورغم محاولات لاحقة لتصحيح ذلك، إلا أنها فشلت لأن نظام الحكم بقي فرديًا وتسلطيًا، يتركز في يد قلة من الأشخاص. ومع الاعتراف بهذه الأخطاء، فإنّ ذلك لا يلغي الإنجازات التي تحققت أبدًا، لأن الإقرار بالأخطاء لا يهدف إلى التشهير أو الشيطنة، بل إلى التعلم من التجربة وعدم تكرارها. وما يحدث اليوم ليس تكرارًا للأخطاء فحسب، بل ارتكاب لخطايا وطنية بحق التاريخ والهوية والذاكرة الجماعية.

رابعًا، من غير المنطقي تحويل كل من خدم في المرحلة السابقة إلى متهم، أو وصمه بصفات “الفلول” و”الفساد” و”الظلم”. لقد كانت في تلك المرحلة شخصيات وطنية محترمة وواعية ومثقفة، أسهمت بصدق في بناء الدولة السورية الحديثة. منهم من انتقد، ومنهم من حاول الإصلاح من الداخل، لكنهم جميعًا كانوا أبناء وطن واحد، ولم يكونوا جميعًا نسخًا من السلطة. تجاهل هذه الحقيقة هو ظلم مزدوج:
للناس وللوطن.

خامسًا، المدهش أن سلطة الأمر الواقع الحالية تحاول إنكار كل تلك المراحل، بل وتعمل على تشويه التاريخ السوري الحديث والقديم معًا، لتقدّم نفسها كفاتحة عصر جديد. بعض خطاباتها وصلت حدّ القول إن السوريين لم يعرفوا الإيمان أو الصلاة أو القيم الأخلاقية قبلها، وهو كلام مهين بحق شعب يعرف الدين والفضيلة قبل أن يولد كثير من قياديي سلطة الأمر الواقع بمئات السنين. هذه السلطة تريد كتابة رواية جديدة تبدأ من الصفر، وتشمل السياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام، وكأنّ حياتنا بدأت بعد ما سمّاه وزير أوقافها قبل أيام في خطبة له من مجمع كفتارو بـ”الفتح المبين” — وهو مصطلح ملتبس ومرفوض تمامًا، خصوصًا حين يُستخدم لتبرير سلطة أمر واقع لا تمتلك لا الفتح ولا البيان.

سادسًا، هذا السلوك ليس جديدًا على العقل السياسي العربي؛ فكم من سلطة في المنطقة تصرفت وكأنها خلقت التاريخ من العدم، وأن ما قبلها باطل لا قيمة له. ومع ذلك، تُظهر التجارب في مصر والعراق وتونس وغيرها أن من يتنكر لماضيه ويشيطنه لن ينجح في بناء مستقبل متماسك، لأن الأمم التي تمحو ذاكرتها تفقد قدرتها على التراكم، أي على الفعل الحضاري. التاريخ ليس منافسة بين الأنظمة، بل مسار طويل تتراكم فيه الجهود والإخفاقات، ويتكامل فيه القديم مع
الجديد.

سابعًا، المطلوب اليوم قراءة هادئة وشجاعة للماضي السوري بكل تناقضاته، لا بنظارات الانتقام، ولا بخطاب القداسة الكاذبة. لأنّ كل من يحاول فرض رواية أحادية للبلاد، سواء كانت بعثية في الماضي أو دينية في الحاضر، يرتكب الجريمة ذاتها: قتل الذاكرة الجمعية، واحتكار الحقيقة، وتزوير التاريخ. لا يُبنى المستقبل إلا على فهم صادق للواقع، لا على طمس نصفه وتلميع نصفه الآخر.

ثامنا و أخيرا : النقاش لا يدور حول مقارنة الحاضر بالماضي، ولا حول شيطنة الماضي لتبرير الحاضر، فهذه طريقة بلهاء ومتخلفة لا تليق بعقل يريد النهوض. المطلوب هو الاستفادة من إيجابيات الماضي، ونسف الأخطاء والخطايا، والذهاب نحو عقد اجتماعي جديد يؤسس لدولة المواطنة، لا الطوائف والأديان. وكما قال الفيلسوف الإسباني جورج سانتيانا: «من لا يتعلّم من التاريخ، محكوم عليه أن يكرره.»

شاهد أيضاً

مع احترامي للنائب الدكتور علي المقداد

✍️ علي خيرالله شريف نحن لا نخون أحداً يا حضرة النائب، ولكن اسأل جوزاف عون …