دماء المصريين المهدورة في حروب أسرة محمد علي

بقلم: عمرو صابح

تولّى محمد علي حكم مصر عام 1805 بعد أن بايعه العلماء وزعماء الشعب حاكمًا للبلاد، ليبدأ بذلك عهد الأسرة العلوية الذي امتدّ لما يقرب من قرن ونصف، وافتُتحت معه صفحة من تاريخٍ لم يكن للمصريين فيه إلا أن يدفعوا الثمن، إذ فرضت عليهم أسرة وافدة من ألبانيا سطوتها واستبدادها، لتشيّد مجدها على كدّهم ودمهم.
لم يكن مشروع محمد علي مشروعًا وطنيًا بقدر ما كان مشروعًا أسريًا توسعيًا، هدفه تكوين دولة كبرى تُدار لحساب البيت العلوي لا لحساب مصر.
فباسم “التحديث” كوَّن جيشًا حديثًا وأطلق حملاتٍ عسكرية تجاوزت حدود البلاد من الحجاز إلى السودان ومن المورة إلى الشام، فصنع مجدًا عسكريًا لنفسه، دفع ثمنه الفلاح المصري ضرائبًا وسخرةً وأبناءً.
لقد قاتل المصريون في حروبٍ لم تكن من أجلهم، بل من أجل سلطانٍ عثمانيٍ بعيدٍ حينًا، وطموحِ باشاٍ ألبانيٍ غريبٍ حينًا آخر، بينما كانت مصر تنزف قوتها لتبقى رهينة النهب الأجنبي حتى منتصف القرن العشرين.

ولنفهم كيف زُجّت مصر في معارك لم تكن دائمًا معاركها، علينا أن نعود إلى بدايات حكم الأسرة العلوية، لنتتبع سجلّ حروبها من محمد علي إلى فاروق، حيث اختلط المجد بالطموح، والدم المصري بمصالح الحكّام.

أولاً: عهد محمد علي باشا (1805–1848)

🔹 حروب الوهابيين (1811–1818)

كانت هذه الحرب أول اختبار حقيقي لجيش محمد علي النظامي، وأولى المواجهات الكبرى التي خاضتها مصر الحديثة ضد حركة دينية مسلحة رفعت راية العقيدة بحثًا عن الاستقلال عن الدولة العثمانية.

بدأ الصراع حين تمددت الدولة السعودية الأولى بقيادة محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب، فسيطرت على الحجاز ودخلت المدينة المنورة ومكة المكرمة عام 1803، وقطعت طريق الحج وهاجمت القوافل القادمة من مصر والشام.

كلّف السلطان العثماني محمود الثاني محمد علي باستعادة الحجاز “نيابة عن الخلافة”، فوجد في ذلك فرصة لإثبات قوته أمام الباب العالي، فأرسل جيشًا مصريًا حديثًا مزودًا بالمدفعية والتنظيم الأوروبي، معتمدًا لأول مرة على أبناء الفلاحين في الخدمة العسكرية.

◾ حملة الحجاز الأولى (1811–1815)

قادها طوسون باشا ابن محمد علي بجيش قوامه 10 آلاف جندي عبر البحر الأحمر إلى ينبع، ثم المدينة. استعاد السيطرة على المدينة ومكة، لكنه مُني بهزيمة في الطائف عام 1813، فاضطر للانسحاب إلى جدة، وتدخل محمد علي بنفسه لإعادة تنظيم الصفوف والسيطرة على الحجاز.

◾ حملة الحجاز الثانية (1816–1818)

قادها إبراهيم باشا ابن محمد علي بجيش يبلغ 25 ألف جندي عبر صحراء نجد، وانتصر في الرس وعنيزة والخرمة، ثم حاصر الدرعية ستة أشهر حتى سقطت عام 1818. أُسر الإمام عبد الله بن سعود وأُعدم في إسطنبول، وسقطت الدولة السعودية الأولى. خسر الوهابيون نحو 20 ألف مقاتل، وفقد المصريون 10 آلاف جندي بين قتيل ومصاب.
أثبتت الحملة عبقرية إبراهيم باشا العسكرية وانضباط الجيش المصري الذي خاض حربًا طويلة في بيئة معادية. لكن هذا النصر الباهر لم يكن لمصر، بل كان خدمة للسلطان العثماني الذي استعاد نفوذه دون أن يدفع الثمن، بينما تكفّل المصريون بالدماء والمال.

🔹 الحملات السودانية (1820–1824)

كان هدف محمد علي من غزو السودان السيطرة على مناجم الذهب وتجنيد السودانيين في جيشه.
قاد الحملة ابنه إسماعيل كامل باشا، ومعه محمد بك الدفتردار، فاستولت القوات المصرية على دنقلا وسنار وكردفان.
قُتل إسماعيل حرقًا على يد المك نمر حاكم شندي، فقام الدفتردار بحملة انتقامية أبادت القرى السودانية وخلّفت آلاف القتلى.
أسس المصريون بعد ذلك مدينة الخرطوم كمركز إداري عام 1824. لكن الثمن كان فادحًا؛ فقد مات آلاف المصريين بسبب المناخ والأمراض، حتى لقّبها الجنود بـ«مقبرة الجيش المصري».

🔹 حرب المورة (اليونان) 1824–1828

بعد نجاح محمد علي في الجزيرة العربية، استدعاه السلطان العثماني لمساعدته ضد ثورة اليونانيين في المورة (جنوب اليونان). أرسل محمد علي جيشًا بقيادة إبراهيم باشا قوامه 17 ألف جندي مدعومًا بأسطول مصري قوي.
حقق الجيش المصري انتصارات كبيرة، وسيطر على مدن كالاماتا وميسولونجي، وأخضع المورة كلها تقريبًا. لكن تدخّل الأساطيل البريطانية والفرنسية والروسية أنهى الأمر بمأساة: في معركة ناڤارين البحرية عام 1827، دُمر الأسطول المصري – العثماني بالكامل، وخسر المصريون أكثر من 7 آلاف قتيل وجريح، وضاع جهد أربع سنوات من القتال.

🔹 حرب الشام الأولى (1831–1833)

كانت حرب الشام ذروة صعود الدولة المصرية الحديثة، وبرز فيها إبراهيم باشا كأعظم قائد عسكري في الشرق.
أرسل محمد علي جيشه إلى بلاد الشام مطالبًا بضمها مكافأة على خدماته في المورة، لكن السلطان العثماني رفض، فبدأت الحرب.

زحف إبراهيم بجيش من 30 ألف مقاتل، فسيطر على عكا بعد حصار دام ستة أشهر، ثم هزم الجيش العثماني في حمص وقونية عام 1832، ووصل حتى كوتاهية في الأناضول. أجبر السلطان العثماني على توقيع اتفاق كوتاهية (1833) الذي منح مصر حكم الشام وأدنه.
بلغت خسائر المصريين نحو 10 آلاف جندي، وخسائر العثمانيين قرابة 20 ألفًا. كان الجيش المصري حينها هو الأقوى في الشرق الأوسط.

🔹 حرب الشام الثانية (1839–1840)

رفض السلطان العثماني محمود الثاني بقاء مصر في الشام، فاستعد للحرب مجددًا. وفي معركة نزيب عام 1839، سحق إبراهيم باشا الجيش العثماني مرة أخرى.
لكن الدول الأوروبية تدخلت خشية انهيار الدولة العثمانية، ففرضت على محمد علي معاهدة لندن 1840 التي أجبرته على الانسحاب من الشام والاكتفاء بحكم مصر وراثيًا.
خلال حرب الشام الثانية بين مصر والدولة العثمانية، تكبد الجيش المصري خسائر بشرية كبيرة، إذ فقد 30,000 جندي خلال انسحابه من الشام في عام 1840. وتشمل هذه الخسائر القتلى والجرحى والمفقودين.

ثانيًا: عهد عباس حلمي الأول (1848–1854)

🔹 حرب القرم (1853- 1855)

شارك الجيش المصري في حرب القرم دعمًا للدولة العثمانية ضد روسيا، بناءً على أوامر السلطان العثماني.
أرسل عباس حلمي الأول 20 ألف جندي مصري إلى الميدان، واستمرت المشاركة خلال عهد سعيد باشا.
تميّزت القوات المصرية بشجاعتها وانضباطها في ميادين القتال، خاصة في سباستوبول، حيث سقط منهم أكثر من 4000 شهيد و6000 جريح. كانت الحرب بعيدة عن مصالح مصر تمامًا، وذهبت أرواح المصريين خدمة للباب العالي دون مكسب وطني يذكر.

ثالثًا: عهد سعيد باشا (1854–1863)

واصل سعيد سياسة الخضوع للسلطان، وشارك في استكمال العمليات العسكرية التي بدأت في القرم. كما أرسل فيلقًا من العمال المصريين للمساعدة في مشروعات عثمانية في الحجاز والشام. لكن في عهده بدأت مظاهر الإنهاك العسكري والمالي تظهر بوضوح، خاصة مع التوسع في نظام السخرة وتجريف القرى من الشباب للخدمة في الجيش.

رابعًا: عهد الخديوي إسماعيل (1863–1879)

حين تولّى الخديوي إسماعيل الحكم عام 1863، كان يحمل طموحًا واسعًا لجعل مصر دولة كبرى مستقلة عن النفوذ العثماني، فسعى إلى تحديث الجيش المصري على النمط الأوروبي ليكون أداةً لتحقيق مشروعه الإمبراطوري في إفريقيا.

حاول إسماعيل تطوير جيشه، وجلب ضباطًا أجانب لتدريب الجنود. غير أن هذا التحديث، رغم مظاهره البراقة، كان سطحيًا في جوهره؛ إذ استعان إسماعيل بضباط أوروبيين وأمريكيين فاشلين، لفظتهم جيوشهم لعجزهم عن الكفاءة والانضباط.

قاد هؤلاء المرتزقة الجيش المصري في حملاته الفاشلة على الحبشة بين عامي 1875 و1876، وكانت النتيجة كارثية. وقد وصف المؤرخ عبد الرحمن الرافعي تلك الحملة بأنها «مغامرة رعناء أضاع فيها إسماعيل خيرة جنود مصر في سبيل مجدٍ زائف».

وفي الوقت نفسه، لم يستطع إسماعيل التمرد على السلطان العثماني، فاستمر في إرسال القوات المصرية لدعم جيوش السلطنة في كريت والبلقان، تنفيذًا لأوامر الأستانة. وهكذا، ظل الجيش المصري، رغم مظهره الحديث، أداة في يد الباب العالي، يُستخدم لخدمة مصالح العثمانيين أكثر مما يخدم قضية الاستقلال المصري.

حروب الخديوي إسماعيل

🔹حملة المكسيك (1863 – 1867)
المصريون في المكسيك: مهمة عسكرية بين عهد سعيد وإسماعيل.

في بداية عام 1863، طلب نابليون الثالث، إمبراطور فرنسا، دعمًا عسكريًا لمساندة حملته في المكسيك، حيث كان يسعى لتثبيت حكم ماكسيميليان الأول، الإمبراطور الفرنسي المدعوم من فرنسا، في مواجهة المقاومة المكسيكية ضد سلطته. استجاب سعيد باشا، والي مصر آنذاك، لهذا الطلب، فأرسل أورطة مصرية سودانية مكونة من 453 جنديًا، لتكون جزءًا من الحملة الفرنسية في المكسيك ضمن تحالف دولي انسحبت منه إنجلترا وإسبانيا لاحقًا، تاركة فرنسا وحدها في المواجهة.
أبحرت الأورطة من ميناء الإسكندرية في 8 يناير 1863 على متن السفينة الفرنسية “لاسين”.
توفي سعيد باشا في 15 يناير 1863 بعد أيام قليلة من إرسال الأورطة، ولكن مهمة الأورطة استمرت تحت حكم إسماعيل باشا الذي تولى السلطة رسميًا في 19 يناير 1863.
وصلت السفينة التي تقل الأورطة إلى ميناء فيراكروز في 23 فبراير 1863، لتبدأ مهمتها القتالية في المكسيك.
وخلال وجودها بين 1863 و1867، شاركت الأورطة في 48 معركة، بما فيها حماية القائد الفرنسي خلال احتفالات النصر في فيراكروز، وأظهرت القوات المصرية والسودانية شجاعة فائقة وبراعة قتالية ملحوظة، مما أدى إلى تكريمهم بأوسمة الشرف العسكرية الفرنسية.
بعد انتهاء المهمة، عاد 313 جنديًا فقط إلى مصر في 8 يناير 1867، بعد أن فقدت الأورطة 140 جنديًا.

🔹 حملة كريت (1867–1869)

اندلعت الثورة الكريتية ضد الحكم العثماني عام 1866، فاستنجد السلطان العثماني بالخديوي إسماعيل لإخمادها.
استجاب إسماعيل سريعًا وأرسل قوة مصرية قوامها 12 ألف جندي، مدعومة بأسطول حديث ضم أكثر من 15 سفينة حربية.
قاتلت القوات المصرية في جبال الجزيرة وحققت نجاحًا ميدانيًا مؤقتًا، لكنها عادت بعد عامين وقد أنهكتها المعارك ومناخ الجزيرة القاسي.
قدّرت الخسائر المصرية بحوالي 2500 قتيل وجريح، دون أي مكسب سياسي يُذكر.

🔹 حملات شرق إفريقيا ومنابع النيل (1869–1876)

الخديوي إسماعيل، الطامح إلى إعادة مجد الإمبراطورية المصرية القديمة، راح يحلم بإمبراطورية إفريقية تمتد من شواطئ البحر الأحمر إلى منابع النيل، غير أن طموحه هذا كان أكبر من قدرات مصر.

بدأ في إنشاء المديرية الاستوائية وضمّ مناطق واسعة من السودان وشرق إفريقيا تحت الإدارة المصرية.
قاد الحملات ضباط أجانب، أبرزهم صموئيل بيكر باشا ثم غوردون باشا. وصل النفوذ المصري إلى أعالي النيل وبحيرة فكتوريا.
لكن الأمراض المدارية والمناخ القاسي أودت بحياة أكثر من 5000 جندي وعامل مصري، والتهمت النفقات العسكرية نحو 15 مليون جنيه مصري من خزينة الدولة.

قام الخديوي إسماعيل بتعيين صموئيل بيكر حاكمًا عامًا للمديرية الاستوائية (1869–1873). استغل بيكر الأموال المصرية لإدارة المناطق المفتوحة لمصلحته ومصلحة بريطانيا، ولم يُسهم في تحقيق أي فائدة لمصر.
أما تشارلز غوردون (غوردون باشا)، فقد تولى حكم السودان بين عامي 1874 و1879، واستخدم الأموال والموارد المصرية لتثبيت النفوذ البريطاني، بينما إسماعيل يعتقد أنه يحقق مجدًا شخصيًا ووطنيًا.

🔹 الحرب المصرية – الإثيوبية (1874–1876)

كانت تلك الحرب إحدى أكثر المغامرات كارثية في تاريخ مصر الحديث، خاضها الجيش المصري في أقاليم وعرة وبيئة معادية تمامًا .

معركة جوندت (14–16 نوفمبر 1875)

في خريف عام 1875، أرسل الخديوي إسماعيل قوة مصرية صغيرة نسبياً، قوامها نحو 3000 جندي بقيادة الضابط الدنماركي سورن آرندروب، للتوغل في إقليم حماسين، أحد مداخل الحبشة الشمالية. كانت الحملة تهدف إلى تعزيز النفوذ المصري في المنطقة، خاصة بعد محاولات سابقة فاشلة.

في 19 أكتوبر 1875، أرسل آرندروب رسالة إلى الإمبراطور الإثيوبي يوحنا الرابع، يطلب فيها تحديد نهر الجاش كحد فاصل بين الحدود المصرية والحبشية. لكن رد يوحنا كان عدائيًا، حيث قام بسجن الرسولين، مما دفع المصريين للتقدم نحو منطقة المحاسين في جنوب سنهيت.

في 16 نوفمبر 1875، التقى الجيشان في معركة جوندت. استدرج الجيش الإثيوبي بقيادة الإمبراطور يوحنا الرابع القوات المصرية إلى وادٍ ضيق، حيث تعرضوا لكمين محكم. استخدم الإثيوبيون المدفعية على المرتفعات المحيطة بالوادي، مما أدى إلى مذبحة للقوات المصرية، لم ينجُ منها سوى نحو 300 جندي انسحبوا إلى مصوع تحت قيادة العميد الأمريكي دورنهولتز والقائد رؤوف بك.

معركة جورا (7–10 مارس 1876)

لم يستوعب الخديوي إسماعيل دروس جوندت، فأرسل في أوائل عام 1876 حملة جديدة أضخم وأحدث تجهيزًا، ضمت نحو 13 ألف جندي بقيادة راتب باشا، وشارك في تنظيمها عدد من الضباط الأمريكيين الذين خدموا سابقًا في الحرب الأهلية الأمريكية، أبرزهم الجنرال وليم لورينغ.

نُصبت المعسكرات المصرية في سهل جورا قرب قلاع حصينة بناها المصريون لتأمين مواقعهم، لكن الإثيوبيين باغتوا الجيش المصري بهجوم كاسح.
ورغم امتلاك المصريين لأسلحة حديثة ومدافع ميدانية، فإن الاضطراب والفوضى دبّا في صفوفهم، وسرعان ما انهار الخط الأمامي تحت ضغط هجمات الإثيوبيين الذين استخدموا أسلوب الكرّ من المرتفعات.

أسفرت المعركة عن كارثة ثانية: قُتل ما يقارب 3500 جندي مصري، وأُسر أو فُقد نحو 2500 آخرين، بينما بلغت خسائر الإثيوبيين نحو 4000 قتيل. وتشير بعض التقارير إلى أن إجمالي خسائر الجيش المصري في حملة الحبشة كلها تجاوز 12 ألف جندي بين قتيل وأسير.

كانت جورا الضربة القاضية لطموح إسماعيل في التوسع الإفريقي. فبعدها انسحب الجيش المصري تمامًا من الحبشة، وتبددت أحلام بناء «إمبراطورية وادي النيل».

🔹 حملة البلقان (1877–1878)

عندما اندلعت الحرب الروسية–التركية، أرسل إسماعيل قوة مصرية قوامها 18 ألف جندي بقيادة عثمان رفقي باشا إلى رومليا وبلغاريا.
شارك المصريون في الدفاع عن بليفنا ببسالة، وسقط منهم أكثر من 4000 شهيد و6000 جريح.
انتهت الحرب بهزيمة العثمانيين وتوقيع معاهدة سان ستيفانو (1878)، دون مكسب حقيقي لمصر.
غرقت خزينة الدولة المصرية في الديون بسبب نفقات تلك الحملات الفاشلة. لقد تحولت مغامرات إسماعيل من حلم المجد الشخصي إلى كابوسٍ عسكري وسياسي ٍ واقتصادي، كان أحد العوامل المباشرة التي مهّدت لتدخل الأوروبيين في شؤون مصر ثم وقوعها تحت الاحتلال البريطاني بعد سنوات قليلة.

خامساً: عهد الخديوي توفيق (1879–1892)

🔻 الثورة العرابية وضرب الإسكندرية (1882)

في 11 يوليو 1882، قصفت البوارج البريطانية مدينة الإسكندرية بذريعة “حماية الأجانب”، وأسفر القصف عن مقتل أكثر من 1200 مدني مصري وتدمير أحياء كاملة من المدينة. بعد ذلك اندلعت معركة التل الكبير، حيث واجه الجيش المصري بقيادة أحمد عرابي القوات البريطانية الحديثة، لكن الفارق الكبير في التجهيز والدعم أدى إلى سقوط نحو 2000 جندي مصري وإصابة الآلاف، بينما لم تتجاوز خسائر البريطانيين حوالي مئة قتيل.

كان الخديوي توفيق منذ البداية خائنًا لوطنه، متواطئًا مع بريطانيا، مسهّلًا لمخطط احتلال مصر، وعمل على تقويض الثورة العرابية منذ بدايتها، مقدمًا مصالح القوى الأجنبية على مصالح شعبه، وموفرًا الأرضية لهزيمة الجيش الوطني. بعد سقوط التل الكبير، أصبح حكمه رمزًا للتبعية الكاملة، تحت إشراف المندوب السامي البريطاني.

أما السلطان العثماني عبد الحميد الثاني، فقد خان دوره كخليفة للمسلمين، إذ لم يحرك ساكنًا للدفاع عن مصر ضد الاحتلال البريطاني، وأعلن أحمد عرابي عاصيًا على الباب العالي، كان عبد الحميد الثاني متواطئًا مع بريطانيا في قمع الثورة الوطنية. هذه الخيانة لم تكن مجرد تقاعس سياسي، بل إهدار لدوره الديني والرمزي كخليفة للمسلمين، وترك مصر فريسة للاستعمار الأوروبي دون اعتبار لمصالح الأمة الإسلامية.

بهذه الأحداث، سقطت مصر رسميًا تحت الاحتلال البريطاني.

🔻 حملة هكس باشا في السودان (1883)

بعد فشل محاولات الحكومة البريطانية في القضاء على الثورة المهدية، تقرر إرسال حملة عسكرية مصرية بقيادة الجنرال البريطاني وليام هكس باشا لهزيمة قوات المهدي وإعادة السيطرة على السودان. تألفت الحملة من:
10,000 جندي مشاة
1,000 سلاح فرسان
14 قطعة مدفعية
6 رشاشات
بالإضافة إلى مرتزقة من جنسيات مختلفة، مثل الأتراك والألبان والشركس، فضلاً عن بقايا جيش عرابي.
انطلقت الحملة من الخرطوم في 27 سبتمبر 1883، متجهة نحو كردفان. خلال مسيرتها، واجهت صعوبات كبيرة، منها:
الحرارة الشديدة
العطش
الطريق الوعر
فقدان العديد من الجمال والخيول
تساقط الجنود بسبب الإرهاق والمرض
ردم الآبار في طريق الحملة

معركة شيكان
في 5 نوفمبر 1883، تعرضت الحملة لهجوم مفاجئ من قوات المهدي بقيادة عبد الرحمن النجومي في غابة شيكان، مما أدى إلى مقتل هكس باشا وعدد كبير من جنوده، وأسر حوالي 2,000 منهم.
تُقدّر الخسائر البشرية في صفوف الحملة المصرية بحوالي 7,000 قتيل، بما في ذلك مقتل هكس باشا نفسه، بينما نجا عدد قليل من الجنود، حوالي 300 جندي، اختبأوا بين جثث القتلى.

سادساً: عهد الخديوي عباس حلمي الثاني (1892–1914)

🔻 الحملة على السودان (1896–1898)

قاد اللورد كتشنر الجيش المصري – الذي أصبح عمليًا تحت القيادة البريطانية – ضد الدولة المهدية.
خسرت القوات المصرية والبريطانية نحو 700 قتيل و3800 جريح، بينما قُتل من أنصار المهدي أكثر من 12 ألف رجل في معركة أم درمان وحدها.
ورغم أن الحملة رفعت شعار “استرداد السودان”، إلا أن السيطرة ذهبت لصالح التاج البريطاني، لا لمصر، إذ تحولت السودان إلى إدارة مشتركة شكلًا، بريطانية فعليًا، واستُبعد المصريون من كل سلطة حقيقية فيها.

سابعاً: عهدا حسين كامل وفؤاد الأول (1914–1936)

🔻 فيلق العمال المصري (1914–أوائل العشرينيات)

مع إعلان الحماية البريطانية على مصر وخلع الخديوي عباس حلمي الثاني عام 1914، استمرت معاناة المصريين خلال عهد السلطان حسين كامل (1914 – 1917)، حين أنشأت سلطات الاحتلال ما سُمّي بـ “فيلق العمال المصري”. جُند في هذا الفيلق أكثر من نصف مليون فلاح مصري قسرًا، واقتيدوا من قراهم للعمل في مهام لوجستية وعسكرية تشمل حفر الخنادق، نقل الذخائر، بناء الطرق والمعسكرات، ومدّ السكك الحديدية على جبهات الحرب العالمية الأولى، من فرنسا إلى فلسطين والعراق وشرق إفريقيا.
تعرض هؤلاء العمال للجوع والبرد والأمراض وسوء المعاملة، وكانوا يُعاملون بعنصرية شديدة من قبل الضباط البريطانيين، الذين كانوا ينظرون إليهم بازدراء ويمارسون تجاههم الاستغلال والقمع، في شكل أشبه بالعبودية. ومات منهم نحو 100 ألف مصري في واحدة من أبشع المآسي الإنسانية.

ورغم انتهاء الحرب عام 1918، استمر استغلال الفلاحين المصريين والعمل القسري داخل مصر والسودان حتى أوائل العشرينيات، في ظل النفوذ البريطاني خلال عهد فؤاد الأول (1917 – 1936)، لتظل مصر تُدار كأنها مزرعة للإمبراطورية البريطانية يُستنزف فيها أبناؤها دون أجر حقيقي أو حقوق قانونية.

ثامناً: عهد الملك فاروق (1936–1952)

🔻 استغلال مصر في الحرب العالمية الثانية (1939–1945)

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت مصر إلى قاعدة عسكرية ضخمة للحلفاء.
انتشرت القوات البريطانية في أرجاء مصر، وصارت البلاد خاضعة بالكامل لإدارة سياسية وعسكرية أجنبية.
استُنزفت موارد مصر الزراعية والصناعية لخدمة مجهود الحرب البريطاني، وارتفعت الأسعار، وانهارت العملة، فيما استولت بريطانيا على ثروات مصر وفرضت على الحكومة قروضًا قسرية لتمويل الحرب.
في معركة العلمين (1942)، كانت مصر ميدانًا للمعارك بين الحلفاء والمحور، وسقط ما لا يقل عن 500 مدني مصري جراء القصف والانفجارات، خلال معركة العلمين ، زرعت قوات الحلفاء ودول المحور ملايين الألغام في صحراء العلمين، مما حولها إلى مناطق خطرة توقفت بها الحياة والتنمية لعقود طويلة.

🔹 حرب فلسطين (1948)

كانت حرب فلسطين عام 1948 علامة فارقة في تاريخ مصر الحديث، إذ كشفت حجم التخبط السياسي والعسكري الذي ساد مؤسسات الدولة في أواخر العهد الملكي.

فبعد إعلان قيام دولة إسرائيل في 15 مايو 1948، اندفعت الحكومة المصرية إلى الحرب دون إعداد كافٍ أو خطة واضحة. تحركت القوات بسرعة، بينما تضاربت الأوامر بين القصر ووزارة الحربية والقيادة العامة، فدخل الجيش ساحة المعركة وسط فوضى تنظيمية وغياب تنسيق فعلي مع الجيوش العربية الأخرى.

شارك نحو 20 ألف جندي مصري في القتال، وتمكنوا في البداية من تحقيق مكاسب ميدانية في غزة والمجدل والفالوجا وبيت لحم، لكن سرعان ما تبدّل الموقف بسبب ضعف الإمداد وسوء القيادة. كانت الأسلحة قديمة وغير صالحة، والذخائر ناقصة، والاتصال بين الوحدات شبه منعدم، فيما تمتعت القوات الإسرائيلية بتسليح متطور ودعم خارجي واسع.

في حصار الفالوجا، بدأت فكرة الثورة تختمر في ذهن جمال عبد الناصر ورفاقه، بعدما أدركوا أن أزمة الجيش ليست في بسالة جنوده، بل في فساد من يوجههم من فوق.

بنهاية الحرب، استولت إسرائيل على 77% من أرض فلسطين التاريخية، فيما خضعت الضفة الغربية والقدس الشرقية لحكم الأردن، وقطاع غزة للإدارة المصرية.
خسر الجيش المصري أكثر من 1400 شهيد و3000 جريح، وخرجت مصر من الحرب مثقلة بالهزيمة، بعدما قاتلت دون هدفٍ واضح ولا قيادةٍ رشيدة.

كانت تلك الهزيمة القاسية جرس إنذارٍ نهائي، أيقظ جيل الضباط الذين سيغيّرون وجه مصر بعد أربع سنوات فقط، حين أطاحوا بالنظام الملكى.

🔻 الخاتمة

من الحجاز إلى القرم، ومن المورة إلى جورا، ومن كردفان إلى فلسطين، ومن خنادق أوروبا إلى صحراء العلمين، سال الدم المصري في ميادين الغير، لا دفاعًا عن وطنٍ ولا طمعًا في مجدٍ يخصّه. حمل الجندي المصري بندقيته مرغمًا، يقاتل تحت رايات لا تمت إليه بصلة؛ تارةً باسم سلطانٍ عثمانيٍ لم يعرف من مصر إلا خراجها، وتارةً تحت حاكمٍ جائرٍ وافدٍ من ألبانيا يبحث عن مكاسبه على حساب المصريين، ثم في ظلّ احتلالٍ أجنبي جرّد المصري من إرادته، واستُغلّ أبناء الفلاحين ليحفروا خنادق غيرهم ويموتوا غرباء في معارك لا تعنيهم.

لمدة ما يقرب من قرن ونصف، كانت مصر تُساق إلى الحروب بغير قرارٍ ولا مصلحة، حتى بزغ فجر الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، لتستعيد للمرة الأولى جيشها الوطني، ويستعيد جيشها إرادته، فيصبح القتال دفاعًا عن الوطن وسيادته لا تنفيذًا لأوامر الغرباء.
ومنذ ذلك اليوم، بدأ المصري يكتب تاريخه بدمه الحرّ لا بمداد الآخرين.
___________
المراجع:

عصر محمد علي – عبد الرحمن الرافعي

محمد علي الكبير – محمد شفيق غربال

كل رجال الباشا: محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة – خالد فهمي

محمد علي: سيرته وأعماله وآثاره – إلياس الأيوبي

حروب محمد علي – السيد فرج

الجيش المصري في الحرب الروسية المعروفة بحرب القرم (1853–1855م) – الأمير عمر طوسون

مصر في عهدي عباس وسعيد – د. زين العابدين شمس الدين نجم

بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك – الأمير عمر طوسون

عصر إسماعيل (جزآن) – عبد الرحمن الرافعي

تاريخ مصر في عهد الخديوي إسماعيل – إلياس الأيوبي

مصر والسيادة على السودان: الوضع التاريخي للمرحلة – د. محمد فؤاد شكري

فرقة العمال المصرية: العرق والفضاء والمكان في الحرب العالمية الأولى – كايل جي. أندرسون

مصر في الحرب العالمية الأولى – د. لطيفة محمد سالم

يوميات جمال عبد الناصر في حرب فلسطين – تقديم: محمد حسنين هيكل

كيف سقطت الملكية في مصر؟ فاروق بداية ونهاية – محمد عودة

العروش والجيوش (جزآن) – محمد حسنين هيكل

فاروق وسقوط الملكية في مصر (1936–1952) – د. لطيفة محمد سالم

شاهد أيضاً

مع احترامي للنائب الدكتور علي المقداد

✍️ علي خيرالله شريف نحن لا نخون أحداً يا حضرة النائب، ولكن اسأل جوزاف عون …