التحول القادم: حين يسقط الوهم وتنكشف شرعية الغياب

​بقلم: محمد علي اللوزي

​لقد ولى الزمن الذي كانت فيه الرؤى السياسية تُبنى على الأوهام، واندثر العهد الذي كانت فيه المسماه شرعية تُستمد من الغياب. اليوم، يقف المشهد السياسي على أعتاب تحوّل حقيقي وجذري، تحوّل يولد من رحم الميدان، ليطيح بكل ما هو زائف وبالٍ.
​لم يدرك المتشبثون بـ “الرياض واخواتها” أن المتغيّر التاريخي كان يسير في خط معاكس تماماً لهم. لقد ظنوا أن رياحهم مواتية، غير مدركين أنها لم تكن سوى نذر عاصفة عاتية تستعد لاقتلاع أوهامهم من جذورها. ظلوا يتشبثون بخيوط هزيلة، بأدوار خيانية وشعارات مهترئة لم تعد تقنع أحداً من الشعب الذي يعيش الواقع. إنهم لم يعقلوا أن الزمن قد تغيّر، وأن النبض السياسي الحقيقي لم يعد يُدار من فنادق فخمة في عواصم بعيدة، ولا عبر بيانات مكررة تصدر من خلف الحدود
​إن التحول الحقيقي الذي يتشكل الآن يتجاوز تلك “الشرعجية” المرتهنة التي فقدت معناها الحقيقي وغرقت في تيه التخبط والعمالة. لقد تاهت هذه المسماه الشرعية بين المال والسياسة، بين أوامر الخارج المُملِك وصراعات الداخل المُنهِك، حتى فقدت صلتها العضوية بالأرض التي تزعم تمثيلها.
​لقد وقعت هذه القيادات الغائبة في فخ الإغراء المادي، حيث التهمت رزم النقود بلهفة، وظنت أن النفوذ يمكن شراؤه بالمال، وأن الولاءات تُدار بميكانيكية الحسابات المصرفية. لكنها نسيت أن ذاكرة الأمة لا تُشترى بثمن، وأن الشعوب حين تشعر بالخديعة تُسقط الأصنام السياسية مهما ارتفع بنيانها. إن ثمن هذه “اللاوطنية” والتبعية سيكون باهظاً، لأن التاريخ لا يرحم المتخاذلين الذين تقاعسوا عن الحضور، ولأن الأرض لا يمكن أن تنسى من غاب عنها وقت اشتداد المحن.

ومالم يفهمه الخونة ​، أن التحولات الكبرى والحاسمة لا تُصنع في المكاتب المُكيّفة، ولا تُقرَّر في المؤتمرات الملونة التي تتسابق فيها الكاميرات، بل تُولد من رحم المعاناة الصادقة، من أقدام أولئك الذين يزرعون الأمل في تراب الوطن ويحمون بصدورهم معنى الكرامة والوطن.
​إنهم أولئك الذين يعيشون الواقع بكل تفاصيله القاسية والمرة، يواجهون القهر والتحديات بشكل يومي، ويعيدون صياغة الوعي الجمعي لا بالشعارات، بل بالعمل اليومي والتفاعل الحقيقي والمباشر مع الناس. هؤلاء وحدهم، الذين يمتلكون جذوراً في الأرض، هم من يصنعون المستقبل، بينما يكتفي المنفيون في الخارج بالمراقبة والادّعاء الفارغ.
​من لا يمتلك البصيرة الكافية لقراءة هذه التحوّلات الميدانية بعين فاحصة وموضوعية، سيجد نفسه خارج المشهد تماماً، متفرجاً من بعيد على وطن يُعاد بناؤه وتشكيله دون أن يكون له فيه موطئ قدم أو بصمة حقيقية. سيكتشف المتشبثون بالأوهام أن ما ظنّوه في يوم من الأيام “مركز القرار” لم يكن سوى ظلّ زائل لا يمتلك أي قوة حقيقية، وأن من ظنوا أنهم صُنّاع التغيير لم يكونوا سوى عَبَث سياسي عابر لا يُلقى له بال.
​الحضور هو المعيار، والغياب ثمنه الخسارة
​لقد أصبح الدرس اليوم جلياً وواضحاً كالشمس: السلطة الحقيقية تُبنى بالحضور الدائم، بالتفاعل المستمر مع نبض الجماهير، وبالمشاريع الملموسة التي تلمس احتياجاتهم الجوهرية وتخفف من معاناتهم، وليس بالتصريحات الجوفاء ولا بالارتهان للمصالح الخارجية العابرة والمتبدلة.
​وحين ياتي وقت الحساب التاريخي والوطني، سيُعرف أولئك التنابلة بوضوح من كان على الأرض يصنع التحوّل ومن ظلّ يبيع الوهم من وراء الشاشات وفي المنافي. سيعلم “الشرعجيون” حينها فداحة خطئهم التاريخي، وسيذوقون مرارة الخسارة التي صنعوها بجهلهم أو ارتهانهم.
​لأن القانون الأبدي للتاريخ والوطن لا يرحم الغائبين، ولأن الوطن، بكل قيمه ومعانيه، لا يُدار بالغياب. هذا التحول قادم لا محالة، وستسقط معه كل الأقنعة لتنكشف شرعية الغياب على حقيقتها: وهم زائل.

شاهد أيضاً

مع احترامي للنائب الدكتور علي المقداد

✍️ علي خيرالله شريف نحن لا نخون أحداً يا حضرة النائب، ولكن اسأل جوزاف عون …