بذكرى مجزرة المعيصرة، إلى أهالي جبيل وكسروان، وأحزابها وشخصياتها وكنائسها وأديرتها

بقلم: ناجي علي أمهز

كان الأب أنطوان ضو، مثلث الرحمة، يتحدث عن التعايش في جبيل وكسروان، كمن يتلو صلاة لا تعرف نهاية.
كان يرى في الإنسان الفينيقي دينًا قائمًا بذاته، دينًا لا تُكتب وصاياه على الحجر، بل على القلب.
كان يقول: “الإنسان الذي يحبّ، هو وحده الذي يعرف الله، لأن الله لا يُعرف إلا بالمحبّة.”

وكان فخورًا بهويته اللبنانية المشرقية الأصيلة، كما يفخر النسر بجناحيه حين يعلو فوق السحاب.
يقول لي دائمًا: “أنا من جبيل… من أرضٍ فيها صدى القداسة، وفيها مار شربل قديس بحجم الكرة الأرضية، ومنها انطلقت الأبجدية، فأنطقت الحجر وعلمت العالم الكلام.”

وفي جلسةٍ من تلك الجلسات الطويلة، رأيته يبكي كطفلٍ أمام وجه أمه،
قال لي بصوتٍ يرتجف بالحنين:
“أجمل ما في الوجود أن تصحو على وجهٍ تحبه، أن تفتح بابك فتجد أهلك ينتظرونك حول فنجان قهوة،
أن تتفيأ ظلّ شجرةٍ تعرفك، وأن يملأ نسيم الصباح قلبك بذكرياتٍ تشبه صلاة الأم.
أن تشمّ رائحة الخبز المرقوق على الصاج، وتسمع ضحكة أبيك وهو يحلم لك بمستقبلٍ تضيئه المحبّة.”

ثم تابع وهو يمسح دمعته:
“يا بنيّ، الذكريات التي تولد من المحبة، لا تموت.
هي الزيت الأخير في قنديل العمر، تضيء لنا الدرب حين يشتدّ العتم.”
وكان يقول إن المحبة هي جوهر الإنسان،
هي التي جعلته يعزف الموسيقى ليقول ما لا يقال،
ويكتب الشعر ليبوح بما لا يُبوح،
ويكون طبيبًا ليمنع الموت من أن يغلب الحياة.

ثم نظر إليّ وقال:
“أنا صرت راهبًا لأن المحبة امتلكتني، أحببت يسوع لأنه علّمني كيف أحب الناس.
وفي بلادنا، بلاد جبيل وكسروان، المغمورة بجمال الطبيعة،
لا مكان للعقارب والأفاعي، لأن هذه الكائنات لا تعيش إلا في الصحراء الجافة،
ومن يفقد المحبة، ولو عاش بين الأنهار والأشجار، يصير قلبه صحراء.”

وكان يختم كلماته بابتسامةٍ تشبه النور:
“الناس يوزعون الطحين والسكر،
أما أهل جبيل وكسروان فيوزعون المحبة.”

إلى أهلي في جبيل وكسروان،
إلى هذه الأرض التي تجمع بين حجارة الكنائس وصوت الأذان،
إلى هذه النفوس التي لا تزال تحفظ يسوع في القلب، لا في الصور،
إلى كل حزبٍ وكل شخصية، إلى كل صخرةٍ وزهرةٍ وشجرةٍ في بلادنا،

تعالوا نتذكّر معًا مجزرة المعيصرة،
لا لنبكي الموت، بل لنوقظ الحياة.
لنقرع الأجراس، ونرفع الأذان، ونوقد الشموع،
لنقول للعالم إن المحبة التي تسكن جبالنا لا تموت،
وإننا رغم الألم باقون على العهد، أبناء نورٍ لا يطفئه الدم.

تعالوا نتذكّر الأطفال الذين قُتلوا وهم يحلمون بالغد،
نتذكّر الخائفين الذين صرخوا “يا عدرا دخيلك”،
والذين رفعوا وجوههم نحو السماء وقالوا “يا الله ساعدنا.”

فلنجعل من إنسانيتنا مجدًا،
ومن محبّتنا عهدًا،
ولتبقَ جبيل وكسروان،
صورة الله على وجه الأرض.
خلونا نصلي كلنا، بعده الله فينا وببلادنا.

شاهد أيضاً

*يونيو في الذاكرة العربية* *استنفار الإرادة العربية* *خميس القطيطي* https://alwatan.om/article/42505/%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D9%81%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة كانت حرب يونيو 1967م، التي قال عنها الشاعر العروبي الكبير نزار قباني: «أدمت سياطُ حزيران ظهورهم فأدمَنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا… وطالعوا كتبَ التاريخ.. واقتنعوا: متى البنادقُ كانت تسكن الكتبَا؟!». لكن عندما تستحضر الذاكرة العربيَّة، تستنفر الأقلام لاستذكار المآسي عن سبق إصرار وترصد، ويطغى عليها أحيانًا حالـة من التشفي وتصفية الحسابات لإفراغ الشحنات السلبيَّة. وللأسف، فإن ذاكرة يونيو تُمثِّل فرصةً سانحة لاستهداف قائد عربي كبير بحجم جمال عبد الناصر، الذي قلب مواجع الأعداء وأفقدهم مراكزهم الاستعماريَّة في الشرق العربي من المحيط إلى الخليج. فكيف إذا كان الحدث يُعَد نكسة، حسب ما يراد تسميتها، وقد غيرت الحدود؟! هنا لا تحتاج الأقلام إلى ترخيص لتصبَّ هجومها اللاذع على زعيم عربي قاد تجربةً عظيمة من التجارب الإنسانيَّة الحاكمة، ورفع صوت العروبة عاليًا في المحافل الدوليَّة. فكان ينبغي التريث لمحاكمة التجربة سلبًا وإيجابًا في ظرفها الزماني والمكاني، وظرفها الدولي، واتباع قواعد منهجيَّة في المحاسبة التاريخيَّة، وتحري الأمانة والدقة والمصداقيَّة. لكن ـ للأسف ـ أغلب مَن ينبري لمهاجمة عبد الناصر جاء متماهيًا مع حملات التشويه التي لم تتوقف منذ رحيله، ومع الزمن قلبت الحقائق فأصبحت المنجزات من الخطيئات. لكن ـ مع ذلك ـ بقي عبد الناصر هو القائد العربي الحاضر الذي لم يغبْ أبدًا عن أي مناسبة عربيَّة تُرفع فيها صوره في مختلف الأرجاء، استئناسًا بتجربته الرائدة التي عبرت الزمان والمكان، وأصبحت نموذجًا للبطولة ومقاومة الاستعمار والعدالة الاجتماعيَّة؛ لذا تحولت تلك الحملات الناقدة وقودًا يضيء تلك التجربة العظيمة. عندما يتحول يونيو إلى حالة استنهاض قومي واستيقاظ أُمَّة لإعادة البناء والتجديد، فهي ـ بلا شك ـ إصابة أرادها الله منبهةً للأُمَّة وقياداتها للتحرك المدروس نحو استرداد الكرامة والثأر. وهو ما حدث منذ اليوم التاسع من يونيو 1967م، عندما أعلن جمال عبد الناصر خطاب التنحي، فأعقبته ثورة عارمة في شوارع القاهرة والمُدن الكبرى والأرياف بخروج الملايين من أبناء مصر، بل وملايين آخرين من أبناء الأُمَّة العربيَّة، رفضًا لخطاب التنحي والمطالبة بالعدول عن القرار، مرددين: «هنحارب»، رفضًا للهزيمة. فتلك الجماهير استشعرت ـ بأحاسيسها ـ أن عبد الناصر هو القائد الذي سيكمل المشوار ويقود المرحلة الأصعب في تاريخ الصراع؛ لأنه كان يحمل مشروعًا وطنيًّا وقوميًّا خالصًا، وبدأ الإعداد لمعركة استرداد الكرامة. فكانت إرادة الله متوّجةً لهذا الزعيم بالعودة وقيادة ذلك الوهج القومي الذي كان يسجل أعظم النتائج على صعيد الاستعداد للحرب، وحرب الاستنزاف، وتحديث الجيش المصري، ولملمة شتات الموقف العربي، واستمرار النهج الوطني في التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعيَّة، والمكانة الدوليَّة، وضخ المزيد من وقود التحرير للأقطار العربيَّة والإفريقيَّة، ليصبح عبد الناصر مُلهم الأحرار حول العالم على طريق الحريَّة والوحدة والكرامة الإنسانيَّة، يرفع شعار: «ارفع راسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستبداد». نعم، كانت عودة عبد الناصر هي أعظم استفتاء في التاريخ، حيث قضت مشيئة الله أن يعود عبد الناصر متوجًا بإجماع وطني ـ قومي عربي، ليبدأ مرحلةً جديدة من النضال. النظر إلى تجربة الزعيم جمال عبد الناصر يتطلب استقراء التجربة بتجرد وعمقٍ، والتمعن في مبادئها وأدواتها ومنجزاتها، واستطلاعًا أوسع لتاريخها بعيدًا عن حُمَّى التشويه التي ألقت بظلالها على فهم التجربة وحقيقتها وقيمتها. وكما قال أحدهم: الفرق بيننا وبينهم «الجنائز»، يقصد جنازة عبد الناصر المليونيَّة. ونحن نقول إن الفرق يكمن أيضًا بين تجربة عبد الناصر في حجم تأثيرها وحضورها الدائم ومنجزاتها ومبادئها الفكريَّة التي قدمتها، وما زالت حاضرةً في ذاكرة التاريخ العربي الحديث. رحم الله جمال عبد الناصر، الذي قال فيه الشاعر العروبي الكبير: «رفيقَ صلاح الدين.. هل لك عودةٌ؟ فإن جيوشَ الروم تنهى وتأمرُ. رفاقُك في الأغوار شدوا سروجَهم، وجندُك في حِطِّين صلوا.. وكبروا. تغنّى بك الدنيا.. كأنك طارقٌ، على بركات الله يرسو.. ويبحرُ. تناديك من شوقٍ مآذنُ مكةٍ، وتبكيك بدرٌ، يا حبيبي، وخيبرُ. ويبكيك صفصافُ الشام ووردُها، ويبكيك زهرُ الغوطتين، ودُمَّرُ». هكذا كانت تجربة جمال عبد الناصر، وهكذا أراد الله أن تتلقى الأُمَّة هزيمةً منبهةً تعود بعدها للاستعداد واسترداد الكرامة على مبدأ: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلَّا بالقوة، وهكذا كانت تلك المرحلة العروبيَّة العظيمة.

  *خميس القطيطي* يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة …