{نواف سلام} بين واجباته ك رئيس حكومة الدولة اللبنانية وإملاءات الخارج

كتب إسماعيل النجار،،

في لحظةٍ مفصلية يمرّ بها لبنان والمنطقة، يتبدّى المشهد السياسي اللبناني مفعماً بالتوترات، فيما تزداد علامات الاستفهام حول أداء رئيس الحكومة نواف سلام وحدود انحيازه الوطني. فبدلاً من أن يشكّل موقعه رافعةً لتماسك الدولة وتعزيز ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم، تبدو سياساته أقرب إلى إدارةٍ تنفيذيةٍ تُنفّذ تعليماتٍ خارجية أكثر مما تعبّر عن قرارٍ وطنيٍّ مستقل.
لا يخفى على أحد أنّ حكومة سلام انزلقت في الآونة الأخيرة إلى نهجٍ بوليسيٍ مقلق، تجلّى في تضييق الخناق على الجمعيات الإعلامية والثقافية، وإقفال المنابر التي حملت صوت المقاومة والهوية الوطنية، وآخرها قرار سحب رخصة جمعية “رسالات”.
هذا القرار، ومعه سلسلة مواقف مستفزة تتعلّق بسلاح المقاومة، أثارت انطباعاً واسعاً بأنّ رئاسة الحكومة تنساق نحو مشروعٍ خارجي هدفه إعادة تشكيل التوازنات الداخلية بما يخدم أجنداتٍ أميركية وإسرائيلية واضحة المعالم.
من المؤسف أن تتحوّل السلطة التنفيذية في لبنان إلى أداةٍ لفرض معادلاتٍ أمنية وسياسية لا تعبّر عن المزاج الشعبي العام، ولا تراعي خصوصية التركيبة اللبنانية. فالمقاومة، التي قدّمت آلاف الشهداء دفاعاً عن الأرض والسيادة، تواجه اليوم حملة سياسية وإعلامية غير مسبوقة، تُخاض بأدوات محلية لكنها مستوحاة من خطابٍ خارجيٍ لا يخفي عداءه المعلن لها. فالدعم الأميركي وأبعاد النفوذ الإقليمي ظاهرة للعيان ولا يمكن فصل الحضور السياسي لنواف سلام عن الاستراتيجية الأميركية الأوسع في الشرق الأوسط، والتي تسعى منذ سنوات إلى إعادة رسم خرائط النفوذ في المنطقة بما يضمن أمن إسرائيل واستمرار تدفق الطاقة عبر الممرات الحيوية للغرب.
واشنطن، التي تنظر إلى لبنان بوصفه ساحة توازنٍ دقيقة بين محور المقاومة وحلفائها، ترى في سلام شخصيةً مناسبة لترسيخ نفوذها الناعم داخل مؤسسات الدولة، من خلال خطابٍ ليبرالي المظهر، لكنه يخدم في الجوهر مشروع “الاحتواء السياسي” للمقاومة وإعادة توجيه القرار اللبناني نحو الغرب.
هذا الدعم، وإن بدا دبلوماسياً في شكله، إلا أنه يحمل في مضمونه رهاناً أميركياً على إضعاف التماسك الداخلي اللبناني، لصالح اصطفافاتٍ جديدة تتيح للنفوذ الغربي مزيداً من السيطرة في شرق المتوسط. ورغم كل الاستفزازات، ما زالت المقاومة تضبط إيقاعها وتُجنّب الساحة الداخلية الانزلاق إلى الفوضى. لكن من الخطأ الاعتقاد أنّ صبرها مفتوح إلى ما لا نهاية، خصوصاً في ظلّ التوتر الإقليمي المتصاعد واحتمالات انفجار المواجهة العسكرية مع إسرائيل. فالسياسات المتسرّعة، والخطابات التي تمسّ بالكرامة الوطنية أو تستفزّ مكوّناتٍ أساسية في المجتمع، قد تفتح الباب على مرحلةٍ شديدة الخطورة تُهدّد ما تبقّى من استقرارٍ لبناني هشّ.
إنّ لبنان، بتعدّده وتاريخه ودوره، لا يحتمل تكرار سيناريوهات الاصطفاف خلف الخارج. وما يحتاجه اليوم ليس حكومة تُرضي السفارات، بل قيادة وطنية تعيد التوازن إلى الدولة وتحفظ كرامة جميع اللبنانيين دون استثناء.
فالرهان على إضعاف المقاومة أو عزلها هو رهانٌ خاسر، لا لأنّها تمتلك السلاح فحسب، بل لأنها باتت جزءاً من الوجدان الوطني الذي يرفض الارتهان والوصاية.
ويبقى الأمل أن يُراجع الرئيس سلام سياساته قبل أن يتحوّل موقع رئاسة الحكومة إلى عنوانٍ لأزمةٍ وطنية جديدة. فالتاريخ لا يرحم، واللبنانيون تعبوا من حكوماتٍ تُدار من الخارج وتُنفّذ أجنداتٍ لا تشبههم.

بيروت في،، 7/10/2025

شاهد أيضاً

مع احترامي للنائب الدكتور علي المقداد

✍️ علي خيرالله شريف نحن لا نخون أحداً يا حضرة النائب، ولكن اسأل جوزاف عون …