كتب د.بسام أبو عبد الله
الخميس 25 أيلول / سبتمبر 2025
يبدو أنّ آلة الدعاية الرسمية في دمشق عثرت أخيراً على ما تقدّمه لشعبٍ أنهكته الحرب والعقوبات: مصافحة! نعم، مصافحة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب لأحمد الشرع في حفل استقبال مكتظ بالوفود والكوكتيلات.
الإعلام الرسمي قدّم الأمر بعبارة «الشرع التقى ترامب»، وكأنّ الرئيس الأميركي جلس معه في اجتماع ثنائي طويل. لكنّ كلمة «لقاء» هنا خدعة لفظية؛ فهي توحي بوجود جلسة ومباحثات، بينما الحقيقة لا تتعدى ثوانٍ من مجاملة بروتوكولية: يدٌ ممدودة، ابتسامة رسمية، وصورة على السجادة الحمراء… ثم إلى الوفد التالي.
ولم يكتفِ الإعلام بذلك، بل كرّر أيضاً لازمة «الشرع أول رئيس سوري يلقي كلمة في الأمم المتحدة منذ 1967» وكأنها شهادة إنجاز تاريخي. هذا التكرار ليس بريئاً؛ فهو محاولة لمنح الحدث زخماً و”طابعاً تاريخياً” في غياب نتائج سياسية حقيقية. الفرق الفعلي لا يتجاوز أن المتحدث هذه المرة رئيس الإدارة بدل وزير الخارجية، أي تغيير شكلي في مستوى التمثيل، لا اختراق دبلوماسي. الهدف من هذه اللازمة الإيحاء بأن ما يجري حدث فريد غير مسبوق، فيما هو في الواقع حضور بروتوكولي متاح لأي دولة عضو.
الأكثر إثارة للسخرية أن القاعة كانت شبه فارغة أثناء إلقاء الكلمة التاريخية، وكأن التاريخ نفسه فضّل الغياب عن هذا العرض المسرحي. وفي الوقت الذي كان الشرع يروّج للمظالم والعدالة وحقوق المواطنين في الأمم المتحدة، كانت قوات ما يسمى أمن عام تغزو مناطق في ريف حماة، تقتل، تعتقل، وتنتهك حقوق السوريين في مشهد مزدوج من التناقض الصارخ بين الكلام والفعل، بين المسرح العالمي والواقع الميداني.
الإعلام غلّف المصافحة والكلمة معاً بـ”إنجاز دبلوماسي” و”لحظة تاريخية”، وكأن الدبلوماسية تُقاس بعدد الكاميرات التي التقطت الصورة أو بعدد السنوات منذ آخر خطاب، لا بما عاد به الوفد من نتائج ملموسة. قليلٌ من الاحترام والخجل حيث يجب، فالناس تفرّق بين إنجاز حقيقي وفقاعة إعلامية.
وحتى لا يُساء الفهم، ما أكتبه هنا ليس انزعاجاً ولا نكاية، بل توضيح للرأي العام الذي من حقه أن يعرف الوقائع بحجمها الطبيعي من دون نفخ الحدث، وخشية أن نُفاجأ غداً بشعار جديد على لافتات المسيرات: «ترامب حبيب بني أمية حتى يوم القيامة»!
وكلمسة أخيرة، كان المندوب الدائم في الأمم المتحدة إبراهيم العلبي يرفض الإفصاح عما إذا كان هناك لقاء بين الشرع ونتنياهو، معتبراً أن برنامج الشرع متغير ومتبَدّل، ولن يفصح عن أي معلومة، في مقابلة مع قناة المشهد. ومن أبرز علامات الانحطاط الأخلاقي أنه وسط هذه المسرحية، بعض المطبلين ذهبوا أبعد من ذلك، فادّعوا بأن رئيسة وزراء إيطاليا قد أغرمت بالشرع، وكأن التملّق السياسي يحتاج إلى الخيال الرخيص لإنتاج حب وهمي. هذه السخافات تكشف مدى الانحطاط الأخلاقي، وتحوّل كل حدث رسمي إلى مسرحية كوميدية يمزج فيها السراب بالخيال الساذج.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
