التعليق السياسي في زمن المقاومة:
 «إسرائيل» في موقع الدفاع لا في موقع الهجوم…

دعدنان منصور _

رغم كلّ التصريحات، والتحذيرات، والتهديدات، والتلويحبالحرب، التي يطلقها القادة السياسيون والعسكريونالإسرائيليون” من آنٍ الى آخر ضدّ لبنان ومقاومته، ورغمالمناورات الحربية والاستفزازات، والتحصينات، والقببالحديدية، والخروق العدوانية المتواصلة للسيادةاللبنانية براً وبحراً وجواً، فإنّ حقيقة لا يمكن تجاهلها،تحيط بالكيان الصهيوني، تجعله مكبّل اليدين أمام أيّةمغامرة يقوم بها مستقبلاً، لشنّ عدوان واسع النطاق، علىلبنان، وبالذات على المقاومة فيه، لاعتبارات عديدة لايمكن له عدم التوقف عندها، أو التغافل عن تداعياتها.

لقد عمدت “إسرائيل” على مدار عقود منذ احتلال الكيانالصهيوني لفلسطين عام 1948، أن تكون البادئة في شنّأيّ عدوان على دول عربية، واضعة في حسابها، دعماً قوياًمن الغرب، لا سيما الولايات المتحدة التي توفر لهاالإمكانات والغطاء السياسي، والدعم الدولي أثناء الحربوبعدهاهكذا كانت “إسرائيل” تشنّ العدوان تلو العدوان،منذ عام 1955 على قطاع غزة، وعام 1956 على مصر أثناءالعدوان الثلاثي عليها، وحرب حزيران عام 1967،والعدوان على مطار بيروت الدولي عام 1968 وتفجيرالطائرات المدنيّة فيه، والعدوان الذي أسفر عن اجتياحالأراضي اللبنانية عام 1982، وعدوان “عناقيد الغضب” عام 1996 وقصف محطات الكهرباء عام 1999 وصولاً إلىذروة الاعتداءات، وهي الحرب التدميرية الواسعة النطاقالتي شنّها العدو على لبنان عام 2006.

لقد كانت “إسرائيل” في حروبها، تشعر على الدوامبتفوّقها العسكري النوعيّ الذي يجعلها كلّ مرة في موقعالهجوم، حيث كانت تخوض حروبها، وتنقل معاركها الىخارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، تقصف ولا تُقصف،تضرب ولا تُضرب، تسيطر على الأراضي وتجعل منالاحتلال أمراً واقعاً، يعززه تأييد وانحياز غربي وقح لها،من دون أيّ اعتبار للقانون والمجتمع الدولي، وللقراراتالأممية ذات الصلة.

كان التفوّق العسكري الجوي “الإسرائيلي” على الدواميغطي السماء الفلسطينية، يدفع بالعدو كي يتمادى فيعدوانه وعنجهيّته وغروره، حتى جاء الوقت الذي بدأتفيه المعادلات العسكرية والبشرية النوعية ترسمخريطتها على الأرضإذ بدأت مرحلة جديدة مع مطلعالثمانينيات، تؤسّس لمعادلات قوية بدأت تقلب في مابعد، التوازنات والمعايير، والمقاييس العسكرية التي كانتسائدة لفترة من الزمن، والتي كانت تصبّ بشكل دائم فيصالح العدو.

للمرة الأولى وجدت “إسرائيل” نفسها، وقادتهاالسياسيون والعسكريون، أنهم أمام وضع جديد، وأماممقاومة يصعب احتواؤها، أو كسرها او هزيمتها، نظراً لماتتمتع به من أسباب القوة، والإيمان العميق بقضيتهاورسالتها، واستبسالها في الدفاع عن الأرض والإنسانمقاومة مشبعة بعقيدة راسخة، وبالمعنويات والروحالقتالية العالية، معزّزة، ومحصّنة بآلاف المقاتلينوالاستشهاديين

المتعطشين لمواجهة المعتدين المحتلين.

لقد شكلت المقاومة للعدوان “الإسرائيلي” الواسع النطاقعلى لبنان عام 2006، علامة فارقة ومنعطفاً استراتيجياًكبيراً في تاريخ الصراع العربي “الإسرائيلي، حيث ألحقتالهزيمة بالجيش “الإسرائيلي، من دون أن يحقق أهدافهفي القضاء على المقاومة، ومن دون أن يتيح لحليفتهالولايات المتحدة إنشاء “الشرق الأوسط الجديد”. إذ كانتالمواقع والأهداف في الداخل “الإسرائيلي” تقصف للمرةالأولى منذ إنشاء الكيان عام 1948، حيث لم يستطعالعدو حتى اليوم استيعاب ما حلّ بجيشه على يدالمقاومين، والتداعيات التي لا تزال آثارها تتفاعل، تقلقالعدو، وتشكل هاجساً ورعباً دائماً له، يجعله يحسب ألفحساب للمقاومة قبل أن يخوض أيّ مغامرة عسكرية، أوحرب يلجأ إليها.

اليوم ومع مرور خمسة عشر عاماً على العدوان،الصهيوني، تعلم “إسرائيل” وأجهزتها العسكرية، كماالأجهزة الخارجية، علم اليقين مدى استعداد، وقدرات،وتجهيزات، واقتدار المقاومة، وحكمة قيادتها، ومعدنرجالها، ومقاتليها، ومجاهديها، وتماسك حاضنتهاالشعبية، ما يجعلها على أتمّ استعداد لصدّ أيّ عدوان،وأن تلحق الدمار بالمنشآت “الإسرائيلية” أينما كانت فيفلسطين المحتلةلم تعد الذراع “الإسرائيلية” طويلةوحدها تعربد متى شاءت، وتدمّر متى ما أرادتفالذراعالطويلة تقابلها ذراع أطول، والدمار الذي كان يلحقهالعدو بنا، لن يكون بعد اليوم بعيداً عنه ومحصّناً بقبَبهالحديديةكما أنّ الكيان “الإسرائيلي، لم يعد يتقبّل أيّمغامرة عدوانية لجيشه، حيث لا أحد يعرف النتائجالوخيمة ما بعد الحرب التي سيواجهها “الإسرائيليون،وهي بالتأكيد لن تكون في صالحهم، ولن توفر لهم بعدذلك الأمن والاستقرار الذي يريدونه.

إنّ التهويل والتهديد والترهيب، والتخويف، والوعيدالإسرائيلي، لن يجدي ولن ينفع، فهو للاستهلاكالداخلي، ولاستيعاب المشاكل والأزمة السياسية الحادّةالتي يعاني منها نتنياهو وشلتهفـ “إسرائيل” اليوم لم تعدتتمتع وتحظى بالغطاء العلني السافر المكشوف لحروبها،من قبل دول كبرى كانت تقف باستمرار الى جانبها، وتبرّرعدوانها، فهي اليوم تحت المجهر، نظراً لخروقاتهاالمتمادية المستمرة للقوانين والشرعية الدولية، وارتكابهاالمجازر ضدّ الإنسانية، وهدمها منازل الفلسطينيين،وتهجيرهم، ومصادرة أراضيهم، وملاحقتها أمام محكمةالجنايات الدولية، بالإضافة الى إدراك وتفهّم شعبي متنامفي المجتمعات الأوروبية والعالمية، يتعاطف معالفلسطينيين وحقوقهم، وينتقد ويدين الممارساتاللاإنسانية ضدّهمكلّ ذلك يضع “إسرائيل” في مأزق،يجعلها مكبّلة اليدين، وفي موقع الدفاع أمام المقاومة فيلبنان وفلسطين، وليس في موقع الهجوم.

إنّ المعادلة على الأرض تغيّرت كمّاً ونوعاً، واقتداراً،وتخطيطاً وتنفيذاً، وهذا ما أجبر العدو أن يكون في موقعلا يُحسَد عليه، رغم الترسانة العسكرية الهائلة التييمتلكها، بحيث يكتفي اليوم بالاستفزازات والاستعراضاتالتي يقوم بها، والمناورات العسكرية، والتهديد، والتهويلالذي يطلقه من وقت الى آخر، تنفيساً لاحتقانه، ورفعمعنويات مواطنيه، عوضاً عن حرب واسعة يشنّها، لنتكون وفقاً لتقديرات الدوائر العسكرية الأجنبية المتابعةللشأن “الإسرائيلي” في صالح العدو وأمنه، واستمراروجوده.

يبقى للمقاومة دورها، وجهوزيتها، وقرارها الحرّ الذيتختاره، في المكان والزمان المناسبين، حيث لن يثنيها عنالدفاع عن كامل أرضها وتحرير ما احتلّ منها حين تدعوالحاجة ويدق النفير.

إنّ العصر “الإسرائيلي” الذي ساد من مطلع الخمسينياتالى التسعينيات، واحتكار الكيان لقرار الحرب قد أفل،ليحلّ مكانه عصر المقاومات على مساحة المنطقة،يفرض إرادته، ويكتب تاريخاً مشرّفاً للأمة وشعوبها، وهيفي مواجهة دولة الاحتلال والعدوان.

*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

المصدر: البناء

شاهد أيضاً

قطاع المالية بمحافظة إب اليمنية يحي ذكرى يوم الولاية وسنوية العالم الرباني بدرالدين الحوثي

تقرير /حميد الطاهري نُظمت مكاتب المالية والضرائب والثقافة والوحدتين التنفيذيتين لضرائب مبيعات القات وضرائب العقارات …