لمن يعنيهم الأمر .. لماذا؟

السيد حسين ابو الحسن
/الغازية /

كنتُ في الصّفّ أشرح قصيدة “عيد الجهاد” للأخطل الصّغير، وهي قصيدة تحتفي بالاستقلال، وتشير إلى التّضحيات الّتي بذلها اللّبنانيّون في سبيل نيل حرّيّتهم،وقد عمدتُ خلال الشّرح إلى إعطاء نبذة عن معركة الاستقلال، وعن الأساليب النّاعمة والعنيفة التي اعتمدها المستعمِر للإبقاء على وجودهً، وكان لا بدّ خلال الشّرح من أن أذكر أسماء بعض القادة الوطنيّين، وخصوصًا أولئك الّذين اعتُقلوا في راشيّا، كما ذكرتُ أسماء بعض الضّبّاط الفرنسيّين الّذين شغلوا منصب “مفوّض سامٍ”، وعملوا ، بحُكم وجودهم في هذا المنصب، على تنفيذ سياسةفرنسا في لبنان.
وفيما كنتُ مسترسلًا في كلامي، وقف أحدالتّلاميذ، وسأل:
– هل يمكن للسّجين أن يحبّ سجّانه؟
بدا لي السّؤال للوهلة الأولى خارج سياق الدّرس، إلّا أنّني أجبتُ بعفويّة: لا.
تابع:
– وهل بمكن لهذا السّجين أن يحفر اسم سجّانه، أو أن يعلّق صورته، على أحد جدران منزله؟
أزعجني سؤاله، فقلتُ بانفعال مكتوم:
– بالطّبع لا.
سأل:
– وإذا فعل؟
لمستُ في سؤاله سعيًا إلى إضاعة الوقت، أو إلى استفزازي، فقلتُ محاولًا أن أختصر كي لا يتمادى في الأسئلة:
– عندها يكون في تفكيره خلل.
قلتُ ذلك، وحاولتُ أن أستأنف الشّرح، إلّا أنّه سألَ مجدّدًا:
-إذًا، لماذا نجدُ في بيروت شوارع تحمل أسماء محتلّين ومستعمِرين؟
قلتُ محاولًا إبداء شيء من الدّهشة:
– أسماء محتلّين ومستعمِرين؟ من تقصد؟
اجاب:
– ويغان، سبيرز، مونو، غورو، كليمنصو…
فاجأني سؤاله. حاولتُ أن أجد جوابًا يُخفي ارتباكي فلا أتلعثم، ووجدتُني أقول:
– ربّما اعتبرَ اللّبنانيّون هؤلاء أبطالًا لأنّهم أدّوا دورًا إيجابيًّا في اتّخاذ قرار بالانسحاب من لبنان وإعطاء هذا الوطن حقَّه في الحرّيّة والاستقلال.
بدا واضحًا أنّ جوابي لم يُقنع التّلميذ، فقد هزّ رأسه في إشارة إلى استغراب جوابي، ورأيتُه يهمّ بطرح سؤال آخر، إلّا أنّني سارعتُ إلى قراءة أبيات من القصيدة لأقطع علبه الطّريق.
استطعتُ أن أتجاوز هذا الموقف، إلّا أنّني لم أستطعْ أن أطرد من ذهني الأسئلة الّتي طُرحت.
فعلًا، لماذا هذا الحرص على تسمية شوارع عاصمتنا بأسماء مَن احتلّوا أرضنا، وأذلّونا، وعملوا على إبقائنا أسرى في وطننا؟
لماذا الحرص على تخليد الّذين لم يقدّموا لنا شيئًا سوى القهر والعسف والتّحكّم بشؤوننا؟
لماذا الإصرار على أن يحتلّ هؤلاء موقعًا في حياتنا اليوميّة، وفي جفرافيّة عاصمتنا، وكأنّهم أبطال مُنقِذون؟
ليس هذا فحسب، بل لماذا ترتفع أسماء هؤلاء، وتغيب أسماء قادة وشهداء وطنيّين قدّموا للوطن الشّيء الكثير الكثير؟
لماذا يغيب اسم حسن موسى عبد السّاتر، وهو الدّركيّ الّذي رفضَ أن يُرفَعَ العلَمُ الفرنسيّ فوق مبنى البرلمان اللّبنانيّ، ودفعَتْه حماستُه إلى انتزاع العلَم اللّبنانيّ من يد رئيس مجلس النّوّاب آنذاك صبري حماده، والمسارعة إلى رفْعه على السّارية، فأطلقَ أحد جنود الاحتلال الفرنسيّ (من أصل سنغاليّ) رصاصةً عليه اخترقتْ خوذته، واستقرّتْ في رأسه وأدّت إلى استشهاده؟
لماذا يغيب اسم شهيد معركة استقلال لبنان سعيد فخر الدّين الّذي حاولَ منْع جنود الاحتلال منَ الوصول إلى مقرّ الحكومة الوطنيّة في بلدة بشامون لاعتقال رجالات الاستقلال المتحصّنين في منزلٍ لآل الحلبي، فانهمرَ عليه الرّصاص ليسقط شهيدًا مضرّجًا بدمائه؟
لماذا يغيب اسما المجاهدَين أدهم خنجر وصادق حمزة اللّذَين ناهضا الانتداب وتصدّيا لجنوده، وأبليا البلاء الحسن دفاعًا عن الوطن وكرامته؟ بل لماذا يُغيَّب اسما هذين البطلَين حتّى في كُتب التّاريخ؟ بل لماذا يُصرّ البعض على أن يضعهما اليوم في أحد موقعَين: إمّا الطّمس والتّجاهل الكامل، وإمّا التّصنيف في خانة قطّاع الطّرق والخارجين على القانون والنّظام؟
… كثيرون روَوا تراب هذا الوطن بدمائهم، وعندما نبحث عنهم في سجلّ رجالاته، أو في كُتب تاريخه، لا نجد لهم ذكرًا، وكأنّ ما قدّموه إنّما هو نوع من العبث الّذي لا تعترف به رصانة الدّولة والحكومات.
إنّه لمُعيب حقًّا أن نختار ضبّاط الاستعمار وقادته ليكونوا عناوين لشوارعنا، فينا يغرق ذِكرُ القادة والمجاهدين الوطنيّين في غياهب النّسيان لا يكاد يشعر بهم أو بعرفهم أحد.
حاولتُ كثيرًا أن أجد تبريرًا لهذا الواقع المرير، إلّا أنّني لم أتوصّلْ إلى أيّ تعليل منطقيّ يشفي غليلي، لكنْ، بدا لي واضحًا أنّ دولة الاستقلال الّتي تغنّينا ونتغنّى بها حملتْ في رحمها الكثير ممّا زرعه المستعمِر من ألغام ومفخّخات جُعلت تحت عنوان الطّائفيّة والمذهبيّة، وهي ألغام انفجرت تباعًا ، واستولدت أزمات وصراعات وحروبًا ما نزال نصارع تداعياتها، فالاستعمار قد جلا جنوده في يوم من أيّام العام ١٩٤٦، إلّا أنّ ثقافته ما تزال مقيمة في نفوس الكثيرين الّذين يبدو أنّ حنينهم إلى المستعمِر لم يفارقهم برغم كلّ ما كان.
الاستقلال ثقافة قبل أن يكون ممارسة،فالإنسان الّذي تحجب عصابة الطّائفيّة نور الشّمس عن عينيه يستحيل أن يعشق الضّياء، والشّعب الّذي تُسكره الشّعارات الطّائفيّة يصعب عليه أن يفقه المعنى الحقيقيّ للحرّيّة، والطّائر الّذي يولَد في القفص يستحيل أن يهوى الحرّيّة، وربّما قدّس اليد الّتي تقدّم له بعض الطّعام وقبّلها،وتمسّكَ بها، وتعلّقَ بمخالبها.
أعتقدُ أنّه آنَ الأوانُ لكي نعمل على بناء ثقافة وطنيّة حقيقيّة، ثقافة تدرك أنّ التّحرّر من الاستعمار يعني التّخلّص من كلّ رموزه، حتّى ولو كان هذا الرّمز اسمًا لشارع، أو حتّى تسمية لقاعة في مبنى. آنَ الأوان لأن نُعيد النّظر في تسمية شوارعنا، وفي إعطاء هويّة لتفاصيل جغرافيّتنا، فلا تحمل إلّا أسماء قادة ومجاهدين وطنيّين، فلولا هؤلاء لما ارتفعت لنا راية، ولا حظينا بأمن، ولا نعمنا باستقرار.
أمنيةٌ أرجو أن تبلغ من بيدهم الأمر.

من كتابي
*«همَسات صاخبة*»

شاهد أيضاً

*يونيو في الذاكرة العربية* *استنفار الإرادة العربية* *خميس القطيطي* https://alwatan.om/article/42505/%D9%8A%D9%88%D9%86%D9%8A%D9%88-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D9%83%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%86%D9%81%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D8%A7%D8%AF%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9 يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة كانت حرب يونيو 1967م، التي قال عنها الشاعر العروبي الكبير نزار قباني: «أدمت سياطُ حزيران ظهورهم فأدمَنوها.. وباسوا كفَّ من ضربا… وطالعوا كتبَ التاريخ.. واقتنعوا: متى البنادقُ كانت تسكن الكتبَا؟!». لكن عندما تستحضر الذاكرة العربيَّة، تستنفر الأقلام لاستذكار المآسي عن سبق إصرار وترصد، ويطغى عليها أحيانًا حالـة من التشفي وتصفية الحسابات لإفراغ الشحنات السلبيَّة. وللأسف، فإن ذاكرة يونيو تُمثِّل فرصةً سانحة لاستهداف قائد عربي كبير بحجم جمال عبد الناصر، الذي قلب مواجع الأعداء وأفقدهم مراكزهم الاستعماريَّة في الشرق العربي من المحيط إلى الخليج. فكيف إذا كان الحدث يُعَد نكسة، حسب ما يراد تسميتها، وقد غيرت الحدود؟! هنا لا تحتاج الأقلام إلى ترخيص لتصبَّ هجومها اللاذع على زعيم عربي قاد تجربةً عظيمة من التجارب الإنسانيَّة الحاكمة، ورفع صوت العروبة عاليًا في المحافل الدوليَّة. فكان ينبغي التريث لمحاكمة التجربة سلبًا وإيجابًا في ظرفها الزماني والمكاني، وظرفها الدولي، واتباع قواعد منهجيَّة في المحاسبة التاريخيَّة، وتحري الأمانة والدقة والمصداقيَّة. لكن ـ للأسف ـ أغلب مَن ينبري لمهاجمة عبد الناصر جاء متماهيًا مع حملات التشويه التي لم تتوقف منذ رحيله، ومع الزمن قلبت الحقائق فأصبحت المنجزات من الخطيئات. لكن ـ مع ذلك ـ بقي عبد الناصر هو القائد العربي الحاضر الذي لم يغبْ أبدًا عن أي مناسبة عربيَّة تُرفع فيها صوره في مختلف الأرجاء، استئناسًا بتجربته الرائدة التي عبرت الزمان والمكان، وأصبحت نموذجًا للبطولة ومقاومة الاستعمار والعدالة الاجتماعيَّة؛ لذا تحولت تلك الحملات الناقدة وقودًا يضيء تلك التجربة العظيمة. عندما يتحول يونيو إلى حالة استنهاض قومي واستيقاظ أُمَّة لإعادة البناء والتجديد، فهي ـ بلا شك ـ إصابة أرادها الله منبهةً للأُمَّة وقياداتها للتحرك المدروس نحو استرداد الكرامة والثأر. وهو ما حدث منذ اليوم التاسع من يونيو 1967م، عندما أعلن جمال عبد الناصر خطاب التنحي، فأعقبته ثورة عارمة في شوارع القاهرة والمُدن الكبرى والأرياف بخروج الملايين من أبناء مصر، بل وملايين آخرين من أبناء الأُمَّة العربيَّة، رفضًا لخطاب التنحي والمطالبة بالعدول عن القرار، مرددين: «هنحارب»، رفضًا للهزيمة. فتلك الجماهير استشعرت ـ بأحاسيسها ـ أن عبد الناصر هو القائد الذي سيكمل المشوار ويقود المرحلة الأصعب في تاريخ الصراع؛ لأنه كان يحمل مشروعًا وطنيًّا وقوميًّا خالصًا، وبدأ الإعداد لمعركة استرداد الكرامة. فكانت إرادة الله متوّجةً لهذا الزعيم بالعودة وقيادة ذلك الوهج القومي الذي كان يسجل أعظم النتائج على صعيد الاستعداد للحرب، وحرب الاستنزاف، وتحديث الجيش المصري، ولملمة شتات الموقف العربي، واستمرار النهج الوطني في التعليم والصحة والصناعة والعدالة الاجتماعيَّة، والمكانة الدوليَّة، وضخ المزيد من وقود التحرير للأقطار العربيَّة والإفريقيَّة، ليصبح عبد الناصر مُلهم الأحرار حول العالم على طريق الحريَّة والوحدة والكرامة الإنسانيَّة، يرفع شعار: «ارفع راسك يا أخي، فقد مضى عهد الاستبداد». نعم، كانت عودة عبد الناصر هي أعظم استفتاء في التاريخ، حيث قضت مشيئة الله أن يعود عبد الناصر متوجًا بإجماع وطني ـ قومي عربي، ليبدأ مرحلةً جديدة من النضال. النظر إلى تجربة الزعيم جمال عبد الناصر يتطلب استقراء التجربة بتجرد وعمقٍ، والتمعن في مبادئها وأدواتها ومنجزاتها، واستطلاعًا أوسع لتاريخها بعيدًا عن حُمَّى التشويه التي ألقت بظلالها على فهم التجربة وحقيقتها وقيمتها. وكما قال أحدهم: الفرق بيننا وبينهم «الجنائز»، يقصد جنازة عبد الناصر المليونيَّة. ونحن نقول إن الفرق يكمن أيضًا بين تجربة عبد الناصر في حجم تأثيرها وحضورها الدائم ومنجزاتها ومبادئها الفكريَّة التي قدمتها، وما زالت حاضرةً في ذاكرة التاريخ العربي الحديث. رحم الله جمال عبد الناصر، الذي قال فيه الشاعر العروبي الكبير: «رفيقَ صلاح الدين.. هل لك عودةٌ؟ فإن جيوشَ الروم تنهى وتأمرُ. رفاقُك في الأغوار شدوا سروجَهم، وجندُك في حِطِّين صلوا.. وكبروا. تغنّى بك الدنيا.. كأنك طارقٌ، على بركات الله يرسو.. ويبحرُ. تناديك من شوقٍ مآذنُ مكةٍ، وتبكيك بدرٌ، يا حبيبي، وخيبرُ. ويبكيك صفصافُ الشام ووردُها، ويبكيك زهرُ الغوطتين، ودُمَّرُ». هكذا كانت تجربة جمال عبد الناصر، وهكذا أراد الله أن تتلقى الأُمَّة هزيمةً منبهةً تعود بعدها للاستعداد واسترداد الكرامة على مبدأ: ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلَّا بالقوة، وهكذا كانت تلك المرحلة العروبيَّة العظيمة.

  *خميس القطيطي* يحمل شهر يونيو/حزيران في الذاكرة العربيَّة ذكرياتٍ عديدةً، مع أن أكثرها مرارة …