التطبيعُ: مسخٌ للهويةِ، وجدعٌ لأنفِ الغيرةِ في بعضِ الأنظمة.

بقلم: طوفان الجنيد.

مقدمةٌ:
في زحمة المشاهد التي يروج لها البعض على أنها “واقعية سياسية” أو “خطوة نحو السلام”، تنكشف لنا الحقيقة بوجهها القاسي، وجوهرة المرارة: التطبيعُ الذي يُباع ويُشترى تحت قبة العار بين بعض الأنظمة العربية وكيان الاحتلال الإسرائيلي، ليس إلا عملية مسخٍ مروعةٍ للهوية الجامعة، وجدعٍ متعمد لأنف الغيرة والحمية التي ينبغي أن تسكن قلب الأمة الإسلامية وقضيتها التي لا تقبل المساومة: فلسطين.
وفي هذا التمرد على الضمير، تبرز غزة كالحصن المنيع، الصامد الأسطوري، والمقياس الذي لا يُجاريه مقياس، لتكشف حقيقة الخيانة وفضائح التطبيع، وفضح سقوط أنظمةٍ اختارت السقوط الأخلاقي والسياسي في مستنقع الذل والخذلان.

أولاً: التطبيع.. مسخٌ لهويةٍ عريقة:
الهويةُ العربيةُ والإسلاميةُ نسجتها قرونٌ من التاريخ، محفورةٌ في ذاكرة الشعوب، فلسطينُ كانت دائمًا حجر الزاوية، وموئل الكرامة وعنوان الاستقلال.
لكن التطبيعَ، ليس مجرّد اتفاقات دبلوماسية أو مصالح عابرة، بل هو اقتلاعٌ متعمدٌ لهذا الحجر الكريم، تنكّرٌ صارخٌ لما يجمع الأمة على قلبها من دم ونصرة وقضية.
كيف لدولةٍ عربية أن تصافح يدًا سفكت دماء شعوبها، وسرقت أرضها، وطوّقت أهلها بالحصار والقهر؟!
إن التطبيع هو إعلانٌ بانفصال الذات الجماعية، وتبني رواية الجلاد، وتحويل قضية العدل والحق من مركز المبادئ إلى لعبة مصالح مزوّرة، لا همّ فيها إلا المكاسب الآنية.
هذا التطبيع هو انتكاسةٌ في الضمير الجمعي، وانقلابٌ على قيم الحرية والكرامة، وخيانةٌ لكل من راقب التاريخ ووقف مع الحق.

ثانيًا: التطبيع.. جدعٌ لأنف الغيرةِ والإيمان:
ما نراه من انكسارٍ أخلاقيٍ مريع في وجوه بعض الأنظمة، أمام جرائم الاحتلال الصهيوني التي تزهق أرواح أطفال غزة وتهدم بيوت النساء والأطفال، هو شهادة موتٍ لغيرة الأمة، وموت للإنسانية التي فطر الله الناس عليها.
عندما ترون تركيا ومصر والأردن والإمارات والسعودية تمد يدها بالمال، والغذاء، والسلاح، للكيان الصهيوني، فهذا ليس فقط نفاقًا بل جدعٌ متعمد لأنف الغيرة، وقتلٌ ممنهج للشعور بالمسؤولية.
كيف تُبرَّرُ المصافحاتُ والاتفاقياتُ الاقتصادية والديبلوماسية، بينما المستشفيات تُقصف والأنقاض تغطي أطفال غزة؟
هذا المشهد المرير هو خيانةٌ نكراء للأخوة والإنسانية، وطعنةٌ مسمومة في صدر كل عربي ومسلم شريف.
إنها نغمةٌ مقيتةٌ تُعلن أن بقاء هذه الأنظمة على عروشها هشٌ لا يُقارن بدماء الأبرياء وكرامة الأمة.
ثالثًا: غزة.. المقياس العادل والصرخة الصادقة:
غزة لم تعد مجرد مدينةٍ محاصرة، بل أصبحت الميزان الفاصل بين الحق والباطل، الشجاعة والجبن، الإخلاص والخيانة.
بصمودها، وبأسلحتها التي لا تُرى، تروي غزة قصة أمة لا تموت، شعبٌ لا يُقهر، ومقاومةٌ لا تنكسر.
هذا الصمود هو القنديل الذي ينير دروب الحرية، ودرسٌ في أن الأرض لا تستعاد إلا بثمنٍ من الدماء والتضحيات، لا بالمساومات والخنوع.
وغزة في قلوب اليمن:
يأتي الموقف اليمني، قيادةً وشعبًا، كنموذجٍ خالدٍ للنضال والإيمان، يقودهم عبد الملك الحوثي – رضوان الله عليه – حامل راية الفتح الموعود والجهاد المقدس، وأبطال شعب الإيمان والحكمة، وجيشهم الباسل الذي لا يعرف إلا طريق النصر أو الشهادة.
هذا الموقف لم يتزلزل، بل ازداد ثباتًا، مجسّدًا أسمى معاني الوفاء والتضحية، رافضًا كل أشكال التطبيع والخذلان.
ومن وقف مع غزة وأدان العدوان ودعا لوقف إراقة الدماء، فقد اختار الطريق الصحيح.
ومن تبنّى المهادنة مع الجلاد وهو يرتكب مجازره، فقد نكص عن إنسانيته وغادر المعركة الأخلاقية.
الخاتمة: غزة، المقياس الأبدي:
الأنظمة التي تهرول نحو التطبيع، وتدير ظهورها لغزة، تفقد آخر ذرة شرعية في عيون شعوبها.
الشعوب العربية، رغم محاولات التجهيل والتطويع، تظل قلبها ينبض لغزة، وصوتها يصدح بالحق.
غزة اليوم هي المرآة التي كشفت الهوة بين الإرادة الحقيقية للمحكومين وأوهام الحكام.
التطبيع في زمن المحن والدماء هو جريمة مزدوجة، ضد الهوية الجامعة للأمة وضد الإنسانية نفسها.
هي محاولة يائسة لشراء بقاء زائل بثمن دم الفلسطينيين وكرامة العرب والمسلمين.
لكن التاريخ لا ينسى، وستُحاسب هذه الأنظمة أمام الأجيال القادمة عن أدوارها المخزية.
من يقف مع جلاد غزة اليوم يربح زمنًا لكنه يخسر الأبدية، ومن تمسك بغيرة الأمة، ورفض المسخ، ووقف مع الحق، فقد كسب شرعية التاريخ واحترام الضمير الإنساني.
فلتكن غزة، دائمًا، المقياس الذي لا يُخدع.

شاهد أيضاً

مع انتشار الآفات والسموم: لا تؤجل فحص القولون..

أسماء الجرادي عاماً بعد عام تتغير أوجاع الناس، وفي ظل تحديات هذا العالم الثقيلة، توسع …