
مشهد انقطـ.ـاع التيار الكهربائي في جلسة مجلس النواب (23/7/2025)، لم يكن مجرد تفصيل عابر من يومٍ طويل، سبقه قبل أسبوع تقريبًا مشهد لا يقلّ إحراجًا وهو انقطـ.ـاع الكهرباء أثناء اجتماع لوزير الداخلية والبلديات أحمد الحجار في الوزارة مع وفد كويتي. هذه المشاهد تكررت مع الحكومات المتعاقبة، وكانت الجهة التي تسلّمت حقيبة الطاقة في حكومة نواف سلام تكيل الاتهامات للوزراء السابقين بالهدر والعجر، مع وعود بأنها تملك عصًا سحريةً لحل أزمة القطـ.ـاع.
مطلع العام 2025، كرّر رئيس جهاز الإعلام والتواصل في حـ.ـزب “القوات اللبنانية” شارل جبور عبر الـ”mtv” وعدًا بأنه إذا سُلّمت “الطاقة” لوزير قواتي، فإن الكهرباء ستتأمّن 24/24 في مهلة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، ناقلًا هذا الكلام عن رئيس الحـ.ـزب سمير جعجع، وهو كلام كان قد قاله سابقًا عام 2021 ضمن برنامج “الحدث” على قناة الجديد. وبعد أن تسلّم الوزير جو صدّي المنتمي لحـ.ـزب “القوات” في شهر شباط 2025 حقيبة الطاقة، قدّم بدوره جملةً من الوعود أبرزها “وضع القطـ.ـاع على السكة الصحيحة”، و”إطلاق ورشة إصلاحات بنيوية وإدارية”، و”العمل على حلول قريبة المدى وأخرى مستدامة بعيدة المدى وفق إستراتيجيات واضحة”. ونحن اليوم على مشارف الشهر السادس من عمر الحكومة، بات ممكنًا أن نسأل، ماذا لو تسلّم “قواتي” وزارة الطاقة؟
تاريخ من الوعود
كلام جبور لم يأتِ عبثا. فلطالما سوّق حـ.ـزب “القوات” لشعار “لو استلمنا”، فهو الحـ.ـزب الذي قد قدّم ورقةً عام 2019 بعنوان “الحلول العملية لقطـ.ـاع الكهرباء في لبنان”، إضافة لكلام جعجع مرارًا وتكرارًا عن أنَّ “مشكلة الكهرباء لا تتطلب الكثير بل استقامة وخطة واضحة”، وإشارته إلى أنّه “لو استلمنا وزارة الطاقة لكانت أزمة الكهرباء قد تمت معالجتها”. إلا أنّ الخطاب ما لبث أن تغيّر عشيّة تسلّم “القوات” الوزارة، ولم يعد يريد جعجع الوزارة لأن تأمين الكهرباء يحتاج على الأقل إلى سنتين أو ثلاثة.
إذًا فإنّ جعجع بعد تنصّله من الوعود السحرية المعهودة، يعترف بأمرين:
إما أنّه كان يضلل الرأي العام؛
أو أنّه كان جاهلًا بحجم المشكلة في القطـ.ـاع.
وفي الحالتين لا يمكن إعفاء “القوات” من المسؤولية.
وحتى لا تجد “القوات” نفسها عرضة للانتقاد، عاجل رئيس الحـ.ـزب وأجرى مقارنةً بين أداء وزير الطاقة الحالي والوزراء السابقين، مشيدًا بأنّه “منذ خمسة أشهر، لم تُحمَّل الخزينة اللبنانية قرشًا واحدًا من وزارة الطاقة”، معتبرًا أنَّ “الوزير الحالي قام بأشياء إيجابية، لكنّ حجم الأخطاء السابقة يجعل من الصعب إظهار النتائج بسرعة”. هذا الكلام يندرج ضمن التوظيف السياسي في ظل غياب تقييم بنّاء لمرحلة صدّي مقارنة بمن سبقه.
إلا أنّ جعجع غفل عن أنَّ المعامل تعمل في عهد صدّي بواسطة الفيول الذي استورده الوزير السابق فياض. كذلك تراجعت ساعات التغذية بعد أن أوصلها فياض إلى ما بين 6 و 8 ساعات يوميًا. وقرار زيادة تسعيرة الكهرباء ووقف الدعم للمواطنين اتخذته حكومات سابقة، ما يعني أن الخزينة اللبنانية لم تعد تنفق لإنتاج الكهرباء قبل وصول صدّي إلى الوزارة. فعن أي أشياء إيجابية يتحدث رئيس “القوات”؟
وزير بلا خطة
كان الوزير صدّي مُدركًا لفخ رفع سقف التوقعات الذي نصبته “القوات”، فدحض كافة المزاعم، ورفض أن يعد بموعد لكهرباء على مدار 24 ساعة يومياً. ولكنه في الوقت نفسه قدّم مجموعة من الوعود التي لم تُحقَّق حتى الآن، أهمها تعّهده بعرض خطّة للكهرباء، إلا أنَّها وعلى الرغم من انقضاء أكثر من ثلث عمر الحكومة، لم تجهز بعد.
أيضًا تعهّد بتشكيل الهيئة الوطنية لتنظيم قطـ.ـاع الكهرباء، إلا أنّه مضى على فتح باب الترشّح 3 أشهر وفي مقابلة صحافية في 23 أيار/مايو وضع صدّي مهلة 5 أسابيع للانتهاء من فرز المرشحين، وهي الخطوة التي يليها رفع قائمة المرشحين المقبولين لمجلس الوزراء، وهو ما لم يحصل بعد تجاوز المهلة التي وضعها الوزير.
كما وعد بتحسين الجباية وإزالة المخالفات إلا أنّه اكتفى بتوجيه كتاب لمجلس الوزراء من أجل تشكيل غرفة عمليات بين الأجهزة الأمنية وكهرباء لبنان لتطبيق خطة مستدامة لإزالة التعديات. فليس هناك ما يُظهر حجم التعديات التي أزالتها، ولا أي نتائج عن تحسّن نسب الجباية أو مقارنة مع الأعوام الماضية. إضافة لذلك، لفت الوزير إلى العمل على نموذج شراكة مع القطـ.ـاع الخاص لبناء معامل جديدة، إلا أنّه حتى اليوم لم يُعلن عن اتفاق فعلي، ولم يُوقّع أي مشروع على الرغم من كثرة اجتماعاته مع شركاء دوليين.
أمام ما تقدّم، وعلى الرغم من مزاعم “القوات” عن امتلاكها الحلول لقطـ.ـاع الطاقة، غاب عن وزيرها وضع خارطة طريق واضحة لعمله، وغابت مؤشرات تنفيذه للوعود الأساسية التي أطلقها، وهو أمرٌ يُساويه بوزراء الطاقة السابقين من وجهة نظر “القوات” التي لطالما عيرتهم بفشلهم في الالتزام بوعودهم. وفي ظل الواقع المعقّد لقطـ.ـاع الطاقة الذي يفتّت الوعود الشعوبية، لم نشهد محاولة جديّة بعدُ للمعالجة. لكن، وبما أن وزير جعجع لا يملك أي خطة، قرر أن يضع على الطاولة “الحل السحري” وهو مد “كابل” من قبرص إلى لبنان. “حل” يبدو أشبه بفكرة “مد اشتراك” من مولّد الحي!
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net