رسول حسين أبو السبح
المرأة وصناعة السعادة… في عالم يعج بالمفاهيم المادية والتحليلات القاصرة لمكانة المرأة، يبرز الفكر الإسلامي الأصيل بوصفه منارة تضيء دروب الحقيقة، خصوصًا حين يُستَعرض من خلال فكر وفلسفة قائد حكيم ومعاصر كالإمام السيد علي الخامنئي دام ظله. في نظر الإمام، المرأة ليست كائنًا تابعًا ولا سلعة، بل هي “صانعة السعادة” في المجتمع، وركن أساسي في بناء الحضارة الإسلامية الأصيلة. ومن هنا تنطلق معجزة السعادة، لا بوصفها مصادفة، بل كمشروع متكامل تؤديه المرأة حين تُمنَح حقّها الحقيقي في البناء، والكرامة، والوعي، والتأثير.
الرؤية الإسلامية الجوهرية للمرأة… منذ بزوغ الإسلام، حملت رسالته دعوة لتحرير المرأة من الجاهلية، ورفعها إلى مكانتها الفطرية، حيث قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]. هذه الآية التأسيسية تعكس التوازن العادل بين المسؤوليات والحقوق، وترسم منهجًا ربانيًا لمكانة المرأة.
ويقول الإمام الخامنئي دام ظله:
“الإسلام لا يُعرّف المرأة من خلال دورها كزوجة أو أم فحسب، بل يراها إنسانًا كاملاً يمكنه أن يصل إلى ذروة الكمال الإنساني.”
(خطاب في ملتقى المرأة والأسرة، 2013)
من هنا، تنطلق فلسفة الإمام في رفض اختزال المرأة ضمن الأطر الغربية التي تعزلها عن رسالتها، أو في تلك التي تقيّدها تحت ذرائع العادات والتقاليد.
المرأة كصانعة للهوية الثقافية الإسلامية… يُعطي الإمام الخامنئي بُعدًا ثقافيًا عميقًا لحضور المرأة، معتبرًا إياها المحور في نقل الهوية الإسلامية الأصيلة، وتحصين المجتمع من الغزو الثقافي. ويؤكد دام ظله:
“المرأة، حين تكون واعية ومثقفة ومؤمنة، تكون حامية للهوية الإسلامية، وصانعة لثقافة المقاومة والبناء.”
(من خطبة بمناسبة يوم المرأة، 2006)
إنها ليست متلقية للثقافة، بل مرسِّخة لها في أعماق الأسرة والمجتمع، وهذا ما يجعل دورها يتجاوز التنشئة، ليبلغ صناعة الوعي الجمعي.
الأمومة قيادة تربوية لا تُضاهى… يرى الإمام الخامنئي أن أعظم شرف يمكن أن تناله المرأة ليس في تقليد الرجل، بل في أداء رسالتها الفريدة، وعلى رأسها الأمومة. فيقول:
“المرأة تُنجب المجتمع، وتُربيه. هذه ليست مهمة بسيطة؛ هذه قيادة تربوية للإنسانية.”
(خطاب يوم الأم، 2004)
ويُعد هذا التوصيف ثورة فكرية في مقابل من يعتبر الأمومة وظيفة هامشية أو تقييدًا. فالإمام يعتبرها عملًا حضاريًا يقود المجتمعات نحو النهوض الإنساني والقيمي.
المرأة في ساحة العلم والسياسة… لا يقف فكر الإمام الخامنئي عند حدود البيت أو الأسرة، بل يدعو بقوة إلى حضور المرأة في ساحات التعليم والسياسة والاقتصاد، ولكن ضمن الإطار الأخلاقي الإسلامي الذي يصون كرامتها. يقول دام ظله:
“المرأة يمكنها أن تكون عالِمة، مربية، فنانة، ناشطة سياسية، ومجتهدة، ولكن كل ذلك لا يعني أن تتنازل عن حشمتها وكرامتها.”
(بيان للملتقى الدولي للنساء المسلمات، 2012)
وقد أكد في مناسبات عديدة دعمه لوجود نساء عالمات في الحوزات والجامعات، ونساء مجاهدات في الميادين السياسية، مثل الشهيدة بنت الهدى الصدر أو المجاهدات في إيران ولبنان.
المرأة والمقاومة محور الانتصار… يشيد الإمام الخامنئي دومًا بالنساء المقاومات، سواء في إيران إبان الحرب المفروضة، أو في فلسطين ولبنان واليمن، ويقول:
“صمود المرأة يُشعل جذوة المقاومة في قلب الرجل، ويثبت أركان النصر.”
(كلمة في ملتقى المرأة والمقاومة، 2011)
فالمرأة ليست فقط مَن تودع أبناءها إلى الجبهات، بل من تُنشئ جيلًا مؤمنًا بالشهادة والنصر. وقد اعتبر الإمام الخامنئي أن أمثال الحاجة أم عماد مغنية هنّ “أوسمة شرف على صدر الأمة” (لقاء مع عوائل الشهداء اللبنانيين، 2008).
المرأة ومواجهة الحرب الناعمة… من أبرز ما يشير إليه الإمام الخامنئي هو “الحرب الناعمة” التي تستهدف تفكيك المجتمعات الإسلامية عبر المرأة، فيقول:
“يريدون فصل المرأة عن أسرتها وعن دورها الرسالي باسم الحرية، لكنهم في الحقيقة يريدون تدمير الأمة من داخلها.”
(خطبة يوم المرأة، 2014)
ومن هنا، يؤكد على أهمية وعي المرأة لدورها كخط دفاع أول ضد هذه الحرب، وأن دورها التربوي والثقافي هو أساس المواجهة.
ملامح شخصية المرأة المؤمنة في فكر الإمام الخامنئي… يضع الإمام الخامنئي أربعة عناصر أساسية في شخصية المرأة الناجحة:
1. الإيمان: لأنها إن فقدته، فقدت هويتها.
2. العفة: لأنها بوابة الكرامة والوقار.
3. العلم: لأن الجهل يُسقط الإنسان.
4. المسؤولية الاجتماعية: لأن المرأة مسؤولة عن إصلاح المجتمع لا انعزاله.
وهذه الصفات يراها متكاملة، لا تتناقض فيما بينها، ولا تتفاضل إلا بمقدار صدق الإيمان وصدق الأداء.
المرأة في النموذج الفاطمي والزيني… يشير الإمام الخامنئي كثيرًا إلى شخصيتي السيدة الزهراء (عليها السلام) والسيدة زينب (عليها السلام) كنموذجين مكتملين للمرأة، حيث يقول:
“فاطمة الزهراء هي المقياس الأعلى، وزينب الكبرى هي تجلّي الصمود والثبات، وما أعظم أن تقتدي المرأة بهما.”
(خطبة بمناسبة ميلاد السيدة فاطمة، 2001)
فليست المرأة المسلمة مجرد متعبدة، بل صاحبة موقف، كما وقفت الزهراء في وجه الطغيان، وكما دافعت زينب عن الحسين وعن ثورته.
إحياء كرامة المرأة في النظام الإسلامي… يرى الإمام الخامنئي أن النظام الإسلامي في إيران نجح في إعادة تعريف كرامة المرأة، حيث شاركت في كل مجالات الثورة والدفاع والبناء، دون أن تُجبر على التخلي عن حجابها أو حيائها. ويؤكد:
“المرأة في الجمهورية الإسلامية حاضرة في البرلمان، والجامعة، والجبهة، ولكنها متحجبة، عفيفة، شريفة، وهذا هو النصر الأكبر.”
(خطبة بمناسبة يوم المرأة، 2010)
المرأة بوصفها معجزة السعادة… في تلخيص جوهري، يمكننا اعتبار أن الإمام الخامنئي يرى المرأة المسلمة كـ”معجزة للسعادة”، لأنها حين تُمنَح الفرصة في ظل الإسلام، تصنع جيلاً سعيدًا، مجتمعًا راقيًا، وأمة شامخة. يقول دام ظله:
“حين تكون المرأة مستقيمة وسعيدة ومؤمنة، فإن كل الأسرة والمجتمع يسير نحو الاستقامة والسعادة.”
(كلمة في مؤتمر المرأة والأسرة، 2015)
وهكذا تتحقق معجزة السعادة، لا بالشعارات، بل بالعودة إلى الإسلام وفهم دوره التربوي والاجتماعي العميق.
طريق السعادة يبدأ من وعي المرأة… إن نظرة الإمام الخامنئي دام ظله إلى المرأة ليست استثنائية لأنها تحابي المرأة أو تتغافل عن مشكلاتها، بل لأنها تعيدها إلى موقعها الطبيعي الذي أراده الله، لا العادات، ولا الحضارات المتأرجحة. المرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل هي محوره ورافعته ومربيته ومفكرته. فحين تُبنى المرأة وفق هذا المنهج، فإن “معجزة السعادة” ستتحقق، لا في بيتها فقط، بل في الأمة كلها.
المصادر:
1. السيد علي الخامنئي، المرأة في فكر الإمام الخامنئي، مؤسسة الثورة الإسلامية للثقافة والبحوث، ط1، ص19.
2. السيد علي الخامنئي، الأسرة في الإسلام، دار المعارف الإسلامية الثقافية، ط2، ص73.
3. السيد علي الخامنئي، خطابات المناسبات الإسلامية – يوم المرأة، جمع وترتيب: مركز المعارف الإسلامية، ط1، ص42.
4. القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 228.
5. الإمام الخامنئي، كلمة في مؤتمر المرأة والمقاومة، 2011، منشورات مكتب حفظ ونشر آثار الإمام الخامنئي.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
