*بقلم: ناجي علي أمهز*
المشهد شديد التعقيد، أقرب إلى الأحجية منه إلى المعركة العسكرية، رغم الدمار الواسع الممتد من الضفة وغزّة مرورًا بلبنان، وما حصل في سوريا، ويجري اليوم في إيران وعلى حدود العراق.
من يراقب المشهد السياسي يعتقد أن أمريكا خدعت إيران عبر التفاوض، حيث كانت على علم بما كانت تعدّه إسرائيل. وكانت تحذيرات ترامب الأخيرة واضحة قبل بدء الاعتداءات الإسرائيلية على إيران.
لكن مع مرور الوقت، نكتشف أن إيران هي التي كانت تلاعب ترامب، وكأنها كانت تعلم بالهجوم الوشيك من قبل إسرائيل، فاستغلت المفاوضات لكسب الوقت ونقل المواد التي تم تخصيبها إلى أماكن غير معلومة، ليس فقط لحماية مخزونها من اليورانيوم، بل لتجنيب الشعب الإيراني خطر تسرّب إشعاعات نووية من مفاعلاتها المعروفة.
ومن حجم الاعتداءات على المفاعلات النووية السلمية، يتبين أن الهدف الإسرائيلي لم يكن فقط تعطيل البرنامج النووي، بل إحداث كارثة بشرية بإبادة آلاف الإيرانيين، وتهديد الدول المجاورة، لأن تسرّب الإشعاع سيطال العراق وقد يصل إلى دول الخليج.
أما المغامرة الأمريكية بقصف مفاعل “فوردو” المحصّن، فتبدو خارج السياق التقليدي لآلية اتخاذ القرار في واشنطن، وتكشف عن نية واضحة بإحداث تسرب إشعاعي ظنّ الأمريكي أنه قد يُجبر الإيرانيين على التراجع.
ومن الواضح أن أمريكا وإسرائيل قررتا التعامل مع إيران على الطريقة التي تعاملتا بها مع اليابان عند قصف هيروشيما وناجازاكي لإجبار الإمبراطور على الاستسلام.
لكن هذه المرة، اختارت أمريكا أن تضرب المفاعلات النووية بدلاً من استخدام القنابل النووية، طمعًا في تحقيق نفس النتيجة السياسية والعسكرية.
القراءات الاستراتيجية تؤكد أن تفجير مفاعل واحد ومقتل عشرات الآلاف من المدنيين الإيرانيين، قد يُشعل ثورة داخلية تؤدي إلى إسقاط النظام، تمامًا كما حصل في اليابان ما بعد الحرب.
وما يعزز هذا الاعتقاد، هو المسارعة الدولية — بريطانيا، الصين، فرنسا — إلى نفي علمها بأي عمل عسكري ضد إيران، رغم أن العملية وقعت في قلب منطقة حساسة.
التحرك الباكستاني في مجلس الأمن أيضًا جاء في السياق نفسه، إذ تدرك إسلام آباد خطورة التلوث النووي على أفغانستان وباكستان، بينما العرب في غياب شبه كامل، رغم أنهم الأكثر تضررًا في حال وقوع هذا السيناريو الكارثي.
لكن، وعلى ما يبدو، فإن العقل الإيراني كان قد استبق العدوان بنقلة أو اثنتين، كمن يلعب شطرنجًا بدم بارد، فانعكس السحر على الساحر.
اليوم، وبعد فشل المخطط الأمريكي الإسرائيلي، تسارع أمريكا، ويظهر ذلك في أكثر من مئة تصريح إسرائيلي رسمي يدعو للسلام مع إيران ووقف الحرب. حتى أن قادة الحكومة الإسرائيلية صرّحوا بأن مجرد إشارة من طهران كافية لإعلان وقف الحرب.
إيران قادرة على الاستمرار في إطلاق الصواريخ لسنوات طويلة، ولو بصاروخ واحد يوميًا، كفيل بإرهاق إسرائيل وأمريكا في حرب استنزاف قد تُنهك النظام الرأسمالي العالمي برمّته.
فالحرب الأوكرانية مع روسيا، والحرب الإسرائيلية ضد حركات المقاومة في لبنان وفلسطين، والآن المواجهة مع إيران، كلّها استنزفت المخزون الاستراتيجي من الترسانة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية، بل والأوروبية أيضًا.
لهذا، لا خيار أمام أمريكا سوى القبول بالشروط الإيرانية، وإلا فإن إيران ستحوّل إسرائيل إلى خاصرة رخوة تستنزف كل مقدّرات أمريكا وأوروبا.
المستفيد من الحرب:
روسيا، التي تستعيد دورها الدولي، تشعر أن الحرب على إيران خففت الضغط عنها ومنحتها فرصة لقيادة معركتها ضد أوكرانيا دون ضجيج إعلامي أو تعقيدات في الرأي العام. كما بدأت تجذب دولًا عديدة للحوار معها بهدف المساعدة في حل الأزمة بين إسرائيل وإيران.
أما الصين، فهي مستفيدة أيضًا، إذ تتابع على أرض الواقع أداء أهم وأضخم الأسلحة الأميركية التي تستخدمها إسرائيل، ما يمنحها تفوقًا استراتيجيًا كبيرًا، ويجعل ترامب يعيد حساباته العسكرية تجاهها.
حتى إيران نفسها تُعد مستفيدة من هذه الحرب، لأنه في حال طال أمدها، فإن الخاسر الأكبر على مستوى الموقع الدولي هي الولايات المتحدة، تليها إسرائيل التي تُستنزف داخليًا بسبب حربها مع فصائل المقاومة الفلسطينية، وخارجيًا نتيجة تبدّل الموقف الدولي ضدها بعد مجازرها في غزة.
بالختام الجميع بحاجة الى التفاوض لكن هذه المرة سيكون بالشروط الايرانية.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
