بقلم ناجي علي امهز
في ذلك المقطع القصير، قبل لحظات من الجريمة، كانت طفلتان صغيرتان تضعان الشمع قرب المذبح، بثياب كثياب العيد، بعينين يلمع فيهما نور الطفولة ووهج الإيمان… لا تدري إحداهما أن جسدها سيكون بعد دقائق ممزقًا، وأن الشمع الذي حملته بيديها سيذوب بين الدماء.
أي دين هذا الذي يخاف من ضوء شمعة؟
أي إله هذا الذي يبارك قاتلاً يركض نحو مذبح المسيح ليحوّله إلى محرقة؟
لقد بلغ التشدد الديني مرحلة لم يعد فيها مجرد خطر فكري أو سلوكي، بل صار طاعونًا حقيقيًا، يسري عبر الشاشات، يتكاثر في العقول كما تتكاثر الخلايا السرطانية في الجسد العليل، ويدفع بأصحابه إلى تفجير الناس في كنائسهم، في مساجدهم، في أعراسهم، في مدارسهم، وفي أسواق الحياة.
اليوم، كنيسة مار إلياس في قلب دمشق، ليست ضحية عمل إرهابي فقط، بل ضحية سنوات من التبرير، والتساهل، والصمت، وإعطاء المنابر للدعاة الذين يفتون بأن الفرح فسق، وأن الحياة رجس، وأن كل مختلف عنهم عدوّ لله.
الإرهاب الذي فجر الكنيسة ليس مجرّد شخص يحمل عبوة ناسفة، بل منظومة متكاملة:
فضائيات، مواقع، منابر، دعاة دين يعيشون في الماضي السحيق، ياكلون ويشربون من دماء الانسانية، حسابات على يوتيوب وفيسبوك وتيك توك، تمارس غسل الدماغ ليل نهار. بالتحريض على الاخر.
تُحوّل الإنسان إلى كائن يأنف الجمال، يمقت الضحكة، يحتقر الحبّ، ويرى في براءة الطفلة المسيحية كفرًا أكبر من الكفر نفسه.
الرسائل التي وصلتني من إخوة وأحبّة مسيحيين، تفيض بالحزن، بالصبر، بالرجاء، بشيء من النور الذي بات شحيحًا في هذا المشرق الغارق في ظلامه…
وأكثر ما هزّ قلبي، رسالة من أحد الآباء كتب فيها:
“لا يوجد في كلّ تاريخ البشريّة شهداء مثل شهداء المسيحيّة، في حماسهم وشجاعتهم وإيمانهم ووداعتهم وصبرهم… لقد كانوا يقبلون الموت في فرح وهدوء ووداعة تذهل مضطهديهم… علينا أن نشعر دائمًا بأننا أبناء الشهداء.”
أيها الأب، نعم… هذا هو المشرق.
مشرقٌ لا يزال النور فيه يُذبح على مذابح الكراهية، ولا يزال الدم النقيّ يُسكب على يد حثالة من البشر يظنون أنفسهم حماة لله، بينما هم قتلة باسم الله، يعبدون الارهاب أكثر مما يعبدون ربّهم.
هذا المشرق، الذي لا يزال فيه صوت المسيح وعدالة علي بن ابي اطالب تُغتال كل يوم، لا خلاص له إلا إن أُغلقت كلّ مراكز التكفير، وكُسرت المنابر التي جعلت من الدين الة قتل في يد الجهلاء.
لا نحتاج إلى مزيد من فتاوى الحقد، بل إلى مزيد من الشموع، من الأجراس، من التراتيل، من القصائد التي تعلّم الناس كيف يكون الله محبة، لا آلة قتل.
هذا الإرهاب قذر.
ومن يبرّره قذر.
ومن يسكت عنه قذر.
ومن يموّله قذر.
ومن يدرّسه للأطفال خائن لله والإنسان.
المشرق الذي يُهاجم كنيسة في القداس، هو مشرِقٌ انقلبت فيه المفاهيم، وصار الشيطان واعظًا، وصار الجزار قديسًا، وصار الطفل المتدين مشروع قاتل.
وأقولها صراحة:
إذا لم يتمّ إيقاف هذه المدارس الدينية المتشددة، التي لا تبشّر إلا بالنار والويل والثبور، فسنشهد مزيدًا من مار إلياس، ومزيدًا من الأطفال الذين يُدفنون وهم بعد في عمر الزهور.
لكن سيبقى النور…
سيبقى نور المسيح وصوت الحسين ابن علي بن ابي طالب، يلمع فوق الخراب، يضيء دموع الأمهات، وقلوب مؤمنة بان الخير سيكون صورة المشرق كما كان ويجب أن يكون:
جميلًا، متسامحًا، عابرًا للأحقاد.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
