“بين الدين والقانون: لمن السيادة؟”

 

أوقفوا تدخل السماء في شؤون الأرض: الدين والقانون

الكاتبة: د. مريم شريف

كتاب “أرضي”

اتركوا ما للأرض للأرض، وما للسماء للسماء.
فقوانين السماء والدين، رغم قدسيتها عند أصحاب العقائد والمذاهب، ليست بالضرورة الوسيلة المثلى لحكم المجتمعات البشرية المختلفة في ثقافاتها، وأديانها، وطرائق تفكيرها.

القوانين الأرضية، المدنية منها والوضعية، هي الأقدر على التعامل مع واقع متنوع ومتغير. إنها قابلة للتجريب والتحديث، وتُبنى على أسس المصلحة العامة، وتحتكم إلى العقل والمؤسسات، لا إلى الغيب والفتاوى.

إن العلاقة بين الإنسان والخالق علاقة فردية لا سلطان لأحد عليها. أما العلاقة بين الإنسان ومجتمعه، فهي علاقة حقوق وواجبات لا تنظمها سوى القوانين التي تضمن العدالة والمساواة.

الأسرة والزواج: مسؤولية الدولة لا الفتاوى

بناء الأسرة لا يعتمد فقط على النوايا الطيبة أو العاطفة المؤقتة، ولا يجب أن يُترك حصريًا لأحكام المحاكم الشرعية ورجال الدين.
فمستقبل الأسرة، وخصوصًا الأطفال، هو من مسؤولية الدولة، ويجب أن يخضع لقوانين واضحة تهدف إلى حماية الأجيال القادمة.

من هذا المنطلق، يمكن للدولة أن تفرض ما يلي:
• اختبارات أهلية للزواج: تشمل الاستعداد النفسي، والقدرة المالية، وفهم طبيعة العلاقة الزوجية.
• دورات تأهيل إلزامية قبل الزواج: في التربية، والتواصل الأسري، والصحة النفسية والإنجابية.
• شروط للإنجاب: مثل اجتياز تقييمات طبية ونفسية لضمان أهلية الأبوة والأمومة.
• تحديد عدد الأبناء: وفقًا للموارد، وأولويات التنمية، بما يحقق جودة الحياة لا مجرد التكاثر.

هذه الإجراءات لا تعني الديكتاتورية، بل تعني تنظيمًا مسؤولًا يحفظ مصالح الفرد والدولة على حد سواء، ويحول دون الفوضى التي كثيرًا ما تُرتكب باسم “الحرية”.

بين الإنسان والحيوان: من السماء إلى الأرض

منذ لحظة سقوطه من الجنة، بدأ الإنسان يكتب تاريخه بقصيدة عنوانها: “يا دلي، شو عملت بحالي؟”.
فقد تغيّر قانون الوجود، وأصبح في مواجهة بيئة لا تشبه الفردوس، وقوانين لا ترحم إلا بقدر ما يصنع هو بنفسه من عدالة.

يقال إن الإنسان تطور من الحيوان، لكني أرى العكس يحدث اليوم:
البشر ينحدرون سلوكًا إلى الحيوانية، بينما تُظهر بعض الكائنات سلوكًا أكثر إنسانية.

صرنا نرى “حيونة البشر” و”أنسنة الحيوانات”.
الرحمة، العقل، والعدالة لم تعد تميز الإنسان، بل باتت تغيب عن كثير من سلوكاته.

ولذا أقول:
فشلت الأديان لا لفساد جوهرها، بل لأن أتباعها استعملوها للفرقة، لا للوحدة؛ للقتل، لا للحياة.

وبعد قرون من الحروب باسم الدين، لم أرَ نتيجة إيجابية واحدة، بل أدركت أن الردع الحقيقي لا يكون إلا بالقانون، وأن العدالة خير من ألف موعظة.

في سبيل قانون مدني شامل
• يُمنع فيه زواج القُصّر بشكل قاطع.
• لا يُسمح لأحد بالزواج إلا بعد تجاوز اختبارات أهلية مدنية.
• يُمنع الإنجاب دون تصاريح تُمنح بعد تقييم طبي ونفسي.
• يُعاقب كل من يخالف هذه القوانين بصرامة.
• تُحظر أشكال الخطاب الديني التي تحرّض على التمييز أو الانتقاص من حقوق الآخرين.
• تُمنح الدولة صلاحية حماية الطفل من أهله إذا ثبت التقصير، تمامًا كما تحميه من الغرباء.

هكذا فقط، نكون في دولة قانون… لا دولة فتاوى.

شاهد أيضاً

لبنان بين راهن السلطة وميزان القوة: قراءة في تناقضات المشهد

بقلم: سمير باكير لم يعد خافياً أن للسلطة في لبنان رؤيةً مغايرةً لما يجري على …