أهم ما يميّز هذا المقال، انه لا يُمكن لأي قارئ منصف أن يتجاوز دقّة التوقيت الذي كُتب فيه، حيث إن الجميع حينها كان يظن أن داعش تُحتَضر، وها هو اليوم — يظهر المقال وكانه كشف عن سر دفين كان يعلم ان النظام العالمي ُسيتنسَخ داعش ليس كتنظيم مسلّح فقط، بل كنهج حكم: قمعي، إقصائي، وموغل في اختزال الآخر.
هذا المقال كُتب في لحظة كان الجميع يظن فيها أن “داعش” قد انتهت، بعد الضربات الأميركية وتراجع نفوذها في سوريا، وانكفائها من العراق.
وفي توقيت لم يتوقّعه أحد، خرج ناجي علي أمّهز، بتاريخ 7 حزيران 2015، وكتب: “داعش سوف تحكم العالم العربي مئة عام.”
وبعد عشر سنوات بالتمام، استقبل الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الرئيس السوري أحمد الشرع، معلنًا تحالفًا جديدًا بين الأكثريّة المتشددة والولايات المتحدة الامريكية واسرائيل، على حساب الأقليّات.
هذا يعني، وبكل وضوح، أن المنطقة تعود إلى زمن “المماليك”، حيث يجب على الأقليات أن “تشمل”، وتدفع الجزية، وتُسخّر للعمل القسري، دون أيّ حق في السياسة أو الاقتصاد، بل وحتى في الحكم المحلي داخل بلادها.
*”داعش سوف تحكم العالم العربي مئة عام”*
تاريخ النشر 7 – 6 – 2015
*ناجي علي امهز*
خلال القرن المنصرم كان الوطن العربي محكومًا بأقليات رئاسية.
فالعراق ذو الأغلبية الشيعية، بمدرسته الفقهية الجعفرية الاجتهادية الاثني عشرية نسبةً إلى الأئمة من آل بيت النبوة، النجف الأشرف الذي هو مهد التعليم وركيزة نشر الدعوة، بسبب تواجده بالقرب من العتبات المقدسة التي تضج بالحجيج وكثافة الزوار لما لحب الحسين بن علي ومكانته في قلوب المسلمين عامة والشيعة خاصة بسبب حادثة الظلم التي لحقت به وبآل بيت رسول الله على يد يزيد بن معاوية الأموي، كان يحكمه صدام حسين الرئيس السني، الذي يناصب شيعة إيران العداء ويمارس أشد الأفعال الإجرامية اللاإنسانية من قتل واعتقال وتعذيب لشيعة بلده العراق، ناهيك عن صراع تاريخي يمتد منذ لحظة استشهاد الحسين بن علي بن أبي طالب.
أتصورتم المشهد؟ هل من رابط بين الحاكم والمحكومين؟ صراع تاريخي، رجل من فئة قليلة يحكم بالبطش والظلم 80 بالمئة ممن لا يلتقي معه بأي صفة من صفات التعايش أو الانتماء العرقي أو الطائفي.
سوريا الأموية نسبًا إلى بني أمية، والتي تنتمي بنسبة 80 بالمئة إلى المذهب السني بأحكامها التشريعية التي تحتكم إلى المذهب السني عرفًا دينيًا ينظم آلية عمل مجتمعاتها واجتهادًا تشريعيًا يشكل آلية تطبيق دستورها في حكم أعرافها، كان يحكمها حافظ الأسد الرئيس العلوي.
والعلوية، وكما يُعرف أو هو معلوم، هي طائفة تهيم عشقًا وحبًا بعلي بن أبي طالب إن لم نقل أكثر، وهي معنية مباشرة بالصراع المذهبي القائم تاريخيًا بين المسلمين أنفسهم.
هل قرأتم ما كتبت؟ فما هي هذه القوة التي نصبت أو مكنت طرفي النقيض من هذا الحكم؟ سؤال يحتاج إلى جواب كبير وعميق. بالتأكيد هي قوة استعمارية خارجية، ومع ذلك لم نسمع كاتبًا أو محللًا استراتيجيًا تناول هذا الموضوع على سبيل التوعية لمشكلة واضحة وضوح العيان قبل المشاهدة بأن الجميع متآمرون على شعوب هذه المنطقة من أجل ثرواتها.
مصر التي غالبيتها سنية متوحدة بحركتها الدينية نسبةً إلى الأزهر الشريف، انتماء مترافق متوافق مع حركة دينية واسعة إن كان على مستوى الدعوة والتبليغ، حكمها عبد الناصر بانقلاب فكري علماني ثقافي، أكمله أنور السادات بصراع سياسي مع الإخوان، ونقله حسني مبارك إلى صراع عسكري نشاهد اليوم تداعياته.
ويمكن القياس على ما تبقى من دول محيطة بمركز القرار العربي.
أما المغرب العربي، فبسبب تداخله وامتداداته الطبيعية المجاورة لفرنسا، فالوضع مختلف نتكلم عنه في مقال لاحق، إنما فكرته، وبتصور بسيط، تقوم على صراع ديني، أي الإسلام والمسيحية.
إليكم مثلًا يدعو إلى الاستغراب: بالرغم من الهجرة إلى فرنسا أو غيرها من البلدان الأوروبية، ومع العلم بأنه سبق وكانت هذه البلدان منتدبة ومحتلة من قبل الاستعمار الفرنسي، إلا أنه لا توجد أي جاليات أو تجمعات سياسية مسيحية فاعلة ونشطة فيها، ولا حتى على المستوى التبشيري. بمعنى آخر، عُزل المغرب العربي نهائيًا عن امتداده الاقتصادي السياسي لهذه البلدان الأوروبية بحجة الانتماء الديني.
وإن أكملنا إلى ليبيا، مرورًا ببعض الدول الإفريقية مثل السودان وغيرها، لوجدنا المشروع متشابهًا، إنما بأسلوب مختلف، والوجه واحد وهو الدين.
وهذا الأمر لا يعني إلا شيئًا واحدًا، هو أن دول الاستعمار بعد أن قررت الخروج من مستعمراتها، وضعت مخططًا واضحًا جليًا يقوم على سياسة أن يحكم الضعيف أو الفئة الأقل عددًا الأكثريةَ الساحقة لهذا البلد أو ذاك، مما يُبقي هذا الحاكم أو ذاك بحالة صراع دائم مع من يشعرون بأحقية السلطة نسبةً إلى العدد أو الانتماء. وهذا الأمر يُلزم هذا الحاكم الضعيف بالبقاء تحت سلطة الدول الكبرى التي نصبته لحمايته ومنع زوال ملكه.
بتفسير أقل شرحًا وأكثر وضوحًا: إن الدول المستعمرة، وقبل خروجها، وضعت مخططًا استراتيجيًا ينص على أن أي حاكم يُنصَّب يجب أن يكون من الفئة الأقل عددًا أو مرتبطًا بصراع تاريخي طائفي أو قبلي ليكون ضعيفًا يُبقيه بحالة ارتهان دائم لهذه القوة النافذة، ليستمر حكمه.
ومن هنا كانت فكرة قيام دولة إسرائيل، وجل ما تسمعونه عن مخططات قبل الاستعمار هي مجرد نظريات، وبحال وجودها قد تكون مع بداية القرن التاسع عشر، أي مع نهاية الحكم العثماني ووضوح مشروع الاستعمار الجديد.
وهذا السرد، وإن كان على شاكلة مقدمة مستفيضة، إلا أنه ينقلنا إلى صراع من نوع آخر، ولكن بنفس الأدوات التي استُعملت طيلة القرن المنصرم تمامًا.
1914 واليوم نحن 2015، أي مئة عام بالتحديد.
فاليوم نسمع عن داعش، هذه الحركة التكفيرية الإرهابية المتوحشة.
الجميع يحاربها ويقاتلها دون هوادة، بل إن المفارقة الخطيرة جدًا في وجودها هو سبب وجودها.
فإن سلمنا جدلًا بما نسمع، دون الدخول بأي حسابات جانبية، لأُصبنا بالذهول جراء قراءة بسيطة لا تحتاج إلى أي مجهود ذهني أو تنظير وتحليل استراتيجي.
جميعنا نسمع من الذين يقاتلون داعش، أو من داعش نفسها، أن ما يقارب الخمسين قتيلًا يسقطون لها يوميًا على مساحة امتدادها الجغرافي، إن كان بسبب الحروب التي تُشن على مراكزها أو بسبب هجماتها التي تشنها على بعض المناطق.
فإن أخذنا هذا العدد، وهو أقل ما يمكن القبول به عقليًا، وهو 50 قتيلًا يوميًا لداعش، لعلمنا بأن داعش تخسر شهريًا ما لا يقل عن 1500 قتيل، أي بالعام الواحد يسقط لداعش ما يقارب 18 ألف قتيل. وإن ضُرب هذا العدد بالمعدل الطبيعي لناتج الحروب، وهو 4 جرحى مقابل كل قتيل، لكان حاصل المجموع 100 ألف بين قتيل وجريح.
هل تصورنا هذا العدد؟ 100 ألف بين قتيل وجريح، أي بعشرة أعوام مليون داعشي بين قتيل وجريح! فمن أين تأتي هذه الجموع لتنتسب إلى داعش، وهي مجموعة تكفيرية بربرية همجية، محكومة بعزلة دوليًا، وطريقة عيش مرفوضة اجتماعيًا ودينيًا في القرن الحادي والعشرين، ناهيك عن الفتاوى والاجتهادات التي تحذر من تداعيات سلوكها نفسيًا واجتماعيًا وتأثيرها المدمر على التطور المدني زمن العولمة؟
مع العلم بأن العدد هو أكبر من ذلك بكثير، فلا يُعقل أن يسقط على مساحة جغرافية تمتد من جبال لبنان إلى العمق العراقي، مرورًا بسوريا وحتى اليمن، مع بعض الجيوب المتواجدة في كافة البلدان العربية، والتي تُحارَب من قبل أجهزة هذه الدول الأمنية والعسكرية، 50 قتيلًا يوميًا.
هل يمكن أن نضيف أعداد المعتقلين والملاحقين من داعش في سجون هذه الدول؟ وكم بلغت أعدادهم؟
من أين تأتي داعش بالأسلحة والأدوية والأموال؟
الوجه واحد والمستعمر واحد، والذي سمح لأشخاص من فئة ومذهب مختلف أن تحكم شعوبًا، هي نفسها سوف تسمح لداعش أن تحكم أوطانًا وشعوبًا، وبنفس الأسلوب: قتل، تدمير، تهجير، سبي، وأفعال إجرامية لا يتصورها عقل أو يحدها منطق.
وأيضًا السبب واحد، وهو تخلف المجتمعات العربية وانقسامها الديني الطائفي.
خلاصة مختصرة:
إن الاستعمار نفسه، الذي خلق حكامًا بربطة عنق وعقلية دينية متطرفة موالية لمذاهبها أو طائفتها أو انتمائها ومكنهم من الحكم لمئة عام، هو نفسه سوف يسمح لداعش بأن تحكم، إنما بلحية شعثاء ووجه إجرامي وعقلية دينية تكفيرية.
ولكن مع مفارقة وحيدة ومختلفة، وهي أن النظم التي انتهى دورها، والتي كانت تُعِد فئة من الشعب للوصول إلى هذه الحالة من الإجرام بسبب التعذيب في المعتقلات وغياب الحوار واستعمال العنف المفرط، مما خلق نقمة وحالة نفسية مريضة عند أغلبية المعتقلين وحقدًا لن ولم ينتهِ مع سقوط هذه النظم. فداعش لا تعتقل أو تسجن، إنما تقتل مباشرة بأمر مباشر من الذين يدعمونها ويرسمون سياستها.
فاليوم المعركة واضحة، وإسرائيل هي المستفيد الوحيد من هذا التغير بسبب نجاحها بالحفاظ على كيانها دوليًا.
والتي كانت بالأمس سبب تخلف الشعوب العربية، ومقولة “لا صوت يعلو على صوت المعركة”، هي اليوم الصوت الأعلى والأقوى والمزدهر في المنطقة، والمستمرة إلى نهاية هذا العالم العربي المنتهي أصلًا.
والرجلان الوحيدان اللذان فقِهَا هذه المؤامرة هما الرئيس الراحل ياسر عرفات والرئيس اللبناني الراحل كميل شمعون.
كما علينا ألا ننسى الإمام الخميني، القائد الديني الشيعي والزعيم الإيراني، الذي تكلم عن إسرائيل وعمل جاهدًا على محاربة مشروعها من خلال وقوفه بوجه امتدادها الدولي. ومن هنا تحاول أمريكا إخراج إيران من هذه اللعبة لعلمها بثقافة هذا الشعب وحنكته السياسية، أو أقله إقناعها بالعدول عن مواجهة معركة الحريق أو المذبحة التي ستجري على الأراضي العربية مع تقديم إغراءات لا حدود لها.
ومن هنا، علينا أن نستعد لمئة عام تحكم فيها داعش هذا العالم الغارق بالظلمات والجهل والتخلف، وأن نفهم ونفقه بأن كل ما نسمعه من قصص عن العروبة والإمبريالية هي طروحات بالية أكل الدهر عليها وشرب وغاص بها، حتى صور الزعماء والحكماء وكتبهم هي مجرد أوراق قد نستعملها في غير أماكن استعمالها.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
