
إعداد زهراء🌹
في رحلة الأمومة والأبوة، نعيش صراعات داخلية لا تُرى. نحب أبناءنا حدّ الاحتراق، نخاف عليهم من زلات الطريق، نحاول حمايتهم بكل ما أوتينا من حذر… لكننا في أحيانٍ كثيرة، نُتهم بأننا لا نثق بهم.
يأتي الابن أو الابنة في عمر المراهقة، يطلب الحرية، الخصوصية، الاستقلال، ونحن نقف حائرين:
هل نمنحهم الثقة؟ أم نمارس الحماية؟ وهل كل حماية تُفسر على أنها قيد؟ وهل كل حرية هي دليل على حسن الظن؟
—
أولًا: الفرق الجوهري بين الثقة والحماية
الثقة:
هي إيمان داخلي نُكنّه لابننا بأنه قادر على اتخاذ قراراته وتحمل تبعاتها. نمنحه مساحة ليُجرب، ليخطئ، ليتعلم.
الثقة لا تُمنح دفعة واحدة، بل تُبنى بالمواقف، وتُنمّى بالحوار، وتُغذّى بالمراقبة الذكية دون تسلط.
الحماية:
هي ذلك الغطاء العقلي والعاطفي الذي نمده فوق رؤوس أولادنا حين نعلم أن الأرض أمامهم محفوفة بالخطر.
الحماية لا تعني الشك، بل تعني أننا نُدرك ضعف التجربة، وقلة الوعي ببعض الأمور، فنقف كجدار مؤقت، لا دائم.
—
ثانيًا: متى تختلط المفاهيم عند الأبناء؟
بعض الأبناء، خصوصًا في سن المراهقة، يربطون بين المنع وفقدان الثقة.
يسمعون كلمة: “لأ” فيفهمونها كأنها: “أنت مش قد المسؤولية”.
بينما الحقيقة أننا نقولها أحيانًا بدافع الخوف، لا الاتهام… بدافع الحب، لا القسوة.
وهذا الخلط لا يقع فقط بسبب تفكير المراهق، بل لأننا – نحن الآباء – لا نفسّر، لا نشرح، لا نحتوي، بل نقرر وننفذ وننتظر منهم الطاعة!
—
ثالثًا: التربية في ضوء القرآن والسنة
القرآن الكريم لم يُقصّر في توضيح مفهوم المسؤولية التدريجية والثقة المنضبطة.
قال تعالى:
“ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا”
فلم يُمنع السفيه من ماله، ولكن مُنِع منه مؤقتًا لحمايته، حتى يعقل، ثم يُسلَّم إليه.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:
“كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته”
فالرعاية لا تعني السيطرة، بل تعني التوجيه، المتابعة، والحكمة في منح الحريات.
—
رابعًا: كيف أُشعر أولادي بهذا الفرق؟
1. كوني واضحة وصادقة معهم:
> “أنا مش بمنعك لأني مش واثقة فيك، أنا بحميك من حاجة شايفاها أكبر من سنك، لكن ده لا يقلل منك ولا من وعيك.”
2. شاركيهم قراراتك:
اجعليهم يشاركون في التفكير، واسأليهم:
> “تفتكر لو وافقت دلوقتي، وإيه حصل؟ هل تقدر تتصرف؟”
وامنحيهم فرصًا محسوبة لاتخاذ قرارات، وتحمل نتائجها.
3. راقبيهم دون أن يشعروا بالاتهام:
المتابعة لا تعني الشك، بل تعني: “أنا بجانبك حتى لو لم أقل.”
4. امدحي المواقف التي تُثبت استحقاق الثقة:
> “أنا فخورة إنك رجعت في الوقت اللي اتفقنا عليه، ده بيخليني أوسعلك أكتر.”
5. عاقبي السلوك لا الشخص:
إن أخطأ، فليكن اللوم على الفعل لا على شخصيته.
> “أنا عاتبة على التصرف، مش عليك كإنسان.”
—
خامسًا: الثقة لا تُمنح فقط… بل تُغرس
الثقة تُغرس منذ الطفولة حين أسمح له أن يسكب الماء بنفسه، أن يرتدي ملابسه، أن يختار لعبته.
ثم تنمو حين أسمح له أن يتخذ قرارات صغيرة، ثم أكبر.
وعندما يخطئ، لا أقول له: “ألم أقل لك؟”، بل أقول: “تعلمت إيه من الموقف؟”.
—
مثال واقعي:
ابنتك تريد السفر في رحلة مدرسية، وأنت تشعرين بالخوف.
إن منعتها دون شرح، ستظن أنك لا تثقين بها.
لكن إن قلت:
> “أنا واثقة فيك، لكن قلقة من المكان، والناس، وحابة نرتب الموضوع سوا بحيث تكوني بأمان”،
فأنتِ بذلك توصلين لها أنك تخافين عليها، لا منها.
—
وأخيرًا:
الثقة والحماية جناحان نطير بهما في رحلة التربية.
الثقة تُعلّمهم الاعتماد على النفس، والحماية تُعلّمهم أن الحب لا يعني الإهمال.
حين نوازن بينهما، نُربّي أبناءً واثقين، ناضجين، ممتنين لأننا لم نُقيدهم، بل حميناهم في الوقت المناسب.
—
رسالة من القلب:
كوني السند، لا السقف الواطئ.
كوني العين التي تراقب بحب، لا اليد التي تُقيّد.
وازرعي فيهم هذا الدعاء:
“اللهم اجعل ثقة أمي وأبي فيّ سلاحًا لا سجنًا، واجعل حمايتهم لي درعًا لا قيدًا، وارزقهم الصبر لأخطائي، والحكمة لهدايتي، واجعلني قرة أعينهم في الدنيا والآخرة.”
#لبنى_ميرزا
#معا_لطفوله_افضل.✍️ قلمي يكتب
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net