“ثالث ثلاثة”… حين يتكثف الوجود في رواية ويستحيل التوقيع طقسًا للانتماء إلى الذات

بقلم الشاعرة دلال موسى

في مدينة الهرمل البقاعية، حيث الجغرافيا تنحت الذاكرة والهوية على تخوم الجبال، احتشد العابرون في دروب الحرف والفكر مساء الأحد، ليشهدوا حفل توقيع رواية “ثالث ثلاثة – شظايا الذات” للكاتب الدكتور أشرف المسمار، في المكتبة العامة للمدينة. لم يكن الحضور الأدبي والنقدي محض تجمع احتفالي، بل كان وقوفًا جماعيًا عند تخوم سؤال الوجود، كما لو أن الرواية تحوّلت إلى مرآة كاشفة، لا لذاتها فقط، بل لكل قارئ يتأمل شظاياه المتناثرة بين السطور.

الرواية ليست سردًا خطيًّا بقدر ما هي رحلة داخلية لثلاث شخصيات تتقاطع وتتصادم، في محاولة لتفكيك الذات وإعادة تركيبها وسط عواصف الوعي واللاوعي. في قلب هذا النسيج السردي، تتجلى شخصية “يم”، تلك الأنثى التي لم تنجُ من وطأة مجتمع ذكوري صاغ وجودها على مقاسه، فكان لزامًا عليها أن تُغيّر جلدها، أن تتقمّص الرجولة لا لتنتصر، بل لتنجو. هجرتها إلى ألمانيا لم تكن عبورًا نحو الجغرافيا، بل نحو فضاء افتراضي من الاحتمالات، رحلة محفوفة بالخذلان، وبالأسئلة التي لا تموت.

الشخصية تنهار في نهاية المطاف، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها حاولت أن تكون ما لا يمكن أن يُكون. لم تُفلح أن تكون رجلًا كما أرادت، ولم تستطع أن تظل امرأة كما كانت. هنا، تكمن المأساة الكبرى: أن تفقد التعريف، أن تصير لا شيء في محاولة أن تصير كل شيء.

في هذا السياق، أضاء الناقد الدكتور كميل حمادة، خلال كلمته، على العمق الفلسفي للنص، متناولًا آليات الحوار وأسلوب تشكّل الشخصيات، مشيدًا بقدرة الكاتب على مساءلة الثوابت السردية وخلخلة اليقين السردي لصالح المعنى المفتوح. تلت ذلك مداخلة الأديبة ناريمان علوش، مديرة دار النشر، التي اعتبرت أن “ثالث ثلاثة” ليست مجرد عمل روائي، بل صرخة وجودية مكتوبة بحبر الصدق، وبوجع من يحفر في الطين والرماد عن ملامح جديدة للإنسان.

أما الشاعرة إسراء سلهب، التي افتتحت الأمسية، فقد هيّأت الحضور إلى التورط الوجداني في طقس التوقيع، لا كفعل ترويجي، بل كتجسيد رمزي للانتماء إلى نص يُحاكي التيه البشري في أكثر أشكاله تعقيدًا.

أما موضوع المثلية والتحول الجنسي، فقد تناوله الكاتب بروح علمية وروائية في آن، بعيدًا عن الإثارة أو الإدانات الجاهزة. بل كانت المعالجة دعوة للتأمل في مسارات الانفصال عن الذات، وفي فوضى الأدوار الاجتماعية التي تسحق الإنسان تحت وطأة القوالب. وفي كلمته، أشار المسمار إلى أن هذه الظواهر باتت تُطرح في العالم المعاصر ليس من باب الحرية الفردية، بل ضمن هندسة اجتماعية مريبة، تستهدف خلخلة البنى الأخلاقية والوجودية للمجتمعات.

اختُتم الحفل بجلسة توقيع، تحوّل فيها الكتاب إلى شاهد صامت على لحظة نادرة، يتقاطع فيها الإبداع مع الوعي، ويتآخى فيها النص مع من كتبه، ومن قرأه، ومن رأى فيه مرآةً لوجعه الخاص. ومما يضفي على الأمسية بُعدًا إنسانيًا أن ريع الاحتفال خُصص لصالح جمعية المبرات الخيرية، في تأكيد أن الأدب، حين يبلغ مرتبة الصدق، يُثمر فعلًا في الأرض والروح معًا.

“ثالث ثلاثة” ليست فقط رواية تُقرأ، بل تجربة تُعاش. إنها سؤالٌ مفتوحٌ في وجه الإجابات السهلة، وصرخة مكتومة في زمن التبسيط الممنهج.

شاهد أيضاً

لبنان بين راهن السلطة وميزان القوة: قراءة في تناقضات المشهد

بقلم: سمير باكير لم يعد خافياً أن للسلطة في لبنان رؤيةً مغايرةً لما يجري على …