ظاهرة تشظي الهوية السورية (حالياً ؟)

أ . د. مكرم خُوري – مخّوُل

يمرّ الشعور بالانتماء لدى العديد من السوريين بأزمة نفسية – اجتماعية – سياسية كبيرة بعد إنهيار الدولة السورية المركزية ومؤسساتها.

إذ ان حدود الانتماء لدى بعض السوريين يتعرض للتزعزع فأصبح الشعور يتأرجح بين الانتماءات المتعددة: الوطن الكبير، الدولة، الحزب، الإثنية، الطائفة والمذهب.

فبدلاً من التفكير كسوريين اولا (وذلك أيضاً نتيجة الإبادة والعنف ضد المكونات الأصلية والأصيلة من الشعب السوري) يحصل حالياً انكماشاً وانحساراً في أصغر مربع إنتماء: ألا وهو الطائفة !

هذا تحول طبيعي وذلك نتيجة الملاحقة والذبح و الخوف والقلق إذ بدأ التنظيم الاجتماعي الواسع يتراجع ليعود إلى أكثر دائرة انتماء ضيقة وبدائية! فأخذ السوريين يسألون ؛

“ماذا نحن ؟ سوريين؟ أي نوع من السوريين ؟ لا نحن علويين ! لا نحن مسيحين او دروز او إسماعيليون او شيعة وإلخ. لماذا لديهم تمثيل وليس لدينا؟ هيا نقيم جمعية أو مجلس.”
كل هذا طبيعي ومفهوم بشكل مؤقت.

السبب يعود لتعرض الهوية القومية السورية الجامعة والشعور المركزي بالانتماء للدولة السورية إلى هزّة كبيرة منذ ان تم إنزال عصابات المرتزقة والمُعرتزقة بالقيادة الصوّرية لـ ‫#أحمد_الشرع‬ ‫#الجولاني‬ ‫#الجولاني_الداعشي‬ “جورهابي” بتخطيط ناتوي تركي وعلى أكتاف ‫#نتنياهو‬ لتغيير النظام بالقوة الاستعمارية – وهدم، ليس فقط أيديولوجية الدولة السورية بل أيضا كل مؤسساتها.

هذا التشظي الهويّاتي مفهوم بشكل مؤقت إذ يزداد الشعور بالانتماء للطائفة المهددة والتي تتعرض لإبادة او ملاحقة والخ.
إلا ان تعريف شرائح اجتماعية في الشعب السوري لذاتها بشكل متنامي وفقاً لحدود الهوية الطائفية بشكل مستمر ليس فقط انه سيهدد الهوية السورية الجامعة بل أنه سُيسهل مخططات تقسيم سوريا وفقاً للحدود (الجغرافية – الاجتماعية) الطائفية!

عند التعرض للتهديد وعدم توفر مساعدة فورية، تصدر نداءات لدرجة الانتماء الأساسية (العشيرة أو الطائفة) وهذا تصرف غرائزي مفهوم في معادلة صراع البقاء.

لكن يجب ان تكون هذه المرحلة مؤقتة، تتحول فيما بعد لتكتل جامع (جسم مظلة) يشمل بقية المكونات حتى وإن لم يشمل المكون السني كله مؤقتاً – فسيشمل (غير الطائفي منه) لاحقاً.
وكما قال لي صديق سوري من وفي سوريا حالياً :

“حلمي الصغير تحول الى (لحم بعجين)!… بدلاً من التوحد، تشرذمنا وتقوقعنا، وصار كل ديك على مزبلته صيّاح، وعدنا القهقرى عشرات،،، بل مئات السنين… وترافق هذا مع وجود عدو لا يرحم ومتفوق جداً (بدعم الناتو) ويتفنن في قتلنا وتفرقتنا… ووصلنا إلى موقف المستجير بالنار من الرمضاء، خياران أحلاهما مرّ: إما تسليم رقبتي لسوري آخر (مدعوم من الشيشاني والأوزبكي المرتزق الأهوج) لكي يذبحني طائفياً، أو الاستجارة بعدو الإنسانية لكي يحميني…”!

أما الشهادة الثانية من صديق سوري آخر، فجاءت مؤلمة جدا لتعكس التشظي الذي نهش العائلة الواحدة:

“عائلتي الكبيرة هي خليط من كل أطياف سوريا. والصور العائلية القديمة التي كان يجتمع فيها العشرات في صورة واحدة سنة بعد سنة بعد سنة، مع وجوهنا الضاحكة والمبتسمة، لم نكن نعرف أصلاً في صغرنا أننا من فسيفساء متعددة، كنا أطهاراً (أو ربما سذجاً) نحب بعضنا البعض.
منذ الحرب الكونية ضد سوريا والتي بدأت سنة ٢٠١١، تشرذمت العائلة سياسياً وطائفياً، والكبير توفى، والصغير تفرق، وعدنا قبل بضع سنوات لنقترب قليلاً من بعضنا البعض بعد أن تراءى هزيمة معسكر الغرب.
ولكن ما أن تم إسقاط سوريا حتى تمت إعادتهم إلى ما تريده العصابة الحالية؛ تغذية الأهواء المريضة حتى “أعلنوا انتصارهم علينا”!

هذه الفتنة على مستوى عائلة واحدة، فما بالك بوطن كبير تمزق تمزيقاً رهيباً؟
كيف نصلح ذلك الصدع؟

فقط رجال دولة عقلانيين شموليين غير طائفيين ممكن ان يصلحوا سوريا.
الزمن وحده لا يصلح بدون قيادة اخلاقية حكيمة تستعمل نُظم قيمية ملؤها التسامح وقبول الجميع للجميع إلى جانب الجميع تحت العدالة والمساواة- وهي التي ستفتح الأبصار والبصائر وتغسل القلوب وتوحد المجتمع

في هذه الخاطرة الصباحية المقتضبة نقول :

رغم الصدمة والحزن والفقدان والخسارة والحداد ،،، فالقوة تكمن في الوحدة (ليس مع الإرهابيين)، والضعف يكمن في التفرق والتشرذم.

فعلينا جمع كل هذه الجمعيات الطائفية والمجالس الملّية لتعمل كلها (في الوطن والشتات؛ تحت غطاء جامعٍ واحد لإعادة تشكيل الهوية السورية العريضة على اساس مؤسساتي وطني مدني عصري عريض.

11.04.2025@8am UK
@ProfMKM
نرحب بملاحظاتكن على واتس آپ:

Mobile What’s App: ++44(0)
7 564 560 273

شاهد أيضاً

لبنان بين راهن السلطة وميزان القوة: قراءة في تناقضات المشهد

بقلم: سمير باكير لم يعد خافياً أن للسلطة في لبنان رؤيةً مغايرةً لما يجري على …