خميس بن عبيد القطيطي
انتهتِ المرحلة الأُولى لاتِّفاق وقف إطلاق النَّار في قِطاع غزَّة مطلع هذا الأسبوع، ويجاهد الوسطاء (مصر/قطر) للتَّوَصُّل إلى صيغة مقبولة لبدءِ المرحلة الثَّانية من الاتِّفاق وذلك رغم انتهاكات الأسابيع الستَّة من عُمر المرحلة الأُولى، إلَّا أنَّ المشهدَ العامَّ والصورة الَّتي عبَّرتْ عَنْها المرحلة الأُولى لم تزدِ الصَّهاينة إلَّا سوءًا وفشلًا يُضاف إلى فشل العدوان البربري الَّذي استمرَّ (471) يومًا لم يُحقِّقْ أيًّا من أهدافه، وما زال هناك (59) أسيرًا صهيونيًّا سوف يُقبِّلون رؤوس آسريهم من أبطال المقاوَمة في ختام قصَّة أقرب للدراما والكوميديا السَّوداء بقدرِ ما تحملُ من الألَمِ تحملُ أيضًا عناوين أخرى جسَّدتْ حُسن المعاملة الَّتي تلقَّاها الأسرَى الصَّهاينة من قِبل آسريهم على عكس ما يُلاقيه الأسرَى الفلسطينيون، كما قدَّم المشهد رسائل بليغة للرأي العام العالَمي حَوْلَ قداسة القضيَّة الَّتي يُناضل من أجْلِها أبناء الشَّعب الفلسطيني منذُ (77) عامًا من الاحتلال الصهيوني وأكثر من قرن على الانتداب.الجانب الرَّسمي العربي وللمرَّة الأُولى يسجِّل اصطفافًا ثابتًا مع القضيَّة الفلسطينيَّة بكلمة «لا» للتَّهجير بِغَضِّ النَّظر عن الدَّوافع والأسباب والظُّروف، لكنَّها وقفة تُسجَّل للعرب برفضِ التَّهجير جملةً وتفصيلًا، وكما أعلن العرب رفض التَّهجير في بيانهم الأوَّل ها هم اليوم يؤكِّدون رفض التَّهجير مع إعلان البيان الختامي للقمَّة العربيَّة الَّتي عقدتْ في القاهرة يوم الثلاثاء الرابع من مارس 2025م. وكلمة «لا» للتَّهجير في الواقع مُعلَنة منذُ رُبع قرن تقريبًا، لكنَّها اليوم تبرزُ في مجابهة إملاءات وضغوط خارجيَّة، بما يؤكِّد أنَّ الموقف العربي الرَّسمي كُلَّما جاء موَحَّدًا كان صلبًا ومانعًا ومصدًّا لهجمات وبلطجة القوى الاستعماريَّة، وحالة من حالات القرصنة الدّوليَّة المتعمَّدة على التَّاريخ والجغرافيا والسِّيادة العربيَّة، كما يُمثِّل اصطدامًا استعماريًّا بمحاذير سياسيَّة وأمنيَّة لا يُمكِن القَبول بها ومرفوضة شَعبيًّا ورسميًّا.القمَّة العربيَّة الاستثنائيَّة قدّمتْ مقترحًا مصريًّا بإعادة إعمار قِطاع غزَّة مع وجود أكثر من مليونَي نسمة داخل القِطاع، وأكَّد البيان الختامي للقمَّة على نقاط جوهريَّة في قضيَّة الإعمار، مِنْها إنشاء (200) ألف وحدة سكنيَّة في سبع مناطق في غزَّة بشكلٍ عاجل لإسكان أهالي القِطاع، ولجنة إدارة محليَّة مؤقَّتة تعتمد على الخبرات من أبناء غزَّة، ولكن موضوع الإعمار كان يتطلب فتح صندوق عربي عاجل بالتَّزامن مع إطلاق الدَّعوة لمؤتمرٍ دولي لإعادة إعمار غزَّة وذلك للمسارعة في الإعمار بجهود عربيَّة أوَّلًا، لكن تبقَى القِيمة الأبرز للقمَّة هي إعلان الموقف العربي الجماعي الَّذي جسَّد رفْضَ إملاءات التَّهجير المعاكسة للتَّاريخ والجغرافيا وظروف المرحلة وسياقات الأحداث. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ المشاريع السِّياسيَّة الَّتي أطلقَتْها (الماكينة) الإعلاميَّة الاستعماريَّة طوال العقود الماضية باءتْ بالفشل بدايةً من الشَّرق الأوسط الكبير إلى غزَّة الكبرى إلى مشروع الضَّمِّ وأخيرًا مشروع التَّهجير، وبالتَّالي فإنَّ الأحلام الصهيونيَّة بما يُسمَّى «إسرائيل الكبرى» تُعَدُّ فاشلةً ولم تُحقِّق أيَّة نجاحات في نطاقها الأقرب فلسطين ولبنان. بِغَضِّ النَّظر عمَّا حدَث في أراضٍ مؤخرًا من توغُّل لقوَّات الاحتلال الصهيوني فهو تحصيل حاصل واستثمار للحالة الرَّاهنة، وهنا تدرك القوى الدّوليَّة أيضًا أنَّ رفعَ سقفِ المواجهة مستقبلًا قد يدفعُ العرب تدريجيًّا نَحْوَ استخدام الأوراق الَّتي لم تُستخدمْ ويُمكِن التَّلويح بها سياسيًّا؛ باعتبارها أدوات قوَّة رغم تخلِّي العرب عَنْها في المراحل الماضية، إلَّا أنَّها تظلُّ عناصر قوَّة مدَّخرة واحتياطًا استراتيجيًّا للعرب، ومن هذه الأوراق: التَّهديد بإلغاء جميع اتفاقيَّات السَّلام مع الدوَل العربيَّة، والتَّلويح باستخدام ورقتَي النِّفط والغاز في معادلة الصِّراع، والمقاطعة الاقتصاديَّة ويُمكِن التَّلويح بدعم المقاوَمة، هذا إذا أراد العرب التَّعبير عن الذَّات العربيَّة. بالمقابل لا يهمُّ العرب كثيرًا وقفُ المِنح الماليَّة المشروطة، فهذه لا تعني شيئًا للدوَل العربيَّة قياسًا بالكمِّ والنَّوع وما تحملُه من أعباء ثقيلة على الدوَل العربيَّة المعنيَّة. ولا شكَّ أنَّ الموقف العربي الجماعي الرَّاهن بحدِّ ذاته كان كافيًا لمواجهةِ أيِّ تنمُّر على الحقوق والسِّيادة العربيَّة، وهنا على العرب عدم انتظار العواصف لتشكيلِ مصدَّات مؤقَّتة، بل ينبغي بناء مشاريع عربيَّة أكثر فاعليَّة والاصطفاف بقوَّة مع قضايا أُمَّتهم المصيريَّة وتطلُّعات أبناء الأُمَّة العربيَّة، فهل يُسجِّل العرب نقلةً تاريخيَّة مُشرِّفة؟
لا شكَّ أنَّ حكومة الاحتلال الصهيوني تُمعن النَّظر في كثير من الاتِّجاهات الدّوليَّة، لكن لا يُمكِنها إلَّا القَبول بالواقع الَّذي أفرزتْه معركة طوفان الأقصى والمُضي قُدمًا لِتنفيذِ المرحلة الثَّانية من الاتِّفاق.
وختامًا فإنَّ ما يتحقق اليوم من نتائج إيجابيَّة تؤكِّد أنَّ أولئك الرِّجال الأبطال، وتلك الثلَّة المباركة الَّتي تبنَّتِ القرار في السَّابع من أكتوبر كانتْ تستند إلى توجيهات ربَّانيَّة مؤيَّدة بنصر الله ومعزَّزة بجُندِه، وقَدْ بَيَّنَتِ الصُّورة الأخيرة مشهدًا فلسطينيًّا بالغ التَّعبير والتَّأثير جسَّد نهاية المعركة، ومعركة طوفان الأقصى وقَبلها معركة سيف القدس ما هي إلَّا مرحلة من مراحل مشروع التَّحرير الَّذي يُدرك الصَّهاينة أنَّه قادم لا محالة. فهناك قاعدة ثابتة تقول: إنَّ التَّحرير لا يتحقق إلَّا بالدَّم وتضحيات الشُّعوب وأشلاء الشُّهداء، ولا شكَّ أنَّ قوائم الشُّهداء الَّتي قدَّمتها قضيَّة النِّضال الفلسطيني لن تذهبَ سدى، بل سيعتمد عَلَيْها مشروع التَّحرير المنتَظر الَّذي وعدَ الله به عباده المؤمنين، «فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا» صدقَ الله العظيم. نَصرٌ من الله وفتحٌ قريب وبَشِّر المؤمنين.
خميس بن عبيد القطيطي
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
