لبنان لا يهزم

ريما فارس

في بلدٍ كلبنان، لا تنتهي الحروب بانتهاء دويّ المدافع. ثمة معارك تُخاض في الظل، بصمتٍ خبيث، حيث تُستبدل أصوات القذائف بقرارات سياسية، ويتحول الحصار إلى حصارٍ من نوع آخر: اقتصادي، إعلامي، وحتى أخلاقي. هذا ما يلمّح إليه الباحث عمر نشابة في منشوره على منصة “X”، حين أوجز مشهداً سياسياً معقداً بجمل قليلة لكنها تنضح بالوضوح والجرأة.

لم تكن حرب 2006 مجرّد فصل عابر من الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، بل كانت بداية لمرحلة جديدة من المواجهة التي لم تُغلق ملفاتها حتى اليوم. فشل العدو في تحقيق أهدافه العسكرية لم يكن نهاية الحكاية، بل حوّل المعركة إلى ساحات أخرى أكثر ضبابية، حيث تلعب الولايات المتحدة وحلفاؤها أدواراً خفية لكنها لا تقل خطورة عن دبابات العدو وطائراته. حين عجزت إسرائيل عن كسر حزب الله بالسلاح، تولّت واشنطن وباريس والرياض مهمة استكمال ما لم يُنجز بالقوة: محاولة خنق الحزب سياسياً ودفع الدولة اللبنانية إلى مواجهته من الداخل، كأن الصراع لم يعد مع عدو خارجي فقط، بل مع تركيبة وطنية يُراد تفكيكها قطعةً قطعة.

لكنّ المعادلة لم تكن بهذه السهولة. لم ينهار الحزب، ولم تتصدّع جدرانه كما كانوا يتوقّعون. هو الحزب ذاته الذي خرج من تحت ركام الضاحية الجنوبية أكثر صلابة، وأشد رسوخًا في معادلة الردع الإقليمية. وإلى جانبه، وقفت قوى لبنانية تدرك أن لعبة شدّ الحبال هذه قد تنتهي بخنق لبنان نفسه. من هنا جاءت محاولات التفاهم مع رئاسات الدولة، ليس كخطوة تكتيكية فحسب، بل كمسعى حقيقي لتجنب انهيار الدولة بكاملها. لأن الانهيار لن يكون خسارة لحزب أو حركة، بل كارثة تطال الجميع.

في هذه المعادلة المعقدة، برزت العبارة التي ختم بها نشابة منشوره: “لا أحد يمكن أن يوافق على إعدامه.” لم تكن هذه الكلمات موجهة لشخص بقدر ما هي رسالة تتجاوز الحدود الضيقة للأسماء والمناصب. المقصود هو إعدام فكرة، هوية، مشروع مقاومة لا يمكن شطبه بجرة قلم أو قرار فوقي. إنهم يحاولون اليوم قتل ما لم تستطع الجيوش إطفاءه: الروح التي ترفض الهزيمة حتى وإن اجتمعت عليها قوى الأرض.

لبنان ليس دولة عادية يمكن إخضاعها بسهولة. هو وطن اعتاد أن يقف على الحافة دون أن يسقط، قد يُحاصَر ، قد يُرهَق اقتصاده وتُقيد حركته، لكن فكرة المقاومة فيه عصية على الإعدام. لأن الفكرة لا تموت طالما هناك من يؤمن بها، ويحملها في قلبه كما يحمل نبضه، ومن يعتقدون أن بإمكانهم توقيع شهادة وفاته السياسية ينسون تماماً أن الأوطان الحقيقية لا تُبنى على مجرد اتفاقيات وموازنات بل تُبنى على الإيمان… والإيمان لا يُعدَم.

 

شاهد أيضاً

الإمام الخامنئي من الجهاد إلى الشهادة: قراءة تحليلية مختصرة في حياة قائد الثورة الإسلامية الإيرانية(1)

  د. فاضل الشرقي عضو المكتب السياسي لأنصار الله ٤ محرم ١٤٤٨هـ الموافق 19 يونيو …