حوار الشاعرة دلال موسى
في عمق الوجود الإنساني، ترى مجلة كواليس أن الفن يتجلى كهمسة خفية تحمل أعباء الروح إلى فضاءات لا يحدها المنطق، حيث يلتقط أنفاس الإنسان العميقة، ويلونها بألوان لا تُعد ولا تُحصى. إنه لغة لا تتطلب الترجمة، بل تفتح أبوابًا لفهم لا يخضع للزمان أو المكان. أما الإعلام، فهو القوة التي تحاول أن تلتقط تلك الهمسات وتمنحها بُعدًا جماهيريًا، فيحولها إلى صوت يصل إلى الملايين أو إلى صورة تتلاشى مع مرور الوقت. بين هذين القطبين، الفن والإعلام، تتراقص جدلية الحرية والترويض، حيث يُولد الفن من رحم الفردية المطلقة، ليجد نفسه في مواجهة مع التأثير الإعلامي الذي يعيد تشكيله وفق أهواء المجتمع ومتطلبات السوق. هل يبقى الفن صادقًا في جوهره حين يمر عبر عدسات الإعلام، أم أن هذه العدسات تفرغه من نقائه وتحوله إلى مجرد منتج استهلاكي؟ وهل يستطيع الإعلام أن يحافظ على حرية الفن ويمنحه المساحة التي يستحقها، أم يصبح هو الموجه الذي يفرض على الفن صوته وتوجهاته؟ هذه الأسئلة تتجاوز حدود الإبداع الفردي لتتغلغل في صراع أعمق بين حرية التعبير وقيود التأثير الجماهيري، مفتوحةً أبوابًا لفهم أعمق لكيفية تداخل الفن والإعلام في تشكيل الوعي الجمعي .

في عالم يعج بالآلام ويغص بالوجع، يبرز اسم زاهي وهبي كأحد أبرز الأصوات التي حملت معاناة الشعوب العربية، وأصبحت كلماته جسرًا يعبر به قلب الإنسان إلى أعماق الحزن والبحث عن الأمل. وُلد في الخامس من أيار 1964 في بلدة عيناتا اللبنانية، إحدى المناطق الحدودية في جنوب لبنان. نشأ في بيت ريفي بسيط، حيث كان لصوت والدته الحاني دور أساسي في تشكيل وعيه الأدبي، إذ كانت تروي له قصص الأنبياء والأولياء والملاحم الشعبية التي كانت تستهوي خياله. من الزير سالم إلى سيف بن ذي يزن، كانت تلك الحكايات جزءًا من نسيج حياته اليومية، ومن خلالها نمت في قلبه بذرة الشعر والأدب.

ومع مرور الأيام، أصبح الجنوب اللبناني نفسه مصدر إلهام له. شهد زاهي وهبي صرخات الأرض ووجع الإنسان في ظل الاجتياحات الإسرائيلية المتواصلة. عاصرت عيناه المأساة، فتشكلت رؤيته للعالم على أنقاض الحروب والدماء. انغمس في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وحين كان شابًا، تم اعتقاله في صيف عام 1982، حيث كان حافزًا له للانخراط في صراع كُتب له أن يكون جزءًا منه . اعتقله الاحتلال في «عتليت» _ فلسطين المحتلة، ثم نُقل إلى «أنصار» في جنوب لبنان، حيث أمضى عامًا كاملًا في الأسر. هذه التجربة القاسية لم تكسر عزيمته بل كانت أكثر من مجرد محطة، فقد أضافت له بُعدًا آخر، حيث أن نضوجه الأدبي والسياسي أخذ طابعًا آخر. وفي عام 1985، وبعد أن تم اعتقاله مجددًا في مدينة بنت جبيل، غادر زاهي إلى العاصمة بيروت، ليبدأ فصلاً جديدًا في حياته الإبداعية.
لكن هذه الرحلة لم تكن مجرد سلسلة من الأحداث السياسية والعسكرية، بل كانت ولادة لتجربة شعرية وإعلامية فريدة. من بين أنقاض المعاناة، ولدت قصائد وهبي، حاملة هموم شعبه وأوجاعه، وظهرت كأداة للتعبير عن المقاومة والعزيمة. وكأن جدران السجون والاحتلال، منحت كلماته صوتًا أعلى وأعمق. عبر أقلامه، باتت القضايا العربية حية في كل حرف، وأصبح لشعره تأثير يتجاوز حدود الزمان والمكان.

1. هل ترى أن الإبداع محاولة لفهم الوجود أم للتمرد عليه؟ وكيف ينعكس هذا الصراع في شعرك وأعمالك الإعلامية؟
هو مزيج من الأمرين معاً، لا يمكننا التمرد على هذا الوجود من دون محاولة فهمه أولاً. ولا يغيب عني أن البشرية تحاول هذا الفهم منذ بدء الخليقة، ومن صلب هذه المحاولات ولدت الأساطير والميثولوجيات والفلسفات والمفاهيم والأفكار والآداب والفنون.
أما كيف ينعكس هذا الصراع فالأمر متروك للقراء والنقّاد. إذ لا يمكنني النظر إلى تجربتي بعين الآخر الذي يرى ما لا يمكن أن أراه، أو يراه بطريقة مختلفة عمّا أراه.
2. هل تعتقد أن اللغة تُقيّد المعنى أم تحرره؟ وكيف يتعامل الشاعر مع حدود اللغة حين يريد أن يعبر عن اللا محدود؟
هذا هو التحدي الأهم الذي يواجه كل شاعر. كيف تتسع اللغة لما يكتنزه من رؤى وأفكار. فاللغة مهما اتسعت تبقى محدودة أمام الخيال الجامح والمشاعر والأحاسيس اللامتناهية، والأفكار الخارجة عن السائد والمألوف.
بحسب النفرّي “كلّما اتسعت الرؤيا ضاقت العبارة”. إنطلاقاً من هذه المقولة، كلما كان الشاعر رؤيوياً ومتجدداً ومجدداً كلما كبر التحدي بينه وبين لغته، لذا سادت في فترة من الفترات لدى شعراء الحداثة مقولة “تفجير اللغة”. أفهم هذا التفجير بمعنى استخراج المكنونات غير المستخرجة أو غير المكتشفة. مهما أتى الأولون من إبداعات تظل ثمة مناطق بكر نستطيع التوغل فيها واستخراج الجديد المدهش منها.

3. هل يمكن للشعر أن يمنح معنى للعبثية التي تحيط بالوجود؟ أم أنه مجرد وسيلة لتجميل فراغ الحياة؟
الشعر يجعل الحياة أخفّ وطأة. لولا الشعر لكانت الحياة مضجرة حتى لأولئك الذين يظنون أن لا صلة لهم بالشعر. الشعر أعمق من أن يكون مجرد تجميل لأي شيء. لأن الشاعر في بحث دائم ودؤوب عن المعنى.
يظن البعض أن الحياة بلا شعر ممكنة لكنه واهم. هنا الظنّ كله إثم وليس بعضه فقط. الشعر يصل إلى الناس بطرق مختلفة ومتعددة، يصل عبر الكتاب أساساً لكنه يصل أيضاً عبر الغناء وعبر المسرح والسينما والبصريات المتنوعة. الشعر موجود أصلاً في الحياة نفسها، في الطبيعة والكائنات، وما يفعله الشاعر هو استخراج المادة الشعرية من مناجم الوجود.
4. هل الإعلام وسيلة لنقل الحقيقة، أم أنه يخلق “حقائق” تتناسب مع الواقع الذي يريده الآخرون؟ وكيف يمكن للإعلامي أن يحافظ على مصداقيته وسط هذا التضارب؟
الحقيقة متناثرة مثل قطع لعبة البازل. الباحث عنها عليه جمعها قطعة قطعة، قطعة من هنا وأخرى من هناك كيف تكتمل أمامه الصورة.
ما من وسيلة إعلامية مستقلة كلياً، لكن الإعلامي المهني يستطيع بحنكته ومهنيته توسيع هامش استقلاليته قدر الإمكان. وكلما وسّع هامش حريته واستقلاليته كلما حافظ على مصداقيته وحفظها

.5. كيف يعبّر الشاعر عن الغياب دون أن يلغيه؟ وهل يمكن للقصيدة أن تكون مرآة لما هو غير مرئي؟
الشاعر يكتب خساراته أكثر مما يكتب انتصاراته، يكتب الغياب أكثر مما يكتب الحضور. الفن برمته نوع من التعويض عن الفقدان والخسارات. يحاول الشاعر استعادة مَن وما يرحل أو يغيب، ويشكّل عالماً على هواه.
وأرى أن الشعر هو رؤية ما لا يراه الآخرون، والانتباه إلى المنسي والمهمّش والمرذول. لا يمكن للقصيدة إلا أن تقول اللامرئي. النثر يقول الأشياء كما هي في الواقع، الشعر يقول الأشياء ذاتها لكنه ينقلها من الواقع إلى ما فوق الواقع أو إلى ما وراء الواقع.

6. برأيك، هل الشعر محاولة للبحث عن معنى وسط العدم، أم أنه احتفال بهذا العدم بحد ذاته؟
الشعر هو الشيء ونقيضه في آن. هو إضافة معنى جديداً لكل شيء، وفي الوقت نفسه الانقلاب على المعنى المألوف والسائد.
طالما ثمة شعر وفن وأدب ثمة معنى. لئن غابت هذه الأشياء كلياً (وهذا غير ممكن بل مستحيل)
ساعتها يمكننا الحديث عن العدم.
الفنّ الحقيقي هو نقيض العدم. حتى الفن العدمي أو العبثي لا يخلو من المعنى والموقف حيال الحياة والوجود.

7. هل ترى أن هوية الشاعر تنفصل عن الزمن الذي يعيش فيه؟ أم أن الشعر ابن شرعي للحظة التاريخية التي يولد فيها؟
ينفصل الشاعر عن المكان والزمان لحظة كتابة القصيدة، أما مضامين القصيدة لا يمكن لها مهما حلّقت حالياً أن تنفصل كلياً عن زمانها ومكانها.
اللغة التي نكتب بها أصلاً هي لغة زماننا. لو كتبنا بلغة الأولين التي هي لغتنا أيضاً لاحتجنا إلى معجم كيف نفهم الكثير من الكلمات. بهذا المعنى الانفصال الكلي مستحيل. لكننا نستطيع القول إن الشعر هو الابن العاقّ للحظة. أي أنه يولد منها ويسعى فوراً للانفصال عنها والتحرر منها كي يخترق الزمان والمكان إلى أزمنة آتية.
8. كيف يُمكن للنص الشعري أن يُلامس المطلق، وهو محكوم بنسبيات اللغة والزمن؟ وهل الشعر محاولة لتحطيم هذه القيود؟
هذا سحر الشعر ومأزقه في آن. أي أنه يحاول الوصول إلى المطلق بأداة محددة ومحدودة. لذا هو في صراع دائم مع لغته التي قلنا أنها مهما اتسعت تظل أضيق من الرؤيا.

9. كيف يمكن للصمت أن يكون جزءًا من النص الشعري؟ وهل الصمت في حد ذاته قصيدة لم تُكتب؟
الصمت لغة كاملة.
الشاعر الذي لا يجيد فهم لغة الصمت يقع في الإسهاب اللغوي كي لا أقول الإسهال.
كتبتُ مرةً: في كتاب الصمت نقرأ كل اللغات.
10. هل ترى أن الشاعر ملزم بحدود أخلاقية أثناء الكتابة؟ أم أن الإبداع الحقيقي يتجاوز كل الحدود ليصل إلى جوهر الحقيقة؟
لا حدود أخلاقية في الكتابة الشعرية، ولا قيود اجتماعية شرط عدم الوقوع في السهولة والابتذال. كلما ما عدا ذلك جائز. الشعر يقول كل ما تضمره وتظهره النفس البشرية لذا شرطه الوحيد الحرية المطلقة، بلا حرية لا وصول إلى الجوهر.

11. هل الألم في رأيك هو أصدق أشكال الإلهام؟ أم أن الإبداع يمكن أن يولد من الفرح والسلام الداخلي؟
الألم مطهر للنفس، وهو أنقى أشكال الإلهام وأصدقها. الألم لا يكذب علينا، يوجعنا بكل صدقه وشراسته. الفرح يكذب أحياناً كثيرة، ولا يطيل الإقامة.
لكني أستدرك بالقول إن الألم ليس واحداً، وكذلك المعاناة المولدة للإبداع. الفقر ألم، المرض ألم، الوحدة أيضاً ألم. وفي بعض الحالات يمكن للاكتفاء أن يتحوّل ألماً.
أياً كان شكل الألم فهو مولد للإبداع.
الألم نكتبه كي نتحرر منه. الفرح نعيشه كي نقتنصه من الحياة الدنيا.
12. إذا كان الإعلام هو مرآة للواقع، فهل ترى أن هذه المرآة تعكس الحقيقة بوضوح أم أنها تُشوهها لتتناسب مع مصالح معينة؟
لا أظن الإعلام مرآة كاملة للواقع. إنها مرآة مُشَظّاة. كل وسيلة إعلام تريد نقل الواقع من الزاوية التي تقف فيها. بهذا المعنى يمكن القول الإعلام مرآة المصالح الواقعية!
13. هل ترى أن الشعر وسيلة لمواجهة الحتمية الوجودية للموت؟ وكيف يُمكن للكلمة أن تتحدى زوال الجسد؟
الكتابة فعل حياة.
وفي الأزمنة الصعبة تغدو دليل حياة.
الكلمة المكتوبة تعيش أكثر من كاتبها، تعبر الأزمنة والأجيال، وتنتصر على الموت والفناء. ألم يقل محمود درويش في “جداريته” الرائعة: “هَزَمَتْكَ يا موتُ الفنونُ جميعُها. هزمتك يا موتُ الأغاني في بلاد
الرافدين. مِسَلةُ المصريّ، مقبرةُ الفراعنةِ، النقوشُ على حجارة معبدٍ هَزَمَتْكَ وانتصرتْ، وأفْلَتَ من كمائنك الخُلُودُ. فاصنع بنا، واصنع بنفسك ما تريدُ”.
وبمقدار ما هي جميلة هذه الحقيقة، أن تعيش الكتابة أكثر من كاتبها، فإنها في جانب من جوانبها تضمر الكثير من مفارقات هذه الحياة التي لا تكتمل بغير الموت.

14. هل يُمكن أن يُوجد الشعر بدون حرية داخلية؟ وكيف يُمكن للشاعر أن يعبر عن معنى عميق في عالم مُقيّد بقيود خارجية؟
الإبداع ابن الحرية، الرحم التي تتشكل فيها القصيدة هي الحرية الداخلية. لا يمكن للشاعر أن يكتب حرفاً حقيقياً وصادقاً ما لم يكن حراً من الداخل.
أما القيود الخارجية فهي التي يضعها الشاعر نصب قصيدته كي يحطمها ويتحرّر منها، ولا يمكن له ذلك ما لم يعش حريته الداخلية.
15. كيف تتعامل مع مفهوم النهاية في نصوصك؟ وهل ترى أن كل نهاية تحمل بداخلها بداية جديدة؟
أرى أن السؤال يضمر إجابته. نعم كل نهاية هي بداية جديدة. حتى الموت هو بداية جديدة لأمر لا ندركه تماماً. لو كان الموت فناءً كلياً وأبدياً لأصبحت هذه الحياة بلا معنى ولا جدوى وتساوى فيها الجميع: القاتل والموسيقي، الدكتاتور والشاعر، اللص والطبيب…الخ
16. الموت دائم الحضور في الفكر الإنساني. كيف يمكن للشعر والإعلام أن يتعاملا مع هذا المفهوم دون الوقوع في الاستسهال أو التكرار؟
ليس الموت فقط. كل ما نكتبه الآن سبقنا الأسلاف إليه، خصوصاً في حالة الشعر العربي. مأزق الشاعر العربي المعاصر أنه يأتي مسبوقاً بأسلاف عظماء لم يتركوا شيئاً لم يقولوه.
ومع ذلك لا يمكننا الإتكاء فقط على قاله الأسلاف مهما بلغ من عظمة. علينا أن نكتب الموت والحب واللقاء والفراق والحزن والفرح وكل شيء آخر بطريقتنا ووفق رؤيتنا كي نضيف مساهمتنا إلى العمارة الشعرية العربية الشاهقة.
17. هل ترى أن الوجود كله قصيدة مفتوحة، وأن الشاعر مجرد قارئ يحاول فك رموزها؟
الوجود قصيدة إلهية في صيرورة دائمة، قصيدة متحوّلة وغير ثابتة، يحاول الشاعر المشاركة في صياغتها كي ينال نصيباً من الخلود.
18 . ما هي الرسالة التي تسعى لإيصالها عبر مجلة كواليس إلى كل المقاومين والشعراء المبتدئين، وكيف ترى أثر الكلمة في تشكيل وعي الأجيال القادمة ؟
الكلمة في جوهرها بذرة، تحمل في داخلها قدرةً على النمو في التربة الخصبة للعقول والقلوب. مجلة كواليس، بما تحمل من رؤية وثقافة، تسعى لأن تكون الحاضنة لهذه البذور، توجهها نحو مسار المقاومة الإبداعية، حيث يكون الشعر سلاحًا، والفكر قلعة، والكتابة حياة جديدة تُمنح للعالم.
رسالتي لكل شاعر مبتدئ هي أن الكلمة ليست فقط أداة للتعبير، بل هي مسؤولية تجاه الذات والآخر، تجاه الماضي والحاضر والمستقبل. الكلمة المقاومة ليست مجرد فعل احتجاج، بل هي فعل بناء، تُعيد تشكيل الواقع، وتنحت من الألم أملاً، ومن الرماد شعلةً لا تنطفئ.
في النهاية نرى أن الشاعر والإعلامي زاهي وهبي نشأ ليكون رمزًا للأدب المقاوم، وعاش ليروي قصص الشعوب المضطهدة، ليعكس معاناتهم عبر إبداع لا يعترف بالحدود .
إلى اللقاء في حلقة جديدة من برنامج سيرة شاعر ، كنتم مع مديرة الصفحة الثقافية – الفنية دلال موسى .
مع كل الإحترام لقلوبكم .
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
