«عقدة أوديب» تعيد نزار عبد الستّار إلى بغداد

ما بين الفورور الذي ارتدته مريم فخر الدين، في فيلم «حكاية حب» الذي غنّى لها عبد الحليم خلاله أغنيته الشهيرة «بتلوموني ليه»؛ و«عقدة أوديب»، المفهوم النفسي الذي ابتكره سيغموند فرويد مُستنداً إلى أسطورة «أوديب» الإغريقية، ينسج القاصّ والروائيّ العراقيّ نزار عبد الستّار، روايته «فورور»، الصادرة عن «دار نوفل/ هاشيت أنطوان» (2024).
يروي أحداث الرواية بطلها الأساسي صابر عفيف، وتقوم على فكرة أساسيّة: رحلة سعيه إلى استعادة فورور والدته وحيدة جميل، مونولوجيست كباريه «مولان روج» في بغداد. رحلةٌ يُحمّلها عبد الستّار عدداً من الرسائل الاجتماعية والفنيّة والفلسفيّة والسياسيّة، التي يُمرّرها عبر سرد حياة صابر عفيف، التي تتقاطع معها تفاصيل من حياة والدته وحيدة جميل، وحياة خالته بدرية التي ورث عنها كمنجة صنعها أنطونيو ستراديفاري، وأهداها إيّاها موسيقيٌّ إيطاليٌّ، درّبها على العزف، وطوّر موهبتها، بعدما لجأ إلى بغداد، وعاش فيها وحيداً.

رواية تحكي بلغة رومانسيّة خياليّة عن قصّة سعي إلى الحفاظ على الأصالة

وكما أوديب، لم يستطع صابر التخلّص من جِلد أُمّه الأوّل، ولا حتّى من جِلدها الثاني المصنوع من الفورور. لذلك لا يكتفي بملاحقة سيرتها بدءاً من كباريه «مولان روج» في بغداد، وصولاً إلى مصر، ثمّ لبنان ولندن؛ بل يعيش حياة مساكنة مع امرأة إنكليزية تُدعى «سيلين» تُشبهُها، تَعرّف إليها بعد وصوله إلى لندن، لاستكمال دراسته في كلية الفنون الجميلة في «كامبرويل»، بمنحة مقدّمة من «المجلس الثقافيّ البريطانيّ»، بدعم من أستاذه في كلية الفنون الجميلة في بغداد حافظ الدروبي. حصل التعارف بينهما أثناء عملهما معاً في شركة «ويست غيت» للتنظيف، حيث وجدت سيلين في صابر كلّ أسرتها، في حين وجد فيها والدته: «سيلين مثل أمّي وحيدة جميل، تمتلك قدمين صغيرتين تتميّزان بوترَي أخيل بديعتين ونادرتين /ص12»، «…حكت لي كلّ هذه التفاصيل لاحقاً، وهي بجسد الساعة الرمليّة بالأنروير الضيّق، وشديد الشبه بجسد أمّي من الخلف» (ص149).
تابعت سيلين عملها في التنظيف، في حين عمل صابر بعد تخرجه بتسعة أشهر في تجارة الفنّ. هذا العمل الذي شكّل بخباياه وأسراره جزءاً أساسيّاً من متن الرواية، حيث يعرض عبد الستّار عبره كواليس تجارة الفنّ وعوالم المزادات الشهيرة في لندن، تحديداً دار «كريستيز»، وعوالم المال والحياة المُخمليَّة، ويُحمّل هذا العرض نقداً سلبياً للجانب الخَفي لصالات الفنّ الشهيرة، التي هي أقرب إلى بورصة، إذ يمتلك المال الكلمة الفصل في جميع الأعمال الفنيّة التي تقدّم للمزاد، بغض النظر عن قيمتها الإبداعيّة الحقيقية، ومن غير أيّ تقييم موضوعيّ وشفّاف، بل وفقاً لقانون الرّبح المالي فقط، الذي تعكسه إحدى أهم نصائح الإيطالي سانتيو، الذي أخذ بيد صابر للعمل في تجارة الفنّ، ومنحه الكثير من أسرارها: «لا تستعرض ثقافتك، ولا تُنبّه إلى الأخطاء. لا تُصحّح شيئاً، فهم لا يتكلّمون عن الفنّ، إنّما عن المال» (ص42). ويؤكّد صابر ذلك، عندما يصف سنوات خدمته في دار «كريستيز»، التي لا تختلف عن دار «بونهامز» التي عمل فيها أيضاً لسنوات، أو باقي الدور سواء في لندن أم غيرها: «طوال سنوات خدمتي في «كريستيز»، لم أسمع من أحدهم أيّ رأي فنّي، فكلُّ الحوارات تصبّ في التحضيرات ودقّة تطابق النتائج مع التوقّعات، حتّى عندما نُخمّن الأعمال فإنّ ذلك يتمّ بجوّ ماديّ، لأنّ أيّ لوحة تُعرض في المزاد هي ادّخارٌ واستثمارٌ. نحن التجّار الصغار من نجعل الفنّ مزدهراً» (ص 110).
ووسط هذا كلّه، يبقى المسعى الرئيسي لصابر استعادة فورور والدته، الذي أهداهُ لها وزير الدفاع السوفيتيّ، الذي لم يكن بالنّسبة إليها مجرّد فورور «سواريه شنشيلا بيج ثمين»، بل منبعاً للشعور بأنّها امرأةٌ محترمةٌ، إلى درجة كانت ترتديه حتّى في أيّام الحرّ، فتنهال عليها السخرية: «كانت أمّي تقضي ربع يومها في مواجهة المرآة. تضع الفورور الشنشيلا على كتفيها وهي بالأندروير، بينما أقف خلفها منتصباً كمسمار، متأمّلاً جمال ساقيها، ومأخوذاً بهلال أليتها عند مطلع الفخذ، وبغمّازتي باطن الركبة اللتين تُشبهان طبعة التقعّر في جبنة الشيدر المطبوخة التي تظهر عند فتح غطاء علبة معدنية». لكنّها فقدته نتيجة مصادفة عديمة الحظ، ليسافر في رحلة طويلة من ذراعَيّ مريم فخر الدين، إلى يد رجل كويتي يُصبح لاحقاً ذا شأن في الدولة، فينتقل من يدّ زوجته إلى سيّدة مصر الأولى جيهان السادات عند زيارتها الكويت، ثُمّ يستقرّ في خزانة الشهبانو فرح ديبا بهلوي، ليستعيده صابر بعد معاناة بحث استمرّت عشرين عاماً، مُقابل خسارته ثروةً جمعها من عمله في وسط تحكمه المكائد الجارية، والتي تناله في نهاية المطاف. هكذا، تنتهي مسيرة عمله في لندن، بقليل من الاكتراث لِمَ حصَلَ وحصّله، وبكثير من الرّضى الذي تعلّمه من المرأة التي يحبّها «سيلين»، فينتقل بصحبتها إلى بيروت مع فورور والدته السواريه شنشيلا البيج، وكمنجة خالته «بدرية»، الذي أبى التنازل عنه رغم عمله في مجال تجارة الفنّ، وإدراكه لقيمته النقدية الباهظة، وفي ذلك إشارةٌ إلى أنّ الفن الحقيقي لا يُباع، الإشارة التي عبّر عنها عبد الستّار في موضع آخر في الرواية، عندما وجد صابر لوحة أستاذه حافظ الدروبي «باعة البطيخ» معروضة في غاليري، فتكفّل بشرائها وإيصالها إلى عائلة أستاذه المتوفى، التي عرف مُصادفةً بأنّها تعيش في لندن، كي لا تُعاد سرقتها، وبيعها بأثمان تُحقّر قيمتها الفنيّة: «أخرجت دفتر شيكاتي وأمسكتُ بالقلم، فقال إنّه يريد فيها 15 ألف باوند. كتبت 50 ألف، وأعطيته الشيك قائلاً: هذا هو سعرها الحقيقي».
«فورور» رواية تحكي بلغة رومانسيّة خياليّة عن قصّة سعي إلى الحفاظ على أصالة كامنة في «فورور سواريه شنشيلا بيج»، وكمنجة صنعها ستراديفاري. وفي ذلك رسالتان:
– يبقى الإنسان أسيراً لماضيه وبيئته الأولى، مهما علا شأنه وتغرّب.
– الأصالة الفنيّة قد تورّث، ولكنّها لا تُشترى أو تُباع.

شاهد أيضاً

إيران تصنع بدماء شهدائها تاريخ سياسي وعسكري جديد في المنطقة العربية والإسلامية

يكتبها: محمد علي الحريشي جمهورية إيران الإسلامية تصنع بدماء شهداءها وبتضحيات شعبها، تاريخ جديد للمنطقة …