أمين السكافي – صيدا
ومضى يمشي في أزقة غزة على غير هدى منه لا يعلم عن ماذا يبحث أو من يريد، حتى إذا ما إلتقى بأحدهم إنفرجت أساسيره ولمعت عينيه لثوان معدودة ،ثم يعود إلى الضياع الذي يلازمه فالعم أبو جمعة وقد بلغ العقد السابع من عمره ،قد أصيب ومن فترة ليست بقصيرة بداء الزهايمر ولذلك فهو لا يتذكر أي شيء، لا إسمه ولا كنيته ولا أولاده ولا أحفاده ولا العنوان الذي ألتجأت إليه عائلته ،كان من يلتقيهم ينظرون إليه بإستغراب فماذا يفعل رجل في سنه في هذه المناطق ،حاول بعضهم سؤاله ولكنهم لم يصلوا إلى أية نتيجة معه . فهو لا يعلم أصلا ما الذي يحدث في غزة ولما كل هذا الدمار ولما الشوارع والأزقة شبه خالية ،إلا من كلاب وقطط تبحث عن رزقها في كل مكان سابقا كانت القمامة هي مصدر رزقهم ،ولكن ومنذ المجاعة فليس هناك قمامة فقد أتت الناس على كل شيء وأي شيء كان سابقا يذهب إلى حاويات القمامة، أصبح يستفاد منه بطريقة أو بأخرى فالجوع والبرد القارص ليس لهما حل ،أما العطش فقد حلت مسألته في هذا الوقت بسبب الأمطار الغزيرة التي تهطل بين حين وحين . وصل أبو جمعة إلى منطقة من محاور القتال وهو لا يدري شيئا مما يدور حوله ،شاهد جنودا فإقترب منهم وهو يتوكأ على عصاه فبدؤا بالصراخ عليه ،خوفا من أن يكون أحد الذين يفجرون أنفسهم وسط الجنود ولكن أبو جمعة إستمر بالتقدم ،فهو لا يعلم ماذا يحصل أطلقت طلقات تحذيرية فوق رأسه فتوقف أبو جمعه، طلب الجنود منه وهو السبعيني أن يخلع كامل ثيابه وأخذوا وضعية الإستنفار وكأنهم يواجهون الضيف أو السنوار ، حاول أبو جمعة أن يشرح لهم فلم يستجيبوا له بل أعطوه ثواني لخلع ثيابه وإلا ،دمعت عينا أبو جمعة وهو يهم بخلع ثيابه في هذا الطقس البارد .
خلع الرجل ثيابه ولكنهم لم يكتفوا أمروه بخلع ثيابه الداخلية ورغم الزهايمر ورغم النسيان، أخذ بالبكاء لكرامته التي يلعب بها هؤلاء الفتية الذين يحملون أسلحة ويتكلمون معه بلغة عربية مكسرة ،بينما يتكلمون مع بعضهم بلغة ثانية ليست غريبة عليه ،عندما أنتهى أبو جمعه من خلع كل ثيابه ولم يجدوا منه تهديدا دعوه للإقتراب كما هو ،طلب وألح لو يسمحوا له بإرتداء ثيابه الداخلية ولكنهم رفضوا وعندما صار وسطهم بدأت الأسألة تنهمر عليه ،من هو وماذ يفعل هنا وهل له علاقة بالمقاومة أم هل هو جاسوس جاء يتسقط الأخبار ،وأبو جمعة لا يفقه مما يقولون شيئا وحاول معهم كثيرا بأن يخبرهم أنه لا يتذكر شيئا مما يسأل عنه، وأنه يشعر بالبرد الشديد ولكنهم ومع إصراره على عدم الرد على أسئلتهم بدؤا بضربه ،وهو رجل قد بلغ الثانية والسبعين لا يحتمل ضربا ولا بردا وفوقهم العطش والجوع ولكنهم لم يأبهوا لأمره ،فهم وبأغلبيتهم أقتنعوا أنه عجوز لا يدري شيئا ولكن ومع ذلك جعلوه تسليتهم في ذلك اليوم الماطر . حاول أبو جمعة جاهدا أن يتذكر شيئا ولو أي شيء فقط ليفهم من هؤلاء ولماذا يهينونه بهذه الطريقة، وكيف لشباب أن يتطاولوا بالضرب والكلام البذيء على رجل عجوز مثله ، بقي على هذه الحال وهو يرتجف من البرد والجوع حتى حل المساء، وهو على هذه الحال ومضت الليلة عليه ببطأ شديد حتى إذا ما حل الفجر جاءت سيارة عسكرية وأخذته معها ، لتكمل التحقيق معه توجهت السيارة إلى أحد المواقع الكبيرة على أطراف غزة ،سمحوا له بإرتداء ثيابه الداخلية أما العصا فقد صودرت فهي قد تشكل تهديدا للأمن القومي للكيان ، وصلوا إلى القاعدة أنزل أبو جمعة وأخذ إلى أحد المباني التي دمرت جزئيا ،وأدخل إلى مستودع كبير ملئ بأمثاله ولكن دون عمره كان يتواجد في المكان أكثر من مئتي رجل ، وأيديهم مربوطة وراء ظهورهم وكلهم يرتجفون بردا ,لأنهم في ثيابهم الداخلية فأجلس في زاوية بالقرب من بعض الشباب . كان هذا هو المكان الذي يتم تجميع الأسرى فيه قبل التحقيق معهم ،ومن بعدها إما يفرج عنهم وهذا قليلا ما يحصل أو يتم تحويلهم إلى معتقلات الكيان ،أخذ أبو جمعة ينظر حوله المكان أشبه بمكب نفايات والأشخاص المقيدين أغلبهم يتألمون من الضرب والجوع والعطش ،سأله أحدهم ما هي تهمته ومن أين هو وأين قبض عليه وهو شيخ كبير فلم يعرف أبو جمعة بما يجيبه، كان المكان مكشوفا من ناحية سقفه وبعض الفتحات في جداره مما سمح للمطر بالنزول على البعض ،أما الفتحات الموجودة في الجدران فهي تسمح بدخول الهواء البارد، إضافة إلى أصوات الصراخ القادمة من المبنى المجاور ، جاء جندي بعد برهة من الوقت وأمسك بأبي جمعة ووضع عصابة على عينيه وإقتاده إلى أحد المباني وأدخله إلى غرفة وأجلسه على كرسي، دقائق ودخل عليه محققين أحدهم يوجه له الأسئلة من أنت وماذا كنت تفعل ومن أين جئت، وأبو جمعة فعلا لا يعلم وهنا كان دور الثاني فعند كل لا أعلم وأنا مريض من أبو جمعة كان الثاني ينهال عليه بالضرب ،بما يشبه السوط ولكن قبلها كان يسكب عليه الماء البارد وأستمر التحقيق مع العجوز ،وأدخلت الكهرباء في التحقيق حتى أعياهم أبو جمعة للمحققين وصاروا مقتنعين أنه عنيد ولن يتكلم لأنه يمتلك إرادة قوية ولن يسمح لهم بأخذ أية معلومة منه. بعد أن أعياهم أبو جمعة وهو يردد لا أعلم قرروا تحويله إلى إحدى الزنزانات المنفردة، عسى أن يكسروا هذه الإرادة وتركوه دون طعام أم شراب وأبلغوا مقر الموساد أن لديهم عجوز إرادته صلبة ولا يتكلم ،في هذا الوقت أعلم أبناؤه الصليب الأحمر الدولي عن فقدانه بعد أن بحثوا عنه في كل الأماكن، ولما لم يجدوا له أثر تواصلوا مع الصليب الأحمر وأية جهة من الممكن أن تساعدهم لإيجاده ،في اليوم التالي وصلت سيارة من الصليب الأحمر إلى مركز الأسر وأخبروا المسؤولين عن أبو جمعة ووضعه وأنه مصاب بالنسيان ، وأعطوهم صورته هنا فهم جنود العدو وأجهزتهم لما لم يتكلم هذا الختيار أبدا ، وأمروا بإحضاره من زنزانته عندما فتحوا الباب وجدوه متقوقعا على نفسه حاولوا إيقاظه بالصراخ ،فلم يستجب فتقدموا منه وضربوه بأرجلهم فلم يتحرك عندها أقتربوا منه ، فوجودوه قد فارق الحياة من الضرب والماء والكهرباء والبرد والجوع . سلمت جثته للصليب الأحمر الذي أوصلها بدوره إلى ذويه من أبناؤه وبناته ،وأخبروا ببعض مما حصل ساد الصمت لحظات ليقطعه بكاء أحدى بناته وليلحق بها الجميع ، أنزلوه وأدخلوه إلى إحدى الغرف ليغسل بما تيسر من ماء شاهدوا آثار التعذيب على جسده ،وشعروا به متيبس الأعضاء من البرد شيع أبو جمعة كشهيد قتل على يد الصهاينة ، الذين لا يمتلكون ذرة رحمة لا له ولا لأخيهم يوسف حين ألقوه في البئر ولا لنبي الله يحيى حين ذبح وقدم رأسه لبغية من بغايا بني إسرائيل.
أمين السكافي (صيدا-لبنان)
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
