رسالة الروح

الكوتش الدولي الدكتور محمد طاوسي

إن الكلمات و العبارات التي تحمل روحًا عميقة و معاني راقية تلامس جوهر الإنسان و مكنوناته الشعورية. فتبدع في وصف معالم العواطف و الخوالج التي ما من شأنها أن تيسر كيفية تعاملنا مع الحياة ، و ما تحمله من تقلبات و تحديات و مواقف اختبارية لا اختيارية ، هي طلاسيم حياتية مباحة و مشروعة تداوي العليل من علة الأذى النفسي و الذهني و الروحي ، إذ إن الكلمات الدلالية تختزل و هي مجمعة عددا من آليات التواصل الاجتماعي الفعال ، بل هي دعوة للتأمل في أعماق الذوات البشرية قصد التصالح مع المشاعر و الأحاسيس بكل صدق و توازن، و إن البحث عن ذلك التوازن الحقيقي الذي يثري الروح و يعيد تشكيل علاقتنا بالحياة و بالأشخاص من حولنا هو ذلك الصوت غير الصارخ داخلنا الذي يفك شيفرة تلك المشاعر الصافية النابعة من مزن الروح ، فيتحدث بعبارات عن مشاعرنا التي هي الوقود الذي يدفعنا للإبداع و التطور و يحدث ذلك الصدى القلبي الذي يختزن في ركن من اركان دون القدرة على الإفصاح عنه فيترك سجينا في اعماقنا ، لكنها أيضًا تستلزم منا الحذر و العناية بما يلفظ من قول عبر افواهنا ، كي لا نسقط فريسةً لضعفها أو انحرافاتها فقد قال سبحانه وتعالى:” ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد”
إن كلماتنا التي ترسلها هي ترياق تتحدث عن الأمل و الإيمان و الصبر كأركان أساسية تُبنى عليها عواطفنا الناضجة ، و تدعو إلى التخلص من شوائب الأنانية و النرجسية و تحارب ايضا ذلك الخوف الذي قد يصيب ارادتنا ، كما تحث على البحث عن التجلي الحقيقي للوجود في الحب و العطاء و التواصل الصادق. حيث ان هذه الكلمات وجب علينا من باب النصيحة و الرسالة الإنسانية التي تحملها أن تنبض بالحكمة ، و تجعل القارئ و متتبع يتأمل و يبحث عن معاني أعمق في حياته اليومية.
إنما نكتبه ليس مجرد وصفٍ لفظي للعواطف فارغ من كل المشاعر و الأحاسيس ، بل إنما هو فلسفة وجودية تلامس القلوب و العقول معًا ، فكلماتنا هي كلمات عميقة و مؤثرة ، تلامس جانبًا حساسًا من واقع المشاعر الإنسانية مثل الخذلان العاطفي و الكينونة الوجودية و ماهية الانسان ، حيث ان كل التحديات و التقلبات و التناقضات التي تتصارع في دواخل الانسان قد تبدو جروحا تترك أثرًا غائرًا في النفوس ، و خاصة عندما يكون هذا الصراع من شخص قريب نثق به بصدق ، لكنها في نفس الوقت هي محك لنوال التجارب و الرقي في مدارج الاكتمال و الادراك .
إنما نكتبه ليس مجرد كلمات منمقة تتحدث عن مثالية زائفة ، او تبيع الوهم كما يظن البعض لمجرد أصابتهم بخيبة أمل ، او لمجرد تلاشي الحلم الذي لم يستطيعوا تحقيقه ، إنما كلماتنا و خربشاتنا هي جرعات صادقة كي نزرع الثقة و نشحد الهمم للعزم على المسير نحو الملاذ الآمن و نحقق أحقية الاستخلاف التي بُنيت بيننا و بين الله تعالى ، فالسر الذي بيننا و بين الله هو انه سبحانه وتعالى خلقنا بحب و احبنا فجعلنا خلفاءه .
إنما نكتبه هو تجسيد تلك المشاعر الحقيقية التي لا تُقاس بالكلمات البسيطة أو المظاهر المزيفة ، بل هي نهر مشاعر بما ينبع من أعماق الروح ، لذلك عواطفنا صادقة ناطقة موجهة بحكمة و روية ، لا تُمنح إلا لمن يستحقها و يقدر قيمتها و إن انعدام الثقة و فقدان الامل لا يحدثان فقط بسبب ضعف المشاعر ، وإنما نتيجة لسوء تقدير الأشخاص الذين وثقنا بهم أو بسبب سوء التدبير الذي قد نسقط فيه ، و مع ذلك، فإن الاخفاق و الانتكاس ليسا نهاية الطريق ، بل هي دروس نتعلم منها أن نكون أكثر حكمة في اختيار من يستحقون التعامل معهم ، و نكون اكثر رحمة بانفسنا ، و أكثر جرأة على تخطي العقبات ، فالقوة الحقيقية تكمن في أن نعيد بناء أنفسنا ، و أن نحمي قلوبنا دون أن نغلقها تمامًا ، لأن الحب الحقيقي و الإخلاص لا يزالان موجودين، حتى لو كان العثور عليهما يتطلب صبرًا طويلًا.
إن كلماتنا تحمل رسالة عميقة عن قيمة المشاعر و ضرورة صونها و عن معالي القيم و مكانتها و ضرورة حفظها و الحفاظ عليها ، و هي تذكير لكل منا بأن نحترم أنفسنا قبل أن ننتظر الاحترام من الآخرين ، فما نكتبه يعكس فهمًا عميقًا لخلق الإنسان و هدف وجوده في هذه الحياة قصد الرقي بفكره و جوارحه حتى يصل إلى الرشد و ينهل من معين هذا التأمل في قدرة الله على خلق هذا الكائن الفريد ، فيفتح أمامنا أبوابًا من التساؤل و التفكّر في الأمانة التي حملناها و الغاية الكبرى من وجودنا ، إذ إن الإنسان بتكوينه العجيب، هو انعكاس لجوانب من أسماء الله و صفاته ، فهو السميع البصير المبدع العليم الحكيم ، و لكن هذا الإنسان المخلوق العجيب يبقى محدودًا بعجزه و ضعفه الذي يجعله دائم الافتقار إلى ربه ، و بهذا الافتقار تتحقق معاني العبودية الخالصة لله ، حيث يدرك هذا الإنسان أن ما وهبه الله من قدرات و طموحات ليست سوى وسيلة لتحقيق الغاية التي خلق من أجلها الا و هي العبادة الحقة و الاستخلاف الصحيح .
إن الحياة، كما أشرنا إليه سابقا ليست سوى محطة اختبارٍ و مسؤولية كبرى ، فيها من التحديات و الابتلاءات ما يصقل النفس و يهذبها ، و كل عقبة فيها مهما بدت مؤلمة فهي تحمل في طياتها حكمة إلهية و رحمة خفية ، فالمحن تصنع الرجال و هي وسيلة لرفع الدرجات و تقريب القلوب من الله ، حيث يتحقق التجلي الإلهي في حياة المؤمن بعد أن يخلع من قلبه كل تعلق بغير الله فيحدث التحلي بعد التخلي ثم يكون التجلي لما بعد التحلي
إن كلماتنا هي تلك الدعوة للثقة بالله وحده و الاستناد إليه في كل أمور الحياة حتى تُظهر عمق الإيمان بأن الله هو الكافي ، وهو المعطي الذي لا يمنع ، وهو المانع الذي لا يُعطي إلا لحكمة. فالقلب الذي يتعلق بالله وحده لا تهزه خيبات الدنيا ، بل يراه في كل شيء ، فهو يراها في الفرج كما في الضيق ، و في العطاء كما في المنع ، و في اليسر كما في العسر ” فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا”
و ختامًا ، ما أروع أن يستودع الإنسان كل أمانيه و طموحاته و أحلامه عند الله، و هو على يقين أن ما سيأتيه من الله هو الخير، و أنه مهما اختلفت مسارات الحياة، فإن الغاية واحدة: “و إن إلى ربك المنتهى.”* فهو الملاذ الآمن و الأخير الذي إليه راجعون .

 

شاهد أيضاً

شكر وإمتنان

لاعلاميه رغد عشيش بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله أولًا وآخرًا، ثم أتقدم بخالص الشكر …