هذا مقالٌ موجه إلى كل سوري، أينما كان وأيّاً كان اصطفافه السياسي أو موقعه الجغرافي. الهدف من نشره توثيق حقيقة يعتقد أن السوريين قد يحتاجون إلى معرفتها الآن، أو في يوم من الأيام، للإجابة عن أسئلة منطقية ستُطرح حول ما جرى من سقوطٍ مدوٍّ لسوريا بكل مكوناتها،، من المعروف أن بشار الأسد تسلّم مقاليد السلطة في الجمهورية العربية السورية عام 2000 خلفاً لوالده حافظ الأسد، الذي ترك بصمة قوية في تاريخ السياسة السورية ومكانتها الخارجية. وقد رافق هذا التسلم أملٌ شعبيٌّ داخليٌّ في انتقال السوريين اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً إلى حالة أفضل من الازدهار والتقدّم، وأملٌ خارجيٌّ عربيٌّ ودوليٌّ في أن تنخرط سوريا في تسويات وتفاهمات تخدم مصالح دول إقليمية وغربية،، نجح الأسد الابن إلى حدٍّ ما في تحقيق بعض الآمال الداخلية، وكان هناك دلائل إيجابية ومؤشرات رقمية على تقدّم ونجاحات اقتصادية واجتماعية. وكان من الممكن استكمال هذه النجاحات لولا الأحداث التي عرقلت مسيرتها، مثل حرب العراق، واغتيال رفيق الحريري، وحرب تموز، وصولاً إلى أحداث “الربيع العربي” والحرب السورية التي ألغت معظم تلك المنجزات.
أما على الصعيد الخارجي، فقد تعامل الأسد مع تركيا كشريك استراتيجي، وفتح لها أبواب سوريا، مستنداً إلى تقاطع المصالح بين الدولتين، آملاً بالسير معاً في طريق الحرير المنتظر. كان الأسد صادقاً في تحالفه، بينما أثبت “التركي الإخواني” – حسب وصف المقال – مكره وخداعه.
ورغم ذلك، حقّق الأسد خلال عهده سلسلة من الإنجازات السياسية، منها المشاركة في مبادرة السلام العربية (2002)، ودعم المقاومة في العراق (2003)، ودعم المقاومة اللبنانية بأسلحة نوعية كسرت توازن الردع (كصواريخ الكورنيت)، والدعم الكبير للمقاومة الفلسطينية (حماس والجهاد الإسلامي) واستضافتهما في دمشق، والدور الذي لعبته سوريا في مباحثات دول البريكس، ومشروع طريق الحرير، والاتفاقيات الثنائية مع روسيا والصين وإيران وفنزويلا وكوبا والبرازيل وحتى تركيا بين عامي 2008 و2010.، وعلى الصعيد الاقتصادي، شهدت سوريا نمواً في الميزان التجاري، وارتفاعاً في الإنفاق الحكومي، وإطلاق مشاريع السوق المفتوحة، ومسح ديونها تماماً، إضافة إلى إطلاق مشاريع صناعية عملاقة ومدن صناعية وفق قاعدة اللامركزية الإدارية. كما شهدت الفترة بعض الإصلاحات الداخلية في تعديل القوانين المتعلقة بالحياة السياسية والإعلامية، وإنشاء أحزاب جديدة (رغم محدودية الخطوة)، وإطلاق مشاريع إدارية كالأتمتة والمكننة وخطط الإصلاح الإداري،، وحقق الأسد نجاحاً نسبياً وصمد بعناد أمام محاولات أميركية مباشرة وغير مباشرة لدفعه إلى تقديم تنازلات أو إبرام تسويات في ملفات عديدة، أهمها التطبيع مع إسرائيل أو إيقاف دعم حركات المقاومة اللبنانية والفلسطينية، أو فك العلاقة الاستراتيجية مع إيران والاكتفاء بعلاقة عادية معها. كما طلبوا منه منح فرنسا والشركات الأميركية امتيازات نفطية أو تشغيل مرافئ حيوية، وغيرها من التسهيلات. فرفض، أو لم يستجب كلياً، مما أغضب الأميركيين والغرب الأوروبي وبعض دول “البترو-دولار” العربية، فقدموا إلى تركيا عرض “طعن الأسد”، وتولت قطر إقناع الماكر أردوغان بتنفيذه.
بدأ التنفيذ عام 2011، وظن الجميع أن الطعنة الأولى ستكون قاتلة، فبشّروا وأعلنوا سقوط الأسد. لكنه صمد وقاوم آلامه، وساعده في ذلك وفاء حلفائه: حزب الله وإيران، فنهض مجدداً،، ومع مرور الوقت، وبعد دخول روسيا بثقلها العسكري،، بدأت التساؤلات تطرح عن الدور الروسي في الحرب. لماذا لم تحسم المعارك في الشمال السوري كما حُسمت في حمص أو حلب أو ريف دمشق؟ ولماذا كانت القوات تتقدّم إلى نقطة معيّنة وتقف عندها، ثم يأتي الروسي لإدارة اتفاقات لا ترضي الشعب السوري ولا جمهور حلفائه؟ كنا نصف ذلك بأن “الروسي يوازن الأمور”، ولا يريد غلبة كاملة ليطيل بقاؤه ويحصل على ما يريد.
أبرز الأحداث التي أدارها الروسي كانت ملف الأسلحة الكيماوية، والتي جاءت نتائجها مفاجئة وغير مرضية للمحور الداعم لسوريا. بدأت الشكوك تحوم حول جدية تحالف الروسي مع الأسد، خاصة مع سلسلة “أنصاف الحلول” التي كان يمكن أن تكون أفضل من وجهة نظر السوريين.
اليوم، بعد انكشاف الكثير من الأمور، بتنا نفهم أن الروسي لم يكن متحمساً لمنح الأسد انتصاراً كاملاً. استمر الأسد في تقديم كل ما يطلبه الروسي، ولم يأخذ منه إلا القليل، وأغلبه لم يكن مفيداً. استمرت الوعود الروسية للأسد، خصوصاً في ملف الدفاعات الجوية الكاسرة لتفوق إسرائيل، وملف الوجود العسكري التركي. ولم يتحقق شيء يذكر. لا يملك الأسد بدائل كثيرة، فصبر وانتظر، لكن بلا جدوى.
ومع مرور الوقت، تكشّفت مواقف الروسي أكثر، خاصة بعد عملية “طوفان الأقصى”. بدا أن الروسي يفهم جيداً خطاب نتنياهو وإعلانه حربه على غزة ووعده بتطبيق “الشرق الأوسط الجديد”. قرأ الروسي جدية الإسرائيلي وقرر الاستثمار في ذلك، بعكس الأسد ومحور المقاومة الذين لم يقرأوا خطاب نتنياهو بجدية، ولم يختاروا التكتيك المناسب، مثل فتح جبهة الجولان، أو دخول مباشر إلى الجليل، أو فتح كل الجبهات دفعة واحدة.
كان الروسي يراقب ويتشاور مع التركي والإسرائيلي. وبذكائه الثاقب عرف أين مصلحته، ودعا الأسد للتريث والسير في “الصفقة”، فرفض الأسد. حاولوا جميعاً تقديم إغراءات للأسد عبر الإماراتي والأردني والسعودي وحتى عبر رئيس وزراء العراق. رفض الأسد كل عروضهم، وقدم هو صفقته للآخرين، ولكنهم ماطلوا وأضاعوا الوقت حتى أعلن نتنياهو حربه على لبنان. استمروا بالمماطلة ليضعفوا موقف الأسد، وسرّبوا معلومات وصوراً لإغلاق مكاتب خدمية لحزب الله في مناطق سيطرة الروسي، مما زعزع بعض الثقة.
الصفقة الأميركية للأسد: الخروج الإيراني الكامل، إنهاء دعم حزب الله والمقاومة الفلسطينية، تطبيع أو سلام مع إسرائيل بضمانات أمنية محددة، قواعد أميركية، استقلالية كردية، وانفتاح اقتصادي مع الخليج مقابل عشرات مليارات الدولارات. الصفقة التي قدمها الأسد رفضت هذه الشروط: طالب بخروج الأتراك أولاً، ورفض أي حكم محلي مستقل للأكراد، ورفض قواعد أميركية. أراد سيادة سورية كاملة وغير منقوصة.
فهم الأميركي والإسرائيلي والروسي أن هذا الرجل لا يصلح للمرحلة الجديدة التي يريدونها للشرق الأوسط. بدأوا الحرب في لبنان، مدركين جدية القرار الإسرائيلي وحدود المحور المقاوم، ومن ضمنهم الروسي. كانت التقديرات أن “إسرائيل” ستنهي حزب الله، وتتقدم إلى صيدا، وتدمر الضاحية، وتحصر المقاومة في بعلبك والهرمل، بحيث تُفرض تسوية سياسية في لبنان تلغي الخطر الأهم على إسرائيل، ثم تتوجه نحو سوريا.
كان التركي يقترح تعديل الخطة والانطلاق من الشمال السوري. ناقش التركي الأمر مع الروسي، لكن الروسي الداهية رفض مبدئياً، وناقش الأسد ببعض الاحتمالات التي رفضها الأسد مجدداً،، في تلك الفترة، أصر التركي على البدء من الشمال ليكون له زمام الأمور. وافق الإسرائيلي وتردد الأميركي، فأقدم التركي والإسرائيلي بوضع التفاصيل النهائية. قرر الإسرائيلي وقف النار في جنوب لبنان بالتزامن مع الهجوم شمالاً في سوريا. الخطة: السيطرة على طرق الإمداد (M4 وM5) بالنار. لكن الروسي أراد سقوط حلب بسرعة، ليضغط على الأسد ويضعه في زاوية حرجة، متوقعاً أنه سيرضخ ويوافق على الحل الروسي بإبعاد الإيراني وحزب الله وإرضاء الإسرائيلي والتركي، مقابل الحفاظ على الأسد في السلطة بحماية روسيه،
لكن الأسد، مع قيادته العسكرية والأمنية المصغرة، كان قد قرر المواجهة ونسّق مع الإيراني والعراقي وحزب الله. أصدر قرارات بزيادة الرواتب وتحضير الجيش. أدرك الروسي تصميم الأسد، فقرر بوتين التحرك لمصلحة روسيا العليا. واستدعى الأسد إلى موسكو بحجة مناقشة المستجدات. منطقياً، شرح الأسد موقفه لبوتين، مؤكداً أن هذه حرب وجود ولن يتراجع. المتوقع أن بوتين رفض قراره المواجه.
هنا، يُطرح السؤال: هل عاد الأسد إلى دمشق أم بقي محتجزاً في إقامة جبريه له؟
إذا عاد، فلماذا لم يظهر؟ ولماذا لم يصدر بياناً رسمياً، أو يخاطب شعبه مُبرراً تنحيه إن حصل؟ ولماذا هذا الغموض في مصيره ومصير أخيه وقيادته السياسية والأمنية والعسكرية، وحتى غياب شخصيات مقربة كالسفير بشار الجعفري؟
لو رحل الأسد طوعاً، فلماذا لا يظهر من موسكو؟ لماذا يحرج تاريخ والده وطائفته وسوريا كلها؟ أسئلة منطقية لا إجابة لها إلا في وجود خديعة روسيه تم تنفيذها،
أيها السوريون، ألا تلمسون أن في أداء الروسي وغموضه ما هو مخفي؟ ألا يستحق الأمر البحث والتمحيص؟ العاقل يدرك أن الأسد لم يهرب ولم يتنحّ، ولم يقبل المساومات الغادرة، فما كان من بوتين إلا توجيه الطعنة الثانية له، بعد طعنة العالم كله عبر التركي. هكذا سيُسجَّل التاريخ وصمة عار على جبين روسيا وخيانتها وغدرها ولن ينساها السوريون جيلاً بعد جيل، وهنا سيتسائل البعض عن دور الإيراني وحزب الله وكيف غادرا سوريا قبل أن تحصل لهم مجزره بفخ اسرائلي تركي وعن الدور الأميركي، وعن القدرة التي مكّنت الروسي من تنفيذ ما نفذ من اتفاقيات وعن كيفية قبول الضباط السوريين بالأمر الواقع. الإجابات كثيرة وقد يجيب المستقبل عن بعضها. يكفي أن نذكر مثالاً:
حين قطع الحشد الشعبي العراقي الحدود مع سوريا، في نفس الوقت انسحبت وحدات من الجيش السوري نحو دمشق. وهدد مقتدى الصدر بمنع الحشد من التدخل في سوريا وكان قراره صحيحا لان التركي صرح بإمكانية التدخل المباشر في ضوء هذه المعطيات، ماذا يتوقع الحشد؟ وصلت معلومات للإيراني مساء الجمعة – السبت، وقد حاولوا التواصل بقيادات سورية فلم يتلقوا الاجابات ، ففهموا وجود خيانه قد حصلت وانسحب حزب الله أيضاً أرسل 2000 مقاتل، فوجدوهم أنفسهم أمام انسحابات للجيش السوري ، وقد تفاجؤا باانسحابات الجيش السوري فانسحبوا هم ايضا . فهل غدر الأسد بحزب الله أيضاً؟! بالتأكيد لا. وهذا بعيد عن الواقع وإن الأمور واضحة: باان الروسي قد خدع الجميع ونجح. أما المستقبل، فقد يكشف تفاصيل أكثر، ويقدم إجابات أوضح. ولا يسعنا إلا التذكير بأن السوريين سيحاسبون التاريخ، ولن تُمحى هذه الخيانة من ذاكرة الأجيال.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
