ثلاثُ سنواتٍ ثقيلةٍ مرّت علينا برحيلِ سماح إدريس (1961 ـــ 2021)، وبسمتُه، وكلماتُه، ونهجُه، ووصيتُه حاضرةٌ فينا: «إذا تخلّينا عن فلسطين تخلّينا عن أنفسِنا». في هذهِ الأيّامِ التي تزهرُ فيها جراحُ المقاومين، وتُحفَرُ فيها وصايا الشهداءِ على التّلالِ والصخور، وتهزّ فيها صرخاتُ المظلومينَ عروشَ المستكبِرين، نبحثُ بين غارتينِ عن كلماتِك يا سماح، فتغرينا بالأملِ، والفرحِ، وتُعوّذُنا بالترابِ من كلِّ انكسارٍ أو هزيمة. في ما يلي بعضٌ من الكلامِ الذي نثرتَ، عابراً الأيامَ والحدودَ، قاهراً الموتَ، جديراً بالخلود
■ سماح إدريس، المثقّفُ الملتزمُ والمشتبك، غنيٌّ أنتَ عن التعريف، ولكن كيف تحبُّ أنْ تعرّف بنفسك؟ وما هي كلمتُك الأولى؟
اسمي سماح سهيل إدريس، توفّيتُ منذ ثلاثِ سنواتٍ، وولدتُ قبلَها بستّين سنة. أزورُ فلسطينَ صبحَ مساءَ، وأنا عضوٌ مؤسّسٌ في حملةِ مقاطعةِ داعمي «إسرائيل» في لبنان، ورئيسُ تحريرِ مجلّة «الآدابِ» المتوقّفةِ حاليّاً عن الصدور، وأعملُ على معجمٍ عربيّ عربيّ آملُ أن أفرَغ منهُ قريباً. أقولُ لكم بكل ثقَةٍ: فلسطينُ مشتاقةٌ إلينا، وكذلك قرانا التي نزحنا منها، وإنّنا لعائدون.
■ أنتَ من قلّةٍ من المثقّفين الذين ما يزالون على موقفِهم الثّابتِ من قضيّة فلسطين، ولا تفوّت مناسبةً كي تعلنَ تضامنَكَ معها. هل من تعقيب؟
ـــ تضامُن؟ مشكلتُنا الأساسيّة، كناشطينَ عرب، في ما يخصُّ قضيّةَ فلسطين تحديداً، تكاد تتلخّص في جملةٍ واحدة: بؤسُ مفهومِ «التضامن». ليس مطلوباً منّا كعرب أن «نتضامنَ» مع فلسطين، بل أن نكون فلسطينيّين. أن نناضلَ، كلٌّ من موقعِه، في عمليةِ تحريرِ كلّ ما احتلّته «إسرائيل»، أراضي وأوطاناً ومياهاً… وعقولاً. نحن نملك أسلحةً أهمّ بكثير من التظاهر، ومن التبرّع بالدم لغزّة، ومن جمع الأموالِ والدّواء، من دون التقليل من أهميّة هذه الوسائلِ جميعها. معركةُ فلسطين الجديدة تعيدُنا إلى المربّع الأوّل: تصميمنا على الخلاصِ من الصهيونيّة برمّتها ومن كيانِها المزوّر من أساسه. نحن أبناءُ غسّان كنفاني، وعبدِ النّاصر، والحكيم جورج حبش، وأبي هاني (وديع حداد)، وجوزيف سماحة، ورئيف خوري، وإدوارد سعيد، وأنيس صايغ، وشفيق الحوت، لن نتخلّى عن فلسطين وشعب فلسطين.
■ ولكن أليس بناءُ دولةٍ حديثةٍ على أسسٍ ديموقراطيّة، وتمكينُها اقتصاديّاً وتحصينها عسكريّاً مقدمةُ أساسيّة للقدرةِ على مواجهةِ «إسرائيل»؟ أنت ترى ضعفَ مقدّرات المقاومةِ في غزّة ولبنان مقارنةً بـ «الجيش» الإسرائيلي.
ــــ أولاً، إلى أنصارِ الديموقراطيّة في الوطنِ العربيّ: لا ديموقراطيّة في أوطانِكم ما دامت فلسطينُ مضطهَدةً ومقتولة! ثم، من «ينعى» إمكانات المقاومة، عليه أن يبحثَ عن طرقٍ لتعزيزِ هذه الإمكانات، لا للجمِها ووقفِها. كلّ نعيٍ من هذا النوع يصبّ في خدمةِ العدو. يا أخي فلنقلها بصراحة: البعض، حين تهدّد المقاومةُ اللبنانية بالردّ، يسخرون منها. وحين تردّ، لا يعجبْهم الردّ، أو يخوّفون الناس من الردّ الإسرائيلي. طيب، هل تنتظركُم المقاومةُ كي تردّوا أنتم؟ وبماذا ستردّون؟ أصلاً، أنتم ضدّ الردّ. ثم أقول لنفسي: فلنأخذ كلامَهم على محملٍ حسن: تريدونَ مقاومةً مدنيّة؟ قاطعوا على الأقل. ثمّ من قالَ لكم إنّ المقاومةَ المدنيّة تعني شتمَ السلاحِ والتخلّي عنه إرضاءً للمموِّل الأجنبيّ؟ المقاومةُ المدنيّة رديفٌ للمقاومةِ المسلّحة.
■ لكن د. سماح، هناكَ البعض ممن ينتقدُ المقاومة وهو صريحٌ في عدائِه للصّهيونيّة ويتمنّى تحريرَ فلسطين، لكنّه يرى الدمارَ والقتلَ في غزّة وفي لبنان، ويحقّ لهُ أن يسألَ: ما الفائدةُ من كلّ هذا؟
ـــ لا مقاومة بلا نقد. لكنْ «نقد عن نقد بيفْرق» اقتباساً عن كنفاني «خيمة (الفدائي) تفرق عن خيمة (اللاجئ)». هناك نقدٌ يهدف إلى نزعِ السلاح وتعميمِ الاستسلام؛ وهناكَ نقدٌ يهدفُ إلى تعميمِ المقاومة. وحده النقدُ الثّاني يفيدُ التحريرَ ويفيدُ فلسطين. ولكن بربّك، ألا يمكنُ الانتظارُ حتى تنجليَ المعركة، فيتحفونا بهذا النقد؟
وبالكلامِ عن الدّمارِ والموت، أتفهّمُ ألا يعتبرَ البعضُ ما تحقّقُه المقاومة نصراً، بل أن تعتبرَه هزيمةً بمعايير من يقيسون «النصرَ» بمسطرةِ ما يوافقُ مزاجَهم. لكنْ لماذا لا يحتملونَ أن تَعتبر أمُّ شهيدٍ ما حدثَ نصراً؟ اترك الناسَ «المضلَّلين» يهلّلون وهم يدفنونَ أحبّتَهم، واخرسْ ولو بضعةَ أيّام قبل أن تعاود التبشيرَ بـ«عقلانيتك». ثم كيف تعرف أنّنا نزدادُ حياةً؟ كلما اشتدّ القصفُ، ازدادت الصواريخُ على العدوّ وتطورت نوعيّتها.
■ وماذا تقولُ لأنصارِ المقاومة لا سيما في لبنان، وماذا يمكن لهم أن يفعلوا؟
أقولُ لهم، ما دامت بوصلتُكم فلسطين، فلن تضلّوا. كما أنّ معركتَنا من أجلِ فلسطين ليست لاسترجاعِ الأرضِ فقط، بل أيضاً وأساساً من أجلِ بناءِ (أو ترسيخ) مفاهيمِ الأخوّة والكرامة. وأقول لهم اليوم، والمعركةُ في أوجِها: في حروبٍ غير كلاسيكيّة، ليس المطلوبُ ندّيّة في السلاح، بل إرادةٌ وعزيمةٌ وتنسيقٌ وتدريبٌ وكفاءةٌ وتحالفاتٌ وتطويرٌ تدريجيّ لمنظوماتِ التّسلّح. وأقولُ لهم إنّ المقاومةَ الحقيقيّة تقبلُ النقدَ، وخصوصاً من مناصريها النقديّين، والنقدُ هو دليلُ الوفاءِ الحقيقيّ والتقدم الفعلي. وأضيفُ: لا تستطيعونَ أن تقاتلوا «إسرائيل» بيدٍ وتسهموا، في الوقتِ ذاته، في دعمِ اقتصادِها وصورتِها «الحضاريّة». قاطعوا ما استطعتم إليه سبيلاً. أمامنا، وبين ظهرانينا، مئاتُ الشركاتِ والمصالحِ الأميركيّة والأوروبيّة الدّاعمة لكيان العدوّ. ولو شعرتْ هذه الشركاتُ بأنها تخسرُ شيئاً من أرباحِها جرّاءَ المقاطعة، فلن تبقى الحكوماتُ الغربيّة على الدرجة نفسها من التأييد للكيان الغاصب.
اليومَ، أكثرَ من أيّ وقتٍ مضى، أشعرُ أنّنا، كعربٍ وكناشطين عرب، لسنا عاجزين عن ردّ العدوان بقدر ما نحن جاهلون لمصادِر قوّتنا. وهذه القوّة لا تقدرُ أن تهزمَها كلُّ أنظمةِ القمعِ العربيّ: فهذه لا تستطيعُ أن تفرضَ عليّ شراءَ منتوجٍ داعمٍ للعدوّ، أو استئجارَ شركةٍ تزوّد الاحتلال بمعدّات إنذارٍ، أو التعاملَ مع شركة تزوّد الاحتلال بجرّافاتٍ تجرفُ بيوت الفلسطينيين.
■ يقول البعض إنّ معادلة «جيش وشعب ومقاومة» في لبنان قد سقطت، ما تعليقك؟
ـــ عن جد «مش هين تكون لبناني». نحن «شعب» لا يتفق على شيء. وضايع بهويته، وبأعدائه، وبأصدقائه، وبلغاته المحكية. في كل لبناني مزيج نادر من المقاومة (بغض النظر عن العدو) والفهلوة والطائفية و«الحضارة» والإحساس بالغبن (كلنا نحس بالغبن بالمناسبة). التوفيق بين هذه المكونات «الغنية» في كل واحد منا يحتاج إلى المزيد من الفهلوة… والحس التجاري. معادلة «جيش وشعب ومقاومة» خشبية ونص! الدولة اللبنانية تاريخياً، وعلى كل الصعد، متخاذلة ومتقاعسة عن حماية لبنان من «إسرائيل». والشعب جزء لا يستهان به ضد المقاومة، بل جزء منه تعامل مع إسرائيل. لكن هذا لا يمنعني من أن أوجه تحية إجلالٍ لشهداءِ الجيشِ اللبنانيّ وجرحاه. جيشُنا ينقصُه التسليحُ والقرارُ السياسي.
■ بالعودة إلى فلسطين، كيف تصف موقف السلطة الفلسطينية من حرب الإبادة في غزة؟ـــ السلطةُ «الوطنيّة» الفلسطينيّة تتفوق على نفسِها في الانحدار اليوميّ. كما أنّ شعارَ «الوحدة الفلسطينيّة» شعارٌ يمينيّ رجعيّ لإسكاتِ المعارضة. «الوحدةُ الوطنيّة الفلسطينيّة» هي الشعارُ الصّائبُ، وأساسُها: تحريرُ كاملِ فلسطين بكلّ الوسائل، لا ربع فلسطين بالتنازل.
■ كلمة أخيرة د. سماح
ــــ علينا أن نقتنع، بعدَ ما شهدناه من بطولةٍ في كلّ أرجاءِ فلسطين، ولبنان، بأننا قادرون على المطالبة، من دون أدنى «حياء» أو وجل، بتحرير كل ما احتلته «إسرائيل». سيأتي يومٌ وتذكّر فيه غزّة كلّ المستسلمينَ والمطبّعين: أنها هزمت الحصارَ وصفقةَ القرنِ بسلاحِها «البدائي» وعزيمتِها الأسطورية، شأنَ كل المقاوماتِ الشعبيّة التي انطلقت بطاقاتٍ فرديّة وأسلحةٍ بدائيّة. وفي لبنان، أذكّر من نسيِ أو تناسى: شهداءُ صبرا وشاتيلا مهّدوا لانطلاقة «جبهةِ المقاومةِ الوطنيّة اللبنانيّة». وشهداء قانا الأولى مهّدوا لاتفاق الرّعب «مدنيّوكم مقابل مدنيّينا»، وشهداءُ حرب تموز فرضوا قوةَ ردعٍ حمت لبنان، وسنرى ما سيصنعُ شهداءُ الحرب الجارية، وإنّ غداً لناظرِه قريب.
* حملة مقاطعة داعمي “اسرائيل” في لبنان
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
