رحلتي من ورقة التفاهم وبين عدوان تموز واستقالة البطريرك صفير وإنشاء قناة الميادين.

“الجزء الثاني”

*بقلم: ناجي أمّهز*

المقدمة:
ربما هناك منكم من تابع الجزء الأول الذي نشر بجزئية من الأحداث التي امتدت منذ عام 1990 حتى عام 2005، تحت عنوان: “تفاصيل تاريخية سياسية عن الموارنة نحو الشيعة، بقلم ناجي أمّهز”.

اليوم أستكمل معكم الجزء الثاني الذي يمتد من الانتخابات عام 2005 حتى عام 2012.

2005
“من الأسرار التي لم تُنشر ولم أسمع بها عن لسان أحد”
عام 2005 سمعت من شخصية كنسية أن البطريرك صفير عندما التقى الرئيس الفرنسي جاك شيراك تحدث معه عن الوضع اللبناني وهواجس الطائفة المارونية التي تتحدث عن تقارب فرنسي-سوري، متمنيًا أن لا يحصل هذا التقارب على حساب لبنان وسيادته أو أن يكون أمام وصاية جديدة بأوجه مقنّعة. كما تحدث البطريرك صفير عن ضرورة الإفراج عن الدكتور جعجع، خاصة أن عودة الجنرال عون إلى لبنان أصبحت مؤكدة. فما كان من الرئيس الفرنسي جاك شيراك إلا أن أكّد للبطريرك صفير أن لبنان أولوية، وحتى التقارب مع سوريا هو من أجل تأمين انتقال سلس للسياسة في لبنان، وأكد له أن الإفراج عن الدكتور جعجع سيكون أول عمل يقوم به الجميع بعد أول انتخابات تشريعية تحصل في لبنان.

بالمقابل، عندما التقى البطريرك صفير الجنرال عون في فرنسا بنفس الزيارة، لم يُحدث البطريرك صفير الجنرال عون أو يطلب منه العمل للإفراج عن الدكتور جعجع، بل الجنرال عون هو الذي بادر من خلال طرح مشروعه لإعادة إنقاذ لبنان، وأن أول أولوياته ستكون الإفراج عن الدكتور جعجع والمطالبة بعودة اللبنانيين من إسرائيل.

عام 2005 حصلت الانتخابات النيابية، وفاز التيار الوطني الحر بأعلى نسبة من الأصوات المسيحية التي تجاوزت 73%، وكرّس الجنرال عون زعامته الوطنية والمسيحية، خاصة أن فوزه جاء بأرقام كبيرة جدًا في قلب الكنيسة المارونية (كسروان وجبيل يعتبران قلب الكنيسة المارونية) بعد قطيعة مسيحية للانتخابات استمرت طيلة 13 سنة.

وعند انعقاد المجلس النيابي الجديد، طالب الجنرال عون بالإفراج عن الدكتور جعجع بعفو خاص، وهذا ما حصل.

بعد الانتخابات، كان التيار يعمل على قدم وساق لترتيب بيته الداخلي وإنشاء المنسقيات وتوزيع المسؤوليات. وقد انتُخبت بالإجماع مسؤول الإعلام في المتن الجنوبي، وبدأ يظهر التقارب الشيعي-العوني إلى العلن، حيث كنا نعقد المحاضرات، وكنت محاضرًا دائمًا أمام عشرات الشيعة والمسيحيين وغيرهم يوميًا، مما أنتج حراكًا هائلًا وكبيرًا دون أي اعتراض من الأحزاب في منطقة المتن الجنوبي.

تزامنًا مع النظام الداخلي وإنشاء المنسقيات، كان التيار العوني وحزب الله يعملان على التقارب السياسي الذي تُوّج عام 2006 باتفاق مار مخايل.

مع أنني كنت مطّلعًا على التقارب العوني ومجريات ورقة التفاهم من قبل القيادات في التيار الوطني الحر، حيث كان بعضهم يحرص على تواجدي أثناء النقاش في بعض البنود أو حتى بلورة الأفكار، لأن المسيحيين دقيقون جدًا في هذه الأمور، خاصة أن ورقة التفاهم كانت لها جوانب كثيرة منها: كيف سيتقبلها الفرنسيون والأمريكيون؟ وما هي البنود التي تبدد هذه الهواجس؟ وكيف ستُقدَّم إلى الرأي العام المسيحي؟

بالمقابل، لم أسمع أي سؤال أو حتى استفسار من الشيعة، أقله من باب أنني منتسب إلى التيار منذ عقود وعلى دراية تامة بالرأي العام المسيحي، وقريب جدًا من صناع القرار في التيار.
لكن لم يسألني شيعي واحد عن رأيي بورقة التفاهم أو حتى عن التقارب مع الجنرال عون وكيف سيتقبل الرأي العام المسيحي هذا التقارب.

خلال أشهر قليلة فقط استطاع التيار الوطني الحر أن يكون فكرة عامة عن سياسة حزب الله، بل استطاع أيضًا أن يُقيم جميع الذين التقاهم. وقد لخّصت إحدى القيادات في التيار الوطني الحر الأمر بالقول التالي: “حتى النخبة السياسية في حزب الله (يقصد اليساريين الذين التحقوا بالحزب) أصبحوا يعيشون التناقضات والازدواجية بين التدين والاشتراكية السياسية، حيث أصبحوا مزيجًا من الطروحات التي تحاول أن تجمع بين طروحات الحزب السياسية وما عاشوه في المصطلحات السياسية التي لا تُطبّق على الدين، ووضعها بقالب سياسي يصعب على احد فهمه” .

2006
في عام 2006، اندلعت حرب تموز (العدوان على لبنان)، وبعد ثلاثة أيام أخذت العائلة ونزحت إلى جبيل. هناك طلبت مني قيادة التيار الوطني الحر أن أنشط في عملية المساعدة على توزيع الحصص الغذائية والأدوية على النازحين. وكان من وجهة نظر التيار أن وجود شيعي في عملية التوزيع قد يخفف بعض الانعكاسات النفسية السلبية على الشيعة.

بدأ فريق العمل يعمل من الصباح حتى المساء بالتوزيع، وإنشاء لوائح الأدوية، وتسجيل المطالب والاحتياجات من أدوات منزلية.

كما نشطت من خلال العمل الإعلامي والإنساني، حيث كتبت مناشدات للمنظمات الحقوقية، منها منظمة العفو الدولية، وحرصت على الحديث عبر اذاعة “بي بي سي”، من اجل صناعة راي عام ضاغط .

تواصلت أيضًا مع شخصية من طائفة الموحدين الدروز، لها مكانة رفيعة في إحدى المنظمات السويسرية الفكرية المهمة جدًا، وكانت تربطني به علاقة أخوة وصداقة عميقة. قمت بكتابة مناشدة بلغ طولها 33 صفحة، تمت ترجمتها إلى الإنجليزية، ووضعت فيها العديد من الأفكار التي تحض على وقف إطلاق النار. وبالفعل، بدا أن المجتمع السويسري الرسمي انه قد تحرك وشجب هذه الحرب، وطالب بوقف العدوان على لبنان.

قبل وقف الحرب بأيام قليلة، اتصل بي صديقي من طائفة الموحدين وصوته مخنوق. سألته: ماذا بك؟ فقال لي: “إن روح الشهيد رفيق الحريري تحمي لبنان. فقد تحرك أصدقاء الرئيس رفيق الحريري في مختلف الدول للدفاع عن بيروت التي أحبها، وهناك تحرك جدي لوقف إطلاق النار بقرار من مجلس الأمن”.

إن مسارعة المجتمع الدولي، خاصة أصدقاء الشهيد رفيق الحريري، إلى المساعدة في وقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، جعلت الجميع يستنتج أن الشهيد الرئيس رفيق الحريري كان على توافق وحرص تام على المقاومة. وقد يكون الأصدقاء الدوليون للشهيد الرئيس الحريري هم من أطلعوا دولة الرئيس سعد الحريري على هذه الأجواء، مما جعل الرئيس سعد الحريري في حالة شبه انسجام وإطلاق مواقف معتدلة تجاه المقاومة، رغم التحريض الذي انتشر في الداخل اللبناني.

(نحن اليوم نفتقد الشهيد الرئيس الحريري، ان الذي اطال امد الحرب هو فقدان شخصيات سياسية لها ثقلها وعلاقاتها الدولية

بعد الحرب
انتهت الحرب، وهبط الجميع إلى ساحة رياض الصلح، وحصل الاعتصام الشهير الذي كنت أداوم فيه يوميًا. هناك، نصبت خيمة “ساحل المتن الجنوبي”، وكنت أسعى دائمًا إلى تكريس التقارب، وأحض على تفعيل الحراك السياسي الشيعي، أو أقله أن ينتج من هذا الاعتصام ومن خلال الاحتكاك بين الشيعة ومنتسبي التيار الوطني الحر مزيج من الأفكار التي تمهد لإطلاق جيل شيعي مرن في السياسة، أو على الأقل نقل التجارب إليه.

2008
شهدت أحداث 7 أيار وما رافقها من انقسامات داخلية، تلاها انتخابات رئاسية.

2009
بينما كان التيار يعيش صراعات السلطة، والبعض فيه مشغولًا بمصالحه كما غالبية الاحزاب اضافة انه انتسب الكثيرين الى التيار من اصحاب الاموال والمراكز الذين بنوا امجادهم وثرواتهم ابان الوصايا السورية وهم غريبون عن التيار كما لم نسمع يوما كلمة لواحد منهم كان قد دافع فيها عن انصار الجنرال عون.

في المقابل، كانت القوات اللبنانية تعيد بناء نفسها، حيث حرص الدكتور سمير جعجع على إعادة التواصل الشخصي مع القواتيين القدماء، وظهر بشخصية جديدة مختلفة تمامًا عما ألفه الجميع، فكانت أفكاره السياسية تنتشر بسرعة بين النخب والمجتمع المسيحي.

في نفس العام، أرسلت شخصية كنسية خلفي وأخبرتني التالي: إن الكنيسة تشعر بالغبن، حيث ترى أن أكثر من نصف أبنائها في الجهة الأخرى محرومون من أدوارهم الطبيعية. وأضافت أن كل ما قامت به الكنيسة طيلة عقود لمواجهة الوصاية السورية كان بهدف رفع الغبن عن المسيحيين خاصة، واللبنانيين عامة. لذلك، ولأول مرة منذ إعلان لبنان الكبير، قد تعلن الكنيسة موقفها من الشيعة.

وبالفعل، خرج غبطة البطريرك صفير ولأول مرة منذ قيام لبنان الكبير ووجّه انتقادًا ضمنيًا لحزب الله. وقد نشرت الصحف في 6-6-2009: “قال بطريرك الموارنة في لبنان الكاردينال نصر الله بطرس صفير إن بلاده تواجه تهديدًا وجوديًا”، في إشارة بدت وكأنها موجهة ضد حزب الله وحلفائه عشية الانتخابات البرلمانية.

لا استطيع القول انني كنت خلف عدم ذكر حزب الله بالاسم لكن اقله حصل ما تمنيت ان يحصل عندما كنت اتحدث مع الشخصية الكنسية

قبل الانتخابات النيابية، ومن خلال مشاركاتي الدائمة في لقاءات التيار، كنا نتلقى بعض التحذيرات حول تراجع كبير في شعبية التيار الوطني الحر على المستوى المسيحي. وعندما كنت أسأل عن هذا التراجع، كان يُقال لي إنه بسبب الإعلام، أما على أرض الواقع، فالأمر مختلف تمامًا. في النهاية، أنا فرد وقد سجلت ملاحظاتي كما هي.

عندما انطلقت العملية الانتخابية، انتقلت إلى جبيل للمشاركة في الحشد والتغطية وطرح بعض الأفكار الإعلامية والسياسية، بالإضافة إلى إلقاء بعض الكلمات في المهرجانات. تفاجأت بطرح يقول إنه لا داعي للحراك في القرى الشيعية، حيث إن الشيعة في كل قرية، بناءً على ورقة التفاهم، لديهم ماكينات خاصة تتابع التصويت للائحة التيار الوطني الحر.

مع أنني اعترضت بشدة على هذا القرار، لأنني من أنصار أن يكون التفاعل المسيحي-الشيعي طبيعيًا وبعيدًا عن نتائج الانتخابات، خاصة أنها المرة الأولى التي نتشارك فيها جميعًا، إلا أنني فهمت أثناء الاجتماع (وكنا أربعة أشخاص تقريبًا في مركز التيار في جبيل) أن بعض المتنفذين الشيعة في حزب الله ربما يريدون بناء علاقات شخصية مع بعض النواب. “مثلًا، مسؤول في حزب الله في قرية شيعية يتفق مع نائب على اللائحة المطلوب التصويت لها بأن تكون غالبية الأصوات له، وهكذا يصبح النائب على علاقة طيبة ووطيدة مع هذا المسؤول.”

“لذلك، لا أحد يستغرب كيف انتقل شخص أو شخصان في قريتهم الشيعية من الفقر إلى البحبوحة.”

“كما أن المسيحيين، وخاصة الأحزاب والكنيسة، يعرفون أدق التفاصيل عن مثل هذه الاستغلالات لشيعة جبيل وكسروان. لكنهم كانوا أيضًا يدركون أن مثل هذه الأفعال، حيث يسعى بعض الشيعة إلى تغليب مصالحهم التافهة جدًا على حساب التعايش الحقيقي والطبيعي بين أبناء المنطقة، سيكون لها انعكاسات كبيرة جدًا في المستقبل.”

حتى بعض قيادات التيار كانت تنظر بأسف كبير لمثل هذه الأفعال، لكن في النهاية: “ما دام القاضي راضي، لا علاقة لهم.”

وأنا أكتب هذا السرد التاريخي، أهدف إلى توضيح كيف تأكلت قوة الشيعة وهُدر وقتهم. ربما تكون مثل هذه الكتابات حافزًا للتغيير أو مراجعةً يستفيد منها الشيعة بعد أن تهدأ الحرب، وترغب الطائفة الشيعية في استعادة دورها من جديد.

في نفس العام، أرسلت شخصية كنسية خلفي، حيث وجدت أمامها ملفًا يحتوي على دراسة مفصلة عن الانتخابات في جبيل. وأخبرتني هذه الشخصية أن الإحصاءات تشير إلى تقارب شديد في الأصوات المسيحية بين لائحة التيار الوطني الحر ولائحة الدكتور فارس سعيد، “مما يعني أن ما أشار إليه البطريرك صفير سابقًا كان دقيقًا للغاية.” وأضافت أن ما أحدث هذا الفارق الكبير بين اللائحتين هو التصويت الشيعي لصالح لائحة التيار.

وأكملت الشخصية الكنسية حديثها قائلة: “لن نعلق على الانتخابات، ولكن عندما يختلف أبناؤك في المنزل ويتدخل حتى أقرب المقربين إليك لتقوية ابنك على حساب ابنك الآخر، فإنك ترفض هذا التدخل.” وأشارت إلى أن تدخل فريق سياسي لدعم آخر قد يؤدي إلى ردات فعل داخل الطائفة المارونية، والشيعة بغنى عن ذلك. وأوضحت أن الدعم المطلق لفريق سياسي على حساب آخر يحرم، على الأقل، نصف المسيحيين من حقوقهم أو من دورهم السياسي والوزاري والوظيفي.

حاولت أن ألفت نظر الشيعة إلى هذه النقطة: انه إذا استمر الدعم المطلق للتيار الوطني الحر، فإن الطائفة الشيعية ستجد نفسها في صراع، على الأقل مع نصف المسيحيين في لبنان وامتدادهم العربي والدولي. هذا يعني أن ورقة التفاهم تفقد معناها أو تصبح بلا جدوى. لذلك، كان من الضروري العمل مع التيار الوطني الحر للوصول إلى تسوية سياسية تحفظ قاعدته المسيحية التي بدأت تغادره، وتضمن للشيعة توازنًا مقبولًا مع بقية الأطراف المسيحية، أو على الأقل البقاء على مسافة متساوية من جميع الأطراف المسيحية.

كما حاولت أن ألفت نظر التيار إلى أسباب خسارته لهذا الكم من الأصوات، إلا أنني فشلت، لأن الأولويات أصبحت في مكان مختلف تمامًا. بدأت لعبة السلطة داخل التيار وداخل الدولة هي التي ترسم معالم حركة التيار. لذلك، قدمت استقالتي عام 2009.

مع أن استقالتي من التيار حرّكت الكثيرين، خاصة المقربين، لأنهم يعلمون أن ناجي أمّهز ليس شخصًا عبثيًا ويقرأ بعمق، فإنها فتحت نقاشات داخل التيار، لكنها لم تغير بشيء.

بينما كان العديد من المسيحيين يغادرون التيار الوطني الحر، كانت القوات اللبنانية تنشط بقوة وتتفاعل مع الرأي العام المسيحي.

بعد انتهاء الانتخابات، بدأ العديد من المسيحيين يصعّدون ضد حزب الله، وبدأ حزب الله يدفع ثمنًا باهظًا حاولت التحذير منه سابقًا. كما أن الصراع المسيحي-المسيحي انعكس على حزب الله. “لو كتبت يومًا عن الثمن الذي دفعه حزب الله بسبب تحالفه مع التيار الوطني الحر، ربما لاحتجت إلى أكثر من كتاب.”

“مع اقتراب نهاية عام 2009، أعلن البطريرك صفير ما عُرف أو سُمّي: تحرير القرار السياسي من هيمنة حزب الله، تمامًا كما فعلت الكنيسة لتحرير لبنان من هيمنة الوصاية السورية.”

في عام 2010، وجد حزب الله والطائفة الشيعية أنفسهم في مواجهة مع المكوّن المسيحي، دون أن يكون لهم ناقة أو جمل في هذا الصراع، بل بسبب اعتقادهم أن التحالف مع التيار الوطني الحر، الذي انتخبه غالبية المسيحيين، يؤمّن لهم الشراكة الكاملة أو يؤسّس لوحدة مسيحية-شيعية صلبة.

لكن الخلاف بين التيار الوطني الحر والبطريرك صفير أخذ منحى تصاعديًا، وذكّر الكثيرين بالحقبة السابقة في عام 1989. بدل معالجة الأمور بالتراجع أمام بكركي والقبول ببعض مطالبها، شهد الوضع انهيارًا متسارعًا دفع الفاتيكان للتدخل مباشرة لإيجاد حل لهذه المعضلة.

حقيقةً، كل ما جرى على الساحة المسيحية، خاصة فيما يتعلق بالبطريرك صفير، لم يشهد أي تدخل من الطائفة الشيعية، حتى على سبيل الهمس. ومع ذلك، كان معظم المسيحيين يرون أن سر قوة الجنرال عون يعود إلى دعم حزب الله له.

البطريرك صفير منذ أيام قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، وحتى بعد أن عيّن قداسة البابا بنيدكتوس والجميع يعتبر البطريرك صفير صاحب الكلمة الفصل مسيحياً في الشرق الأوسط.

لكن في تلك الفترة حصل أمر ما في الفاتيكان، وبدأت الضغوط تنهمر على البطريرك صفير، فما كان منه إلا أن قال: ما قلنا قد قلناه.
وهناك من قال لي إن البطريرك صفير لم يكن يريد الاستقالة لكنه قال: أستقيل ولا أتراجع عن موقف واحد اتخذته أو عمل قمت به، فتمسكت بعض دوائر الفاتيكان بكلمة الاستقالة وقدم البطريرك استقالته قبل إعلانها بأشهر قليلة.

(أنا مطلع على التفاصيل لكنها تحتاج إلى شرح طويل).

عندما تسرب خبر استقالة غبطة البطريرك صفير اعتبر البعض أنه دليل قوة الجنرال عون وعمق علاقاته الدولية. ومما زاد الطين بلة أنه بدأ بعض الإعلام القريب من حزب الله والتيار الوطني الحر يتحدث عن هذه الاستقالة بطريقة وكأنها انتصار لفريق على فريق، مما جيّش المسيحيين في الداخل والخارج على حزب الله تحديداً، كون التيار كان لديه من يدافع عن وجهة نظره بالخارج، أما حزب الله لم يكن يملك مثل هذه الأصوات.

بدأت تتفاعل استقالة البطريرك صفير لما له من مكانة في الكنيسة ولدى الرأي العام المسيحي عموماً وفي العالم. ازداد الحنق والغضب على حزب الله حيث اعتبر أن سبب هذه الاستقالة هو دعم حزب الله للجنرال عون.

أمام هذا الواقع الجديد لم يعد بإمكاني القيام بأي شيء، خاصة أنه لم يعد يوجد من يستطيع أن يدافع عن حزب الله والشيعة أقله في الغرف المغلقة. فالجميع أعلنوا أن حزب الله لن يتغير أو يغير سياسته. حتى أنه كان يوجد بعض المطارنة الذين كانوا يدافعون عن الشيعة، لكن بعد الحديث عن استقالة البطريرك التزم الجميع الصمت، وشعروا أن الشيعة لا يعنيهم إلا ما يريدون، أو أقله كان بالإمكان العمل على تسوية سياسية ما للحؤول دون الوصول إلى ما وصلت إليه الكنيسة.

بمعنى أوضح كان بعض المسيحيين يعتقدون بأن حزب الله كان قادراً أن يضغط على الجنرال عون بطريقة أو بأخرى، لكن حزب الله فضّل مصلحة حلفائه على أي أمر آخر.

عندها، ولسبب معرفتي خطورة هذا التطور على الطائفة الشيعية، قررت أن أستثمر كل علاقاتي وحتى ما ادخرته من أموال، ربما أنجح بمحاولة أخيرة من القيام بعمل ما يساعد على إعادة التقارب الشيعي الماروني ولو على سبيل شعرة معاوية.

لقد درست أوضاعي كثيراً فوجدت أنني لا أستطيع الظهور على إعلام التيار الوطني الحر بعد استقالتي من التيار، كما أن ما أتحدث فيه لا يصب بمصلحة التيار، كما أن الإعلام الشيعي قد غيّبني تماماً وحتى هذه اللحظة لا أعرف ما هي الأسباب. إضافة إلى أنه بحال ظهرت على إعلام خصوم حزب الله والتيار الوطني الحر سوف أُفهَم خطأ ويضيع ما القصد من تحركي. لذلك أطلقت عملاً إعلامياً خاصاً بي وقد مولته بكل جنى عمري، لأنه بحال ذهبت الطائفة لن يبقى شيء للشيعة. وهذه السياسة المتبعة حتماً في الختام نهايتها لن تكون بخير، خاصة أن الجميع يشعر بأن حزب الله والشيعة يتحدثون بفائض من القوة، مما خلق خصوماً للشيعة من كافة الأطياف والمشارب والمذاهب. وهكذا كان عام 2010 – 2011، هو منعطف شديد الخطورة على الطائفة الشيعية داخلياً وإقليمياً وحتى دولياً.

وخلال عامين تقريباً بدأت أفقد كل مدخراتي وحتى بدأ نشاطي الإعلامي والعملاني في اللقاءات وقيام العزائم يؤثر على كل شيء في حياتي. وكنت دائماً أقول: إن أنجح بإيصال كلمة خير من كل هذا التعب وهدر الأموال، ربما يتغير شيء، ربما يأتي من أصحاب القرار ويقول ماذا تريد، لكن للأسف وصدقاً حتى كتابة هذا المقال لم أعرف كيف يتم إيصال الرسائل أو حتى فتح نقاش مع حزب الله.

إلى أن جاء يوم وبينما أنا عائد إلى منزلي وجدت إعلاناً للميادين. وعندما سألت عن الموضوع قيل لي إن محور المقاومة وبدعم من حزب الله أطلق فضائية ضخمة.

وهنا دخلت بحالة من الكآبة الشديدة حيث كنت أسأل نفسي: أنه طيلة 15 سنة وأنا أعمل ليلاً نهاراً من أجل الطائفة الشيعية بل أوصلت نفسي إلى الهلاك للدفاع من أجل الحفاظ على الحد الأدنى بين الشيعة والموارنة، وبالختام لم أجد حتى من يسألني بماذا نساعدك؟

وقتها كتبت: الميادين بين الواقع والواقف والراكع هل تفشل بتغير الواقع

بقلم: ناجي أمّهز
تاريخ النشر: 2012-06-05

وقد بدأت المقال بالبحث بالفلك والأبراج، لأنني ظننت أنه ربما الشيعة يتعاملون بالأبراج وعلوم الأفلاك والغيبيات، أو أنه هناك شيء غير الذي أعرفه على أساسه يتم اختيار الأشخاص أو التواصل معهم.

وكل ما كتبته عن الميادين ثبت مع الايام انه دقيق للغاية.

وختمت المقال بشيء قاله لي مدير أحد البنوك: كنت قد حصلت على موعد مع أحد مدراء البنوك لأتقدم بطلب قرض شخصي، بعد أن صرفت ما فوقي وما تحتي وما جنته يميني وحصلته شمالي، معلناً نفسي ناسكاً للكلمة لا تاجراً في سوق نخاستها.

قال لي مدير البنك: لقد قرأت لك بالأمس مقالاً، وقد أعجبت بطريقة السرد والتحليل، لكن الأمر الغريب والمحير: هل يقرؤون لك؟ (وهنا يقصد الشيعة). فأجبت: لا أعلم. فإذا به يمد يده لجيب سترته ويخرج منها مائتي دولار قائلاً: أتمنى عليك أن تقوم بطباعة مقالاتك وتوزيعها باليد على من يهمه الأمر، لكن الواقع يبدو أنه أقوى من واقعي وأخاف أن يختلط الواقع فننظر إلى المراسل على أنه مرسل ويضيع الواقع كما ضاعت القضية الفلسطينية عندما دخل السجاد الأحمر…

نلتقي إن شاء الله بالجزء الثالث، وأكرر ما أكتبه هو لأخذ العبر، ربما بحال تغير شيء نستفيد من هذا التاريخ المغيب والمستتر لأكثر من ثلاثة عقود وقد عشته أنا الشيعي ربما بطريق الصدفة من أجل الإضاءة، أو لأمر يريده الله سبحانه وتعالى.الى اللقاء.

شاهد أيضاً

إيران تصنع بدماء شهدائها تاريخ سياسي وعسكري جديد في المنطقة العربية والإسلامية

يكتبها: محمد علي الحريشي جمهورية إيران الإسلامية تصنع بدماء شهداءها وبتضحيات شعبها، تاريخ جديد للمنطقة …