معصوم مرزوق
لا أدري من يعطي للإعلام الحق في أن يكون جهة التحقيق القانونية، وسلطة إصدار الأحكام؟، بل كيف يبيح أي صحفي لنفسه أن ينشر ويذيع عورات الناس، سواء تحقق من وجودها، أو اختلقها اختلاقا، أليست هناك حدوداً قانونية وأخلاقية، ناهيك عن الحدود الدينية، التي يجب أن ترتفع أسوارها لستر عورات الناس؟؟
سوف يحتج البعض بأن “الإثارة والتشويق” هما مادة الإعلام ويردد المثل الذي أكل عليه الزمان وشرب: “إذا عض كلب رجلاً فذلك ليس خبراً، ولكن إذا عض رجل كلباً فذاك هو الخبر”، ورغم أن هذا المثل صحيح في مبناه إلا أن تطبيقاته مختلفة ومتضاربة وغير محددة، فلا شك أن نقل خبر عن واقعة رجل يعض كلباً يتضمن قدراً من الإثارة والطرافة لأنها خروج على المألوف وتبرز صورة عكسية صادمة تجذب القارئ.
والجرائم بأشكالها المختلفة تعد أيضاً خروجاً على المألوف بما يبرر الحرص على إبراز أخبارها، ولكن إذا بالغ المخبر الصحفي في تغطية الجريمة بانتهاك خصوصيات أطرافها ، أو بتوجيه الرأي العام وجهة معينة تجاه المتهمين ، فأن المسألة هنا لا تتعلق بإثارة أو تشويق وإنما – في تقديري – اعتداء سافر علي حقوق هؤلاء المتهمين.
وربما يتحجج البعض الآخر بأن “الجمهور عاوز كده”، وأن مالك الوسيلة الإعلامية “عاوز كده” أيضاً لزيادة التوزيع والمبيعات وبالتالي زيادة الإعلانات، وباختصار المسألة تتعلق باقتصاديات الإعلام.
وربما يكون لتلك الحجة وجهاً من الحقيقة، فأغلب الناس يسيل لعابها على فضائح الآخرين، بغض النظر عما إذا كان يقبل ذلك على نفسه، ويدلل أصحاب هذه الحجة على ذلك بالتوزيع الكبير لصحف الإثارة الصفراء، بالمقارنة مع الصحف الجادة، بل عدم اكتراث أغلب القراء بالمقالات والأخبار السياسية والثقافية والاقتصادية قياساً على اهتمامهم بصفحات الرياضة والحوادث.
وقد يضيف البعض لما تقدم دراسات نفسية تؤكد انفتاح شهوة الناس لابتلاع فضائح الآخرين، للبرهنة على أن ذلك مكون أساسي في الإنسان بغض النظر عن ثقافته أو محدداته الدينية والأخلاقية والقانونية، وأن الوسيلة الإعلامية تلبي احتياج هذا الإنسان.
تقديري – وقد أكون مخطئاً – أن ذلك التعميم غير علمي وغير صحيح على إطلاقه، ولست استثناءً في شعوري بالتقزز لاقتحام خصوصيات الناس دون إذن منهم، أو استغلال سقوطهم للتكاثر مثل الذباب على عيوبهم، وأظن أن أي نفس سوية تعف عن ذلك، فلا يمكن أن تكون تلك الرغبة الشريرة في اقتحام خصوصيات الناس مكوناً أساسياً في الإنسان، بل إنها تعكس مرضاً نفسياً لا بد من علاجه.
إن الرسالة التي يحملها الإعلام لا ينبغي تلويثها بأبجديات السوق، خاصة إذا كانت تلك الأبجدية قد تدهورت وانحطت، فالوسيلة الإعلامية ليست مجرد مشروع تجاري، وإنما هي قبل ذلك إحدى الأدوات الهامة للمعرفة والتنوير، وإذا لم تكن مطالبة بقيادة حركة إصلاح شامل، فعليها على الأقل أن تمهد لذلك، لا أن تكون بعض أدوات هدم ما تبقى من مخزون قيمي للمجتمع.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
