سقوط آخر أعمدة “الرحابنة”! إلياس يلتحق بعاصي ومنصور…

زياد سامي عيتاني*


أبت وحشية “كورونا” المستشرسة مع إطلالة العام الجديد إلا أن تسكت ما تبقى للبنان من لحن جميل وموسيقى راقية لحد البساطة بلغت العالمية بجدارة وتفوق، عندما قررت أن تخطف “قمر الدار” إلياس الرحباني، الذي بقي هاجسه يختصر برائعته “عم” إحلمك يا حلم يا لبنان”…
غياب إلياس الرحباني هو بمثابة سقوط لآخر أعمدت “الرحابنة” صناع الأغنية اللبنانية، رغم تمايزه عن شقيقيه عاصي ومنصور الذي تربى بكنفهما.
مع رحيله ها هي شجرة “الرحابنة” المثمرة بموسيقى وكلمات الثلاثي عاصي ومنصور وإلياس، قد سقطت ورقتها الأخيرة اليوم بمغادرة إلياس، صاحب الضحكة التي لا تفارق وجهه والشخصية الساخرة والمبدعة، الذي ترك وراءه إرثاً غنياً من الإبداع في الأغنية والشارات والأفلام والبرامج التي شارك بها، والكثير من الأغنيات التي تحمل بصمة بيروت والبصمة المدنية التي سمعناها بأصوات الملكة فيروز وأمير الصوت الجبلي وديع الصافي والشحرورة صباح وأجيال جديدة كرست للأغنية اللبنانية هويتها…


•الإصابة بيده أوقفته عن العزف:


تعلق إلياس بالموسيقى وأحبها حتى درجة “الهوس”، بعد أن تعرّف عليها من خلال أخويه عاصي ومنصور، اللذين يكبرانه في السن وإعتبرهما أبوين له، حيث ترعرع موسيقياً في كنفهما.
وهذا ما دفعه للإلتحاق بالأكاديمية اللبنانية (عامي 1945 – 1958)، لتلقي علومه الموسيقية في البيانو والهارموني والتأليف الموسيقي، ومن ثم في المعهد الوطني للموسيقى (عامي 1955 – 1956)، إضافة إلى تلقيه دروس خاصة لمدة عشر سنوات، تحت إشراف أستاذين فرنسيين في الموسيقى هما ميشال بورجو (للبيانو) وبرتران روبيار (للهارموني والتأليف).
الملفت والمستغرب أن إلياس أراد في تلك الفترة دراسة المحاسبة فإلتحق بمعهد “المتني” لمسك الدفاتر، وأخذ اول درس، ولكنه خرج ولم يعد!
عندما بلغ الثامنة عشرة من عمره، وبعد أن كان قرر أن يكون عازفاً متخصصاً على آلة “البيانو”، أصابه حادث في إصبعه أجبره على التوقف عن العزف لفترة.


•التوقف عن العزف دفعه للتأليف:


في ذلك الوقت كان يرغب بالتوجه إلى روسيا ليكمل دراسته، لكن الإصابة منعته من ذلك، فتلاشى الحلم، ليشكل له صدمة كبيرة، خصوصاً بعدما تخلى أستاذه عن تعليمه، لكنه صمم على المتابعة بيده اليسرى، ووجّه إهتمامه إلى مجال التأليف الموسيقي.


•ال بي بي سي تتعاقد معه:


وعندما بلغ الـ20 من عمره (1958) استدعته إذاعة بي بي سي البريطانية بفرعها في لبنان، وتعاقدت معه على تلحين 40 أغنية و13 برنامجاً، فكان ذلك أول عمل رسمي له بأجر بلغ 3900 ليرة لبنانية.

•مشوار الشهرة والنجاح:


وقد ضحك الحظ لإلياس، وبدأ يشق طريق الشهرة إعتباراً من العام 1962، حيث بدأ فيه التعاون مع المغنّين المعروفين، بأغنية «ما أحلاها» للمغني نصري شمس الدين، وبدأ العمل كمخرج ومستشار موسيقي في إذاعة لبنان، وتعرّف على حبيبته «نينا خليل» وتزوجها.
بقي في إذاعة لبنان حتى 1972، واشتغل أيضاً منتج موسيقي لدى شركات منتجة للأسطوانات.
وأولى ألحانه “موزاييك الشرق” عام 1972، و”يللي مش عارف إسمك” لسمير حنا و”أوضة منسية” لفيروز و”شفتو بالقناطر” لصباح و”قتلوني عيونا السود” و”يا قمر الدار” لوديع الصافي، و”لا تهزي كبوش التوتي” لملحم بركات و”عم بحلمك يا حلم يا لبنان” لماجدة الرومي.
ومن أغانيه ذائعة الشهرة حينها “حنا السكران”، التي غنتها المطربة فيروز وبعدها ملحم بركات وفرقة “فور كاتس”، وأغنيتا “طير الوروار” و”كان عنا طاحون” لفيروز، وأغنية الديو “يا بو مرعي” لوديع الصافي وجورجيت صايغ، و”10 11 12″ لملحم بركات.
ومنذ تلك الفترة أطلق عليه لقب “الرحباني الثالث”.
ومع إندلاع الحرب اللبنانية غادر إلياس لبنان مع عائلته إلى باريس…

•تمايز وهوية فنية خاصة:


صحيح أن إلياس إختار الموسيقى، لكنه مشى درباً مختلفاً ومتميزاً عن (الأخوين رحباني)، وذلك حين مزج بين الشرق والغرب وعرف خصوصية دلّت عليه دائماً وجعلته مشهوراً عبرها.
فهو لم يرد أن تكون شهرته سهلة يقطفها من سمعة أخويه، لذلك حلّق خارج السرب، ورسم خطوط شخصيته الفنية المنفصلة، وإختلف عن غيره، ففضّل أن يكون له نهج خاص وبصمة مختلفة بمزج اللحن الشرقي بالغربي.
ومن ميزاته أنه لم يقع في النمطية، فتفوّق على نفسه من خلال التنوع والتجديد المستمرين، مما جعله يتخطى حدود وطنه لينشره إبداعاته في العالم أجمع، مغنياً التراث العالمي والفرانكوفوني.
وشكلت الأغاني التي لحنها وكتبها للسيدة فيروز بصمة في الذاكرة اللبنانية منها: “يا لور حبك، الأوضة المنسية، معك، يا طير الوروار، بيني وبينك، جينا الدار، قتلوني عيونا السود، يا اخوان، منقول خلصنا، ياي ياي يا ناسيني، كان الزمان، كان عنا طاحون”.
كذلك لحن الراحل أكثر من 2500 أغنية ومعزوفة، 2000 منها عربية، كما ألف موسيقى تصويرية لـ25 فيلما منها أفلام مصرية، وأيضا لمسلسلات، ومعزوفات كلاسيكية على البيانو، من أشهرها موسيقى فيلم “دمي ودموعي وابتسامتي” وفيلم “حبيبتي” وفيلم “أجمل ايام حياتي” ومسلسل “عازف الليل”.
بالمقابل لا بد أيضاً من الإشارة إلى أنه عام 1972 تحول إلى منتج وكاتب لسيناريو أوبريت «ايام الصيف» في مهرجانات بيت الدين، «وادي شمسين» 1983 مع باسكال صقر، و«سفرة الاحلام» 1993 مع مادونا، وغيرها الكثير من الأعمال…

•الجوائز:


وتلقى إلياس العديد من الجوائز، منها: جائزة مسابقة شبابية في الموسيقى الكلاسيكية 1964، جائزة عن مقطوعة La Guerre Est Finie في مهرجان أثينا عام 1970، شهادة السينما في المهرجان الدولي للفيلم الإعلاني في البندقية عام 1977، الجائزة الثانية في مهرجان لندن الدولي للإعلان عام 1995، الجائزة الأولى في روستوك بألمانيا عن أغنية Mory، وجوائز في البرازيل واليونان وبلغاريا. وعام 2000 كرّمته جامعة بارينجتون في واشنطن بدكتوراه فخرية، وكذلك جامعة أستورياس في إسبانيا.


مع غياب إلياس الرحباني، يسقط آخر أعمدة المؤسسة الرحبانية التي سطرت بأحرف من ذهب تاريخاً مشرفاً للفن اللبناني بكل أبعاده ومندرجاته الإبداعية من موسيقى ولحن وشعر وغناء ومسرح، أسست للهوية الفنية اللبنانية مدرستها…


*إعلامي وباحث في التراث الشعبي.

شاهد أيضاً

🔴تحذيرات فرنسية من أخطار سلالة «كورونا» البريطانية

حذر رئيس المجلس العلمي الفرنسي جان فرنسوا ديلفريسي، اليوم (الأربعاء)، من أخطار السلالة الجديدة لفيروس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.