الحِرفيِّة….في السرقة

                                                                            طعّان حبشي .

في الضِيع والبلدات الجبليّة ، خلال فترة ما بعد الظهر، قبل الغروب ، وبعد عودة الفلاحين والعمّال والموظفين ، من حقولهم وأعمالهم وإداراتهم ، يطيب للناس الخروج من منازلهم ، فرادى ومثنّى وأزواج وجماعات ، الى الطرقات والساحات ، يمشون سيرا ًعلى الأقدام ،فيتسلون ويتسايرون ويتسامرون ، فيبقى بعضهم لساعات ، والبعض الآخر حتى المغيب ، ومنهم مَنْ يستمر يَسري في الليل ، بغية المواعدة أو المساهرة ، أو تخفيّا ً تحت جنح الظلام ، للقيام بأعمال ٍ ممنوعة ، عادة ً ما تكون ضرب من ضروب السرقة والتعدّي على أرزاق وأملاك الغير . 

في إحدى القرى خطط  شابّان من الفئة الأخيرة ،كانا واسعي ّ الحيلة ، منحرفين ومحترفين في آن واحد، لعمليّة سطو ٍ على بستان رمّان ٍ صغير ، يقع بجانب منزل السيد ّة التي تمتلكه ، والتي كانت قريبة لهما ،ومعروفة بنشاطها وحيويتها ، و لم تكن لتألو جهدا ً ولا كدا ًفي سبيل الإعتناء والإهتمام  به ، حتى جعلت منه محط أنظار الأهالي ومدار أحاديثهم ، وموضوع معايرة ٍ ومحاسدة ٍ فيما بينهم ، لتميُّزه الواضح عن ما يحيطه ، وبما شكّله من فرق ٍ  ظاهر على بساتينهم ، في رونق أشجاره ، ووفرة غلته  ونضرة وطيب أثماره . 

وكان الشابان على علم ٍ بطبيعة البستان ومدخلهومساربه ، فحمل أحدهما الآخر على أكتافه ، ومن ثمّ دخلاه ، وبدأ المحمول يقطف الثمار ، ويضمّنها كيسا ً كبيرا ً كانا قد جلباه معهما لهذه الغاية ، ولمّا إنتهيّا عادا أدراجهما متسترين بعتمة ِ الليل ، الى ملجأهما الآمن المحضّر سلفا ً .

وفي الصباح الباكر علمت السيد ّة ، بالعبث ِ الذي حل َّ ببستانها ، فحزنت أشد ّ الحزن وقصد ت مختار القرية وطلبت منه معالجة الأمر . فوضع هذا الأخير لائحة بأسماء المشتبه بهم ، وكان من بينهم إسمي ّ اللصيّن الحقيقييّن ، فأنكرَ الجميع ما نُسِب إليهم ،

وأمام الإصرار الذي أبداه المتهمون على براءتهم ،وإزاء تأكيد تنصلهم من هذه العملة ِ الشنيعة ،  قرر المختار تحليفهم اليمين على الكتاب المقدّس ، ولما وصل الدور الى الفاعِلين ، أقسم الأول بالله العظيم ، بأنّ رجليه لم تطأا أرض البستان أبدا ّ، وأقسم الثاني بالعزّة الإلهيّة ، بأنه لم يمد ّ يدّيه نحو  أشجاره ولم يلمس مُطلقا ً أي ثمرة من أثماره ، وهكذا فقد نجحا بإخفاء فعلتهما ، بعد أن تماكرا وتسافلا وتسافها ، دون أن يَرف لهما جفن ٍ ، وظلَّ هذان النذلان بنظر الكل بريئين ومحترمين .

ويا ما أكثرالمماثلين والمشابهين ، الذين يتبوؤون مراكز رفيعة في الإدارات العامّة اللبنانيّة ، لاسيما تلك المليئة منها والمنتجة ، كالمدراء العامّين ورؤساء المصالح والأقسام ، إن لم نقل بعض الوزراء ، فإنهم يَسرون في دُجى ودياجير ليل الفساد ، يمعنون سلبا ًونهبا َمن خزائن الدولة ، ومن أموال الشعب ، ويفعلون ذلك بالواسطة ، وبنفس الطرق والأساليب المخادعة والملتويّةالتي سبق أن إتّبعَها اللصّان الظريفان . 

فيمثلون علينا ، بأنهم شرفاء وأفاضل وجديرون بالثقة وبعيدون عن مرمى الظنون والشبهات ، ويد ّعون البراءة ونظافة الكّف ، بينما في الواقع ، فإن كل واحد منهم يستجلب معه أحد أزلامه ( رابوق ) من الموظفينالى الإدارة المُعيَّن على رأسها ، أو يختار منها مَن ْ هو أقل رتبة ، وذو قابليّة للإنغماس في وحل الرشوة ومال الحرام ، وذو براعة وحذاقة في إبرام الصفقات المشبوهة ، وخبير في تغليفها وتمويهها وتستيرها بورقةمن تين ، لتبدو للرأي العام متطابقة للأنظمة والقوانينوالأصول ، ويتحرّز جيدا ً لأن يكون معاونه من أصحاب السجلات الحافلة بالنصب والتنصيب أيضاً، فيحمله على أكتافه ، ويحميه  بقوة ما لديه ، من صلاحيات وحصانة ومسؤوليات ، ويطلق ليديه العنان ليقطف ما طالت ذراعه وما شاء وما أراد من الخيراتوالممتلكات ، التي هو في الأساس مؤتمن على حفظها والمحافظة عليها ، ومن ثم ّ يتقاسمانها ويتنعمّان بها ، وحدِّث ولا حرج  ، كم وكم من خيوط المنافع والمغانم والمكاسب قد نُسِجت على هذا المنوال ، ولا تسأل أيها المواطن ، كم وكم من المليارات ومن الثروات قد غُصبتوإقتطعت بهذه الطريقة ، من ثمار بستان الرمّانالمملوكة أشجاره لشعب لبنان .

شاهد أيضاً

وكالة مهر الإيرانية تكشف تفاصيل مسودة تفاهم من 14 بندا بين إيران والولايات المتحدة

  كشفت وكالة مهر الإيرانية للأنباء عن تفاصيل جديدة لمسودة مذكرة تفاهم من 14 بندا …