ملايين الدولارت ذهبت مع مجارير الصرف الصحي<

بحيرة القرعون تحوّلت لمستعوبٍ للأمراض السراطنية التي تفتك بمئات المواطنين

• البقاع ـ أحمد موسى

يُلازم لبنان عموماً والبقاع خصوصاً معاناة منذ سنوات جراء التلوّث ومشاكله التي أرهقت المواطنين، ويتكبّد لبنان الأموال الطائلة على معالجات فاشلة، راكمتها الحكومات السابقة وحتى اليوم دون رادع ولا حلول فعلية، مُكبّداً المواطنين الفاتورة الاستشفائية الباهظة الناتجة عن البيئة الملوّثة والمسمّمة

يُلازم لبنان عموماً والبقاع خصوصاً معاناة منذ سنوات جراء التلوّث ومشاكله التي أرهقت المواطنين، ويتكبّد لبنان الأموال الطائلة على معالجات فاشلة، راكمتها الحكومات السابقة وحتى اليوم دون رادع ولا حلول فعلية، مُكبّداً المواطنين الفاتورة الاستشفائية الباهظة الناتجة عن البيئة الملوّثة والمسمّمة.
يُعدّ نهر الليطاني من أكبر الأنهار اللبنانية ويمتد على طول 170 كلم من منبعه في شمال سهل البقاع (شرقاً) إلى مصبه في البحر المتوسط (غرباً)، لكنه لم يعد ذلك النهر الذي يفتخر ويعتز به اللبنانيون لمياهه العذبة وغزارتها، فقد تحول النهر من منبعه وحتى مصبه مروراً ببحيرة التخزين (القرعون) إلى نهر ناقل للأمراض والملوثات ومهدّداً للتنوع البيولوجي في حوضه الكبير.
فالمجارير الملوثة الحاملة للسموم القاتلة والأمراض السرطانية لا تزال تتدفق الى بحيرة القرعون بمعدل ٤٥ مليون متر مكعب سنوياً، ولا تزال ملايين الدولارات التي رصدت لمشاريع الصرف الصحي في الحوض الاعلى لنهر الليطاني مجهولة المصير، فيما تنشغل الجهات الرسمية بتغطية انوفها بالكمامات ويغرق سكان البقاع في الصرف الصحي.
تلوث البحيرة
صور صادمة لكمية التلوث في بحيرة القرعون، هكذا بدا مظهر عناصر وحدة الإنقاذ البحري في الدفاع المدني بعدما غاصوا للكشف على جسم وفواصل سد القرعون، في اسوأ الظروف البيئية والصحية. فهذا التصرف غير مسؤول ويُعرّض صحتهم للخطر، لأن التلوث كبير ومضر بجسد وصحة الانسان.
من أكثر أنواع التلوث انتشاراً، شبكات الصرف الصحي المتهالكة، والتي ترمي (تحوّل) صرفها الصحي على نهر الليطاني، وانتشار الحفر الصحّية في البلدات، التي لم تنفَّذ فيها شبكات الصّرف الصّحي، تحت حجّة التضاريس الجغرافية، وما يترتب على كلتا الحالتين من تسربٍ إلى المياه الجوفية وتلويثها، كما تلوِّث مياه الشفة، ويترافق هذا مع غياب المعالجات العلمية كالبلدان المتطوّرة، التي تعيد تكرير المياه المبتذلة ومياه الصّرف الصّحي لتعيد استعمالها في الاستخدامات المنزلية والري.
فالحكومات المتعاقبة وقفت مكتوفة الأيدي حيال هذا التلوث الذي طال بحر لبنان وأنهاره العذبة، والتي تحوّلت بفعل مياه الصرف الصحي إلى أنهارٍ موبوءة، ونهر الليطاني خير دليل على ذلك وسط تجاهل تلك الحكومات، بفعل صرف الأموال في غير مكانها، وذهاب بعضها إلى محاسيب، حيث لم يستفد النهر من هذه الأموال إلا اليسير، فلطالما رصدت للنهر الأموال والتي بلغت نحو 850 مليون دولار لم يُصرف منها إلا سوى نحو 10 في المئة كتلزيمات ذهبت لمتعهدين معروفين دون مناقصات وطرح عروض، أما الباقي فتبخرت مع كثير من الأموال التي ذهبت فساداً وهدراً، باستثناء المصلحة الوطنية لنهر الليطاني التي تعمل على “رفع الملوثات الصلبة تاركةً الملوثات السائلة والسموم تغزو مجرى النهر فتروى المزروعات والخضار لتتحول إلى ناقلة للسرطانيات يحملها اللبنانيون، فالنفايات الصلبة والصرف الصحي ونفايات المصانع التحويلية والثقيلة (تشكل 50% من نسبة التلوث) ونفايات المستشفيات ومزارع تربية الدواجن والأبقار والاستعمال المفرط والعشوائي للمبيدات الزراعية، جميعها جعلت من مياه نهر الليطاني وبحيرة القرعون مرقداً للسموم والسرطانيات، فضلًا عن التلوّث المياه بمواد شديدة الخطورة كالزئبق، الأمر الذي حوّل سكان القراى التي تقطن بمحاذاة نهر الليطاني وبحيرة القرعون يتفشى بينهم الأمراض المعدية والسراطانية، حيث سُجّل قرابة الـ800 حالة سراطنية فقط في بلدتي برالياس (البقاع الأوسط) والمرج (البقاع الغربي).
لقد وضعت الحكومات السابقة وعملًا بالمخطط التوجيهي الوطني لقطاع الصّرف الصّحي، الذي أقرّ عام 1982 وتم تحديثه عام 1994، والذي ينص على إنشاء 12 محطة تكرير كبيرة في المناطق السّاحلية، وعشرين محطة داخلية، إضافة إلى عدد من المحطات الصغيرة في بعض البلدات التي تتطلب إجراءات خاصة نظرًا لجغرافيتها، أُنجز بعضها بقيمة 1.5 مليار دولار، إلّا أن معظمها لا يعمل، ما يعني أن مليارات الدولارات التي أُنفقت ذهبت مع مياه الصرف الصحي في نهر الليطاني.
ثلاث محطات تكرير للصرف الصحي تتجاور منشأتها ونهر الليطاني إلا أنها لا تعمل برغم جهوزيتها الكاملة لتكرير آلاف الأمتار المكعبة من الملوثات المائية السائلة، بدلاً من تخزينها في بحيرة القرعون، وعلى طول مجرى نهر الليطاني، الذي بات يحمل توصيفاً “النهر الأكثر تلوثاً”، حيث ينتهي مطاف أكثر من 40 مليون متر مكعب من النفايات السائلة، تختزن سنوياً في بحيرة القرعون، على طول البقاع، تقف شاهدةً على عجز الدولة في تشغيلها وهدر عشرات ملايين الدولارات صُرفت لبنائها وتشغيلها بهدف رفع التلوث عن تهر الليطاني وبحيرة القرعون وأبناء البقاع.
تبدأ مسيرة العراقيل والعقبات التي تعترض محطات التكرير من شمال البقاع مع محطة إيعات، مروراً بالبقاع الأوسط مع محطة التكرير في زحلة، وصولاً إلى البقاع الغربي مع محطتي التكرير في جب جنين ومشغرة، جميعها جاهزة لكنها، إلا أن عملهم غير منتظم ودونه عراقيل وعقبات بسبب كلفة التشغيل العالية، رغم عشرات الملايين التي صُرفت على تشغيلها، ومع ذلك بقي التلوث يغزو نهر الليطاني وصولاً إلى بحيرة القرعون التي تحوّلت إلى “مستوعبٍ للنفايات والسموم القاتلة والأمراض السرطانية والمعدية”، فانعدمت الحياة المائية فيها، تلك المحطات والتي لزمها مجلس الإنماء والإعمار إلى متعهدين (نافذين) أنجزت، لكن تشغيلها بالتقسيط.
وفي هذا الإطار، وجّهت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني كتباً إلى وزارات المالية والداخلية والبلديات والطّاقة والمياه والبيئة، والأمانة العامة لمجلس الوزراء، طلبت بموجبها العمل بشكل فوري على تأمين الاعتمادات اللّازمة لضمان استدامة تشغيل وصيانة محطة تكرير الصّرف الصّحي التّابعة لمدينة زحلة من قبل مجلس الإنماء والإعمار، وذلك تفاديا لوقوع كارثة بيئية وصحّية تضاف إلى معاناة سكان منطقة الحوض الأعلى لنهر الليطاني، في ظل إعراب مؤسسة مياه البقاع عن عدم قدرتها على تسلم وإدارة وصيانة وتشغيل محطة زحلة نظراً لعدم توفر الخبرات البشرية، بالإضافة إلى وضعها المالي الحرج، وبالتالي فإنه في حال عدم تجديد عقد الإدارة الحالية أو إيجاد حلول أخرى، سيتدفق 18 ألف متر مكعب يومياً من مياه الصرف الآتية من المناطق السكنية التابعة لمدينة زحلة دون معالجة، مما سيشكل كارثة بيئّية لمياه نهر الليطاني وبحيرة القرعون، تضاف إلى الوضع البيئي السّيء بسبب تدفق حوالي 45 مليون متر مكعب يومياً من مياه الصرف الصحي غير المعالج من 69 بلدة واقعة في الحوض الأعلى لنهر الليطاني، علماً أن تكلفة بناء محطة زحلة قد بلغت 36.8 مليون دولار أميركي، وإن التوقف عن تشغيل المحطّة يكون بمثابة “هدر للمال العام وللموارد المائية والبيئية”.


علوية
المدير العام للمصلحة الوطنية لنهر الليطاني الدكتور سامي علوية لفت إلى أنّه وبعد سلسلة مراجعات ومراسلات وجّهتها المصلحة بموجب مهام الحكومة وتنسيق الجهود المخوّلة لها حول تطبيق القانون رقم 63 تاريخ 27/10/2016 (المتعلّق بتخصيص اعتمادات لتنفيذ بعض مشاريع وأعمال الاستملاك العائدة لها في منطقة حوض نهر اللّيطاني من النبع إلى المصب بقيمة 1100 مليار ليرة لبنانية، والمخصّص منها اعتمادات بقيمة 1068 مليار ليرة لقطاع الصرف الصحّي في موازنة وزارة الطاقة والمياه ومجلس الإنماء والإعمار) وحول تطبيق القانون 64 الصادر في 3 تشرين الثاني عام 2016 المتعلّق بالموافقة على اتفاقية قرض لمشروع “الحدّ من تلوّث بحيرة القرعون” بقيمة 55 مليون دولار، أكثر من 50 مليون دولار منها مخصّص لقطاع الصرف الصحي، لم تتقدّم الأشغال ولم تظهر أي جهود لا في معالجة مياه الصرف الصحّي ولا في بدء الأشغال لتنفيذ المشاريع ضمن المهل الزمنية، ولم يتبيّن أيضاً مصير الأموال والمليارات التي يبدو أنّها “ضاعت مع الأموال المنهوبة”.
أرقام خياليّة للأموال اُنفقت على قطاع مثقوب دفع النيابة العامة التميزية العام الماضي، لإجراء تحقيقات حول شبكات الصّرف الصّحي ومحطّات التّكرير، وكان آخر إجراء تكليف شركة تدقيق فنّي للكشف والتّدقيق بالدّراسات والتّنفيذ لما تم إنجازه، وكان القاضي العام بصدد الادّعاء على عدد من المتعهدين الذين سيثبت التحقيق تقصيرهم، إلا أن ذلك الإجراء لم يصل إلى خواتيمه.
مئات ملايين الدولارات لم تُعرف أين صُرِفَت، رقمٌ ليس بقليل في بلد مفلس ومديون، أُنفقت على شبكات ومحطّات لتكرير مياه الصرف الصحي من أجل استغلال هذا القطاع في التنمية المستدامة والتخفيف من التلوث البيئي وآثاره الحاصل، والنتيجة جاءت عكس ما ينتظره البقاعيون، مزيد من الهدر للمال العام، ومزيد من الفتك بالطبيعة ومكوناتها، والأخطر مزيداً من القتل ـ الموت البطيئ ـ لسكان ما يزيد عن مئة بلدة بقاعية مهدّدين بالأمراض السرطانية والمعدية.

شاهد أيضاً

سامح توما يصور مشاهده فى “بيوت من ورق” بلبنان بطولة سوزان نجم الدين

  كتبت – ولاء مصطفى يشارك الفنان الشاب سامح توما فى مسلسل “بيوت من ورق” …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أعلان إيجارات واستثمارات

اعلان

أعلانات

اعلان