قضية إمامنا السيّد موسى الصدر… ستبقى حيّة لا تموت

المحامي أسامة العرب

إنه العلّامة الذي لا يشقّ له غبار، إنه الحجّة في الدين، والرائد في التبشير بالقيم الحضارية التي يقوم عليها الإسلام، لأنه المرجعية الإسلامية التي تتعدّى حدود الفوارق المذهبية، لا بل حتى حدود الطائفية. إنّ الإمام موسى الصدر هو ابن آية الله العظمى سيد صدر الدين بن سيد إسماعيل بن سيد صدر الدين أحد أكبر العلماء في منطقة جبل عامل في جنوب لبنان، دخل حوزة العلوم الدينية في قم ودرس فيها العلوم الإسلامية والفقه، وفي الوقت نفسه كان يدرس الحقوق في جامعة طهران، حيث حصل على إجازة البكالوريوس في الحقوق الاقتصادية.

آمن الإمام الصدر بمقولة “الطوائف نعمة والطائفية نقمة”، محذّراً من تكريس الطائفية في جسم الوطن، لأنها أخطر من الاستعمار والاحتلال. وكان الداعي للوحدة الوطنية بين المسلم والمسيحي في البلد، وهو يعلم أنّ الوحدة سياج الوطن الصغير، لبنان، في مواجهة أعتى التحديات التي تعصف به من جانب العدو الإسرائيلي. كما أعلن في 6/7/1975 عن ولادة أفواج المقاومة اللبنانية، أمل، للاستجابة لصرخات وطنهم الجريح المظلوم المضرّج بالدماء الذي يتعرّض دائماً ومن كل الجوانب لاعتداءات العدو الإسرائيلي الظالم.

كما عايش الإمام الأحداث الجسام التي تعرّض لها لبنان والمنطقة، واليقظة العربية، وتفجير براكين الثورة على الواقع المرفوض من الشعب العربي ما بين المحيط إلى الخليج وفي مقدمتها ثورة الرئيس جمال عبد الناصر، وبروزه عملاقاً وأملاً على الساحة العربية كلها، وظلّ يتطلّع الإمام بعزيمة الرجال على التحرير الشامل والقدرة على هزيمة إسرائيل. فالإمام رمز خالد للسيادة والتطلّع بثقة إلى فجر الحرية وانبلاجه إذا ادلهمّ الأفق وتطاولت السحب على شمسه المشرقة بعزيمة الرجال الأشدّاء.

وقد كان الأصدقاء والخصوم يهرعون إلى السيد الصدر عندما يتعرّض الوطن والبنية الاجتماعية للخطر، بغرض قيادة السفينة التي تتلاعب بها أمواج الغرائز والأهواء والفرقة على شاطئ الأمن والطمأنينة ووحدة الموقف للتوجيه بوطنية صادقة وبُعد عن الفردية الذاتية.

كما كان السيد الصدر رجل العمل الإنساني والاجتماعي بامتياز، حيث عمل على بناء المدارس والملاجئ الخاصة بالمحرومين والايتام، كما قام بتطوير تشكيلات جمعية البر والاحسان، وبنى مبرة الإمام الخوئي للعناية بأولاد الشهداء، وأسّس مراكز صحية مهمة، بالإضافة إلى كوكبة من المؤسسات التي تعنى بالأيتام وذوي العاهات وبالتنمية بمعناها الأوسع وبالتربية الإسلامية والوطنية. وكان يتمتّع بطاقات جبّارة، على الصعد الفكرية والإنسانية والخيرية، في خدمة أهداف دينية واجتماعية ووطنية.

ولما كان زلزال الحرب الأهلية المدمّرة الرهيبة يهزّ لبنان على مدى سبعة عشر عاماً، قام الإمام الصدر برحلات عديدة بين مصر والسعودية والكويت وسوريا ليحقق التضامن العربي في سبيل إنهاء الحرب. وقد أثمرت هذه الجهود أخيراً بعقد مؤتمر الرياض في 16/10/1976 ومن ثم مؤتمر القاهرة في 25/10/1976، لا سيما بعدما كرّس سماحة الإمام نفسه للدعوة إلى الابتعاد عن جو الحرب والإصغاء إلى القانون والتمسّك بالوحدة اللبنانية وصيانة كيان البلاد واستقلالها، والعودة إلى بناء الوطن.

ولا زلت أذكر أنني في 31 آب سنة 1978، أي قبل 46 عاماً، كنت أقعد مع أصدقائي الناصريين في مطعم أبو خضر في منطقة كورنيش المزرعة مجتمعين، نتباحث بما يجري وما قد يجري مستقبلاً، وإذا بنا نُفاجأ بخبر على إحدى الإذاعات العالمية عن طريق الراديو أن السيد موسى الصدر وأخويه الشيخ محمد يعقوب والصحافي السيد عباس بدر الدين قد انقطع الاتصال بهم “وكانوا في ذلك الوقت في ليبيا”. عندها انتابني احساس غريب، وأسرعت للاتصال بصديقتي من آل سليمان من منطقة بدنايل البقاعية المناضلة التي كانت قد عرّفتني على السيد موسى الصدر. فوجدت أنها لا تعلم شيئاً، فأخبرتها ما سمعت فقالت لي: “لعلّه خيراً، دعنا نتابع الأخبار سوياً”. وبعد ساعات معدودة، إذ بنا نسمع خبراً مدوياً أفجع الجميع، وهو أن السيد الصدر قد اختطف، فأيقنت حينها أن أمراً ما يحاك ضد لبنان وقد يطيل الحرب اللبنانية، لأنني كنت على يقين أن اختطاف هذه الشخصية الفذّة التي تناضل من أجل إنهاء الحرب الأهلية بسرعة في لبنان له تداعياته. مثلما كنت أتوقع وأجزم أنه لو بقي جمال عبد الناصر على قيد الحياة لما وقعت الحرب الطويلة على لبنان، وكذلك لو بقي الإمام موسى الصدر في لبنان لما استمرت الحرب طويلاً.

فالسيد موسى الصدر حالة فريدة من نوعها وهو موجود في قلوب كل اللبنانيين، فكيف لا وهو الذي يدعو الى نبذ التعصب والانفتاح على الآخرين وترسيخ العيش الواحد والتأسيس لحياة وطنية سليمة قائمة على مبادئ الحق والعدالة والتسامح والعفو والمغفرة والصدق والأمانة والإحسان.

إن الرجال الرجال وعلى رأسهم سماحة الإمام الصدر، لو غابت أجسادهم فأفكارهم وأعمالهم تبقى حيّة في القلوب والعقول لسنوات وأجيال، وفكر سماحة الإمام يعلّمنا التبصّر في وطنية فلسطين التي شكّلت نبضة المقاوم، ويحملنا أيضاً على التفكير في القدس والمقدسات اللتين شكّلتا قضيته الخاصة والمقدّسة واللتين استحضرهما بكافة عناوينهما، وأعلن أن المقاومة واجب شرعي في سبيل تحريرهما حيث قال «إن السند الحقيقي للثورة الفلسطينية هو عمامتي ومحرابي ومنبري»، فمع تعاظم الاعتداءات الإسرائيلية على جنوب لبنان، أطلق الإمام الصدر صرخته المدوية عام 1973 قائلاً «إن لم تدافعوا عن لبنان سندافع عنه، وإن لم تقاتلوا في سبيله سنقاتل ولا نريد ولا نقبل أن تحتل إسرائيل أرضنا وبعد ذلك نؤسّس المقاومة ونمنع الاحتلال».

وهكذا بدأ الإمام رحلته التحريرية بمبادرة فردية شخصية منه تحوّلت مع الوقت الى محور مقاوم له أبعاد إقليمية ودولية. وأستذكر كيف تمكّنت أفواج المقاومة اللبنانية حينها من دحر إسرائيل في 30 آذار 1977 بعد مواجهة باسلة معها في تلال شلعبون، أسفرت عن تراجع إسرائيل خائبة إلى الحدود الدولية ولاحقاً بعد أن تعاظمت المواجهة، حقّقت المقاومة الوطنية الشاملة الانتصار الكبير على إسرائيل عام 1985 من شمال صيدا إلى جنوب صور، ومع نهج الإمام المقاوم كرّت سبحة الانتصارات حتى تمكّنت المقاومات الإسلامية والوطنية الشاملة من هزيمة إسرائيل عامي 2000 و2006، ومن إيقاف الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة بعد معركة طوفان الأقصى في 7 اكتوبر.

كما أستذكر كيف كان الإمام يقول لا صرخة مدويّة في وقت يصمت فيه الضعفاء، ويحاولون فلسفة الأمور، وكان دوماً على حق، والنتائج كانت تأتي وفق رؤيته الوطنية الشمولية، والإسلامية الصادقة، لا سيما أنه يحتفظ بمميّزات رجل الدين الواثق من نفسه ومن محبة الشعب، وهو ابن محتدّ عريق وعائلة جذورها تضرب في أعماق الأرض اللبنانية والعربية، وتبقى شجرة طيّبة تقوى على التحديات.

باختصار، إن الإمام الصدر قرن من الزمن، بأحداثه الجسام يمشي على قدمين، وسبحان من خلق فسوّى، طلعة بهيّة، على وقار الرجال الرجال، مع ابتسامة تشيع الأنس والمرح، تشجع القاصد على البوح بكل ما يضمر، رأياً كان أم مطلباً أم شكوى، لكن في حدود وآداب مجلس رجال الدين. وإن صادق صدق، وإن قال فعل، وإن وعد أوفى. وإذا اقتنع أقدم، ولا وجل ولا هياب إلا من ربه جل وعلا، وإن عزم توكّل.

ولكن يا ليته كان معنا، ويا ليته يرى الآن ما يحدث لنا، ويا ليته الآن يرى كيف يبيد الإسرائيليون أهالي غزة المقهورين والجائعين والمأسورين، الذي لا يقاومون ويقاومون حتى الرمق الأخير، في ظل صمت دولي وعربي مريب. ولو كنت يا سماحة الإمام الآن معنا لكانت المقاومة بأبهى حللها، ولوجدناك تناضل وتقاوم إلى جانب خليفتك الأمين دولة الرئيس نبيه بري وسماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، وتحققون انتصارات أقوى وأبهر في مواجهة العدو الصهيوني.

وللأسف منذ بضعة سنوات، رغم أن الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريتش، أحيا اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري الذي تزامن حينها مع ذكرى اختفاء الإمام موسى الصدر، ورغم أن الأمين العام ذكر المجتمع الدولي بالتزاماته لاقتلاع جذور هذه الجريمة من أساسها، قائلاً: “لقد مضت سنوات عديدة على اختفاء الإمام موسى الصدر، والجهود لا تزال قائمة من أجل تحديد مصيره، بعدما اختفى بصورة مريبة في 31 آب عام 1978، عندما كان في زيارة إلى ليبيا بدعوة رسمية من الرئيس الليبي السابق معمر القذافي”، ولكن غوتيريش لم يتحرك بشكل جدي على أرض الواقع لكشف خطف اختفاء سماحة الإمام وما كان مصيره.

وفي هذه الذكرى الأليمة، نتوجه بالتحية والتقدير إلى دولة الرئيس نبيه بري، الأمين على قضية الإمام الصدر ووصيته بحفظ لبنان ورسالته وشعبه الطيب، آملين أن يصار إلى متابعة قضية الصدر بالتعاون مع الحكومة الليبية والأمم المتحدة، ومحاكمة المجرمين المختطفين الأحياء، وإدانة الأموات منهم، إيماناّ منا بأنه لا يموت حق وراءه مطالب، فكيف بحق إمامنا الأكبر سماحة السيد موسى الصدر، إمام التعايش والمقاومة والصمود والانتصار.

بيروت في ٣٠ آب ٢٠٢٤

شاهد أيضاً

شكر وإمتنان

لاعلاميه رغد عشيش بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله أولًا وآخرًا، ثم أتقدم بخالص الشكر …