**للشهيد المفكر والفيلسوف مرتضى مطهري*
في كتابه عن الملحمة الحسينية يقول الشهيد مطهري رحمه الله تعالى:
“استشهد الإمام الحسين ثلاث مرات:
الأولى على يد اليزيديين بفقدانه لجسده،
والثانية على يد أعدائه الذين شوّهوا سمعته وأساءوا لمقامه،
أما الثالثة فعندما استشهدت أهدافه على يد أهل المنبر الحسيني، وكان هذا هو الاستشهاد الأعظم!!”.
فالحسين ظُلم بما نسب له من أساطير… وروايات قاصرة عن أن تصبح تاريخاً يألفه أو يقبله العقلاء.
ظُلم لأن تلك الروايات عتمت على أهداف ثورته ومقاصدها..
ظُلم على يد الرواديد ومن اعتلوا منبره ونسبوا له – ولأهل بيته – حوارات ومواقف وهمية ملؤها الانكسار لاستدرار الدمع.. فصوروه – وهو المحارب الجسور الذي افتدى مبادئه بروحه ودمه – وهو يلتمسُ الماء بكل ذلٍ ومهانة من أعدائه، وصوّروا زينب عليها السلام – الطود الشامخ – التي دخلت على الطاغية يزيد فزلزلته بخطبتها؛ على أنها امرأة جزعة بكّاءة تثبّط همة أخيها في الحرب، وتثنيه عن القتال!!..
ظُلم، وأي ظُلم هذا، عندما حُوِّلت ثورته الراقية إلى الوحشية المناسبة لتعذيب وجلد النفس.. بدأها ”التوابون” من أهل الكوفة بعد استشهاده عندما جلدهم الندم لمّا سمعوا بقتل الأمام الذي كاتبوه وبايعوه للخروج على يزيد ومن ثم خذلوه.. فخرجوا في مواكب يشقّون فيها الرأس ويعذبون أنفسهم ندماً على ما فعلوه بالإمام وصحبه..
وتوارثت أجيال الشيعة هذه الطقوس التي لا تتناسب مع ثبات المؤمن وصبره بل وسعت لتبريرها بنسب الفعل للسيدة زينب التي قيل عنها – وحاشاها – أنها شقت الجيب وشجت رأسها حزناً على أخيها؛ حتى جاء المراجع الكبار فحرّموا هذا الطقس فعُلق حتى في إيران لما فيه من تشويه للمذهب؛ إلا أنه ما زال يمارَس كل عام مُلبساً ثورة الحسين ما ليس فيها، ومستدراً على منهاجه السوي النقد والتقريع وازدراء العالم!!
ظُلم.. عندما زُج بمظاهر الغلو في مجالسه.. وظُلم عندما اتُّخذت مجالسه وسيلة لترسيخ الفروقات بين الأمة المحمدية التي بذل روحه لجمع شتاتها والحفاظ على هويتها.. وهو ما عبّر عنه مكارم الشيرازي ذات حديث عندما قال: “ما زُجّ بمظاهر الغلو في مجالس الحسين إلا ليقلصوا من مكانة وعظمة هذه الواقعة الخالدة”.
ظُلم .. عندما دُرست في المدارس قصص أمرئ القيس والمعري والمتنبي ضمن المناهج الدراسية وما دُرست ملحمته!!
ظُلم.. عندما صارت ذكرى استشهاده فرصة التبذير وهدر المال في الولائم المبالغ فيها – تحت اسمه – وهو ابن البيت الذي يتصل فيه الصوم لإيثار التبرع بالزاد على أكله!!
ظُلم وما زال يظلم.. لأن رسالته التي كان خليقاً بها أن ترفع مستوى الفكر البشري؛ غُيبت لصغر العقل وتخثر اللب وقفل القلوب!!
ظُلم وما زال يظلم.. ولكن خُلدت الثورة – نعم – ومن يتصفح مظاهر إحياء عاشوراء حول العالم، ويلمح العبرات التي تنهمر من أعين المسلمين، لا يكاد يصدق أن الواقعة المرثية قد انقضت منذ أربعة عشر قرناً.. ذلك أن الله جلّ في عُلاه، أراد لهذه الواقعة أن تُخلّد ليوم القيامة لما فيها من أرث، ومن دروس تختصر كنه الصراع الدنيوي بين معسكري الخير والطغيان، وتشرح مفهوم النصر الخالد – ولو – عبر الهزيمة الآنية..
تلك الدروس التي فهمها المهاتما غاندي فقال ”تعلمتُ من الحسين كيف أكون مظلوما فأنتصر”.
وغابت عن فهمنا فما استثمرناها.. فبين فئةً ركّزت على تراجيديا الثورة على حساب رسائلها وأهدافها الكبرى، وبين فئة أخرى أهملتها وتجاهلت معانيها وتعاملت معها على أنها لا تخصها.. تبدد الإرث.. وبقي الرثاء.. وظلم بذلك الحسين واستشهد على يد محبيه ومناوئيه آلاف المرات..
فسلام على المظلوم والذبيح العظيم.. الذي ما قدره المسلمون- قاطبةً – حق قدره..
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
