ما دق على الباب؟

الدكتور صلاح منصور
طبيب أختصائي

ما دق على الباب ، دفعه بكتفه، بقدمه ، بكل جسده فشقه نصفين !
وجد العجوز مثنية القامة تحوك الصوف بيديها الرقيقتين المجعدتين جالسة لم تتحرك.شاخصة اليه يبعثر كل شيء، يقلب الأثاث البسيط ، يبعثر الأواني ، يفتش عن من يخاف منه! ما ترك زاوية إلا رفسها او مقلبا إلا قلبه او سريرا إلا رفعه ولم يجد ضالته فصوب سلاحه إلى سيدة السنين الطوال، دفعها إلى الخارج والارض من تحت قدميها تداريها كي لا تتعثر…مزق الصوف من يديها، رماه، ركله بحذاءه، نهرها ودفعها فلم تقع ! هددها سيقتلها ان هي لم تدله إلى غايته…قالت على مهل: ذهب منذ قليل إلى الطريق الموءدي إلى بيت الغريب هناك، ذاك الذي لم ينبت من ارض اجدادي!
لم تكمل الكلام حتى أرداها قتيلة بعشرين طلقة وما نزفت ولا هو التفت!
اسرع راجعا إلى العربة المصفحة وما ان أدركها حتى تعثر ومن خوفه او غيظه سقط ثم نهض وصرخ لمن معه: هو في الطريق التي اتينا منها، سيفعل…بلغهم، سيفعل…سيفعل!
نادى للرفاق ان يسدوا كل منفذ ويغلقوا كل مسار كي يصده كل من احترس في المفارق…
وفي الوهلة وداخل العربة المصفحة ندهت امرءاة مجندة إلى من جلس بقربها كانت قد علمته السرقة وكان أبوها قد قونن وشرع على هواه! تنهدت وقالت ببطء: هل سنقضي عيشنا من اب لابن اب، لابن ابن نطارد شبحا والشبح يخلف شبحا لا يموت او ينكفىء بل يظهر فارسا كالشهب؟!
أنا مذ وطاءت هذه الارض قالوا لي: تسلحي واقتليه اين راءيته واقتلي طفله وامه كي تخلوا لنا الارض وما علاها وما اتسع؛ لنا كل ما عنده ولديه… هو لا شيءٍ ولا شيء يعنيه! سمعت جدي يردد لي: هذا ما فعلناه يا بنيتي منذ قرن في كل حارة او قرية او ناحية؛ قتلنا، رعبا نشرنا، دورا حرقنا، بنات كثيرات اغتصبنا واحدة بعد واحدة، وعظام أطفال قطعنا وطحنا حتى سال الدم في كل منحى وموقع …وبعد هذا غسلنا المكان كي نخفي الفظائع…ثم سقينا الارض لنزرع ونحصد…
من كل ارض وقوم اتينا وبيوتا سرقنا ورفعنا الراية من نهر لبحر … هكذا لقنونا ، حفظونا منذ ان وعينا …
بنينا صناعات كثيرة وحقولا زرعنا في سهول خصيبة واقتنعنا اننا لا شك وصلنا واهتدينا: وطن الحلم اقتطعنا!
خضنا الحروب وما من مرة كنا وحدنا ، الكبار دوما ناصرونا حتى انتصرنا وتوسعنا وما شبعنا…
قبائل مثلنا من كل صوب وناح جلبنا وما اكتفينا! نسلب ناسا ليسوا منا وما بالينا !!!
ولكن! ولكن، ايقنت ان في نفسنا شائبةعميقة تمكنت منا فتصلب فينا الأنا واختفى من روحنا اي حب لغيرنا! ابحثي عن ما في صدرنا : ما منا واحد عانق اخراً من غيرنا !!! الذات فينا شقاؤنا وعذابنا ! لا حبا لغيرنا حفظنا ولا بعرفان عقدنا …ضاعت مزامير داوود منا فصرنا أثرياء بلا ضياء ! صار كل واحد منا نمرود: لا صفاء في ذاتنا بل نفاقا في كل قول ومادة نشرنا !
ومع كل هذا ارى الرافض كالمارد عاد لنا: توالد كالشك فينا ، قد عاد يبغينا ويقلب الحس فينا … وما زلنا طغاة…
اقر لك اني سئمت القتل والعنف والمكر وقول الزور … قد بان للملاء حيف ما خفينا وكم ظلمنا …
كشفت مخازينا ! والان وقد شخت، كما ترين ، تجعد وجهي، وما عدت اسمع ، ايقنت ان الباطل افجع …
يا بنيتي : لا تفعلي ما فعلنا ، كل ذلك ما نفع! حدثي الاخوة: قد دهانا الوهم والسفه والطمع…أراني أخشى لوم نفسي، من جزعي حرمت توبتي !!!!
ثم أحنى راسه على صدره وفارق …
خلته وكانه بلغ !
وانت يا ابن هارون! اسمعني …ما ساقول لك…، بكت ، نظرت إلى المجند في اضطرابه وهو من كانت قد دربته ثم قالت : اياً ابن هارون قل لي : هل تكذب الاجيال فينا على الاجيال وتخدع ! هل هو قدر عقيم قد تموضع ؟ كشف القناع: بالعنف ملكنا الارض والتلة لكن لا نرى الفرحة والهداءة والبهجة … لا صفاء ولا امان ولا قرار لاي انس !!! عجبا إلا ترى ما ارى ؟؟
ثم استدارت، ضاق صدرها ، رمت سلاحها بين قدميها ، همت بفتح باب العربة تترجل! والعربة في عجل …
فجأة بان في الطريق ظل يتوهج، يد مرفوعة ثم دوى صوت عظيم واهتز المكان وهطل المطر وانشقت الارض …
قالوا ما الخبر ؟ ما الخبر ….
قالوا ان ليثا من تحت زيتونة قد زأر!
والقاطن عنوة من خوفه يروح يجيء يتوتر …صاح الغريب لاهثا: اقتل وفجر سلاحك في يديك، هو فاتك يدمر لا يتاخر ….حطم الكوخ والحجر حتى لا يبقى لهم اثر ….اجهز على كل من ليس منا وتأكد انه مات او تعطل ….
راح السالب المشهور يروي متعجرفا ويتندر: هذه الارض لي هكذا ربي قرر.
والفارس الممشوق في الجمع من بعيد يردد : خسىء السارق فيما تصور ، بسلاحه مهما تطور، لن يخنق قلبا عشقه لارضه نبض لأبهر …

ايا ابن قحطان، غمر الغبار حسامك، والحسام ما انسلّ ولا لمع ! عجبا لأمرك اماً علمت ان في الصمت مواقف مستدلة ؟! رددت الطرف عن ما لا قل واكثر ما دل واكثر …
حسب الزمان خيبة ومذلة ، ما كان لابن غسان ان يتخلى ويفزع!…
فلسطيني أنا: رغم أخطائي والخطايا وافظع وقد تآكلني الندم ، ما هم ان غابت الأعوان واستدار الأخ الأقرب والأبعد واعتذر ….ايقنت ان وجعي وحده سمري ! يا زمان العشق كم أتضور !…انت يا عشق اولى من زيوت وغاز ودرر …
قالت السمراء : من قصد الهوى لا شيء يثنيه . وانا من بعدها ، ان عشت ما عشت ، في يد السمراء مهد عاطر من حلوه ارد القهر والهجر ومن أتاه وما ارتدع ولا اسياده اقتنعوا !
ان تسالوا الدنيا والمنابر والعبر ، منذ العصور الغابرة ، هذه ارض لكنعان مدت من تراب ، ان اعطيته اذنا سمعت صراخ اطفآل الحجارة وصوت امي تغني وتنتظر …

الدكتور صلاح منصور
طبيب أختصائي

شاهد أيضاً

عتبةُ الذات

  د. لورانس نعمة الله عجاقة سيأتي يومٌ تكتشف فيه أن أكثر ما عطّل خطاك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *