قرارات فاشلة جدا”

بقلم هيام فرج
كنت مهووسة بالمطبخ – هذا خلال سنوات زواجي الأولى – رغم أنني لم أكن أتقن هذه الحرفة , كنت بالكاد تخرجت من الثانوية العامة , ولم أدخل مطبخ أمي الا عند تناول الطعام على طاولة المطبخ , او عند تسليم بعض المشتريات التي كانت أمي توكلني بشرائها من دكان الضيعة وهي تثني عليّ بأنني أجيد التبضع وأنفع أن أكون مستقبلا” وزيرة ” للتموين ” وأنا أغتر بمديحها وإطراءاتها لمهارتي هذه وأبتلع التذمر الذي غالبا” ما يكون جاهزا” على لساني
قبل زواجنا أهداني زوجي -المستقبلي حينها – كتابا” عن الطبخ – فلا انترنت في ذلك الزمن , لأفتح تطبيقات شتى وروابط هائلة وقنوات متخصصة كما الحال في هذا الزمن – اعتبرت هذه الهدية – على صغر سني وقلة حيلتي – هدية بريئة ولفتة جميلة هدفها تحسين مهاراتي و اكسابي تقنيات الحرفة دون الشعور بالاحراج كمبتدئة عند طلب الوصفات من نساء أخريات متمرسات بفنون الطبخ , كما اعتبرتها دعابة غير مباشرة لتذكيري ” أن الطريق الأقصر الى قلب الرجل تمر عبر معدته ” .
عندما دخلت المطبخ للمرة الأولى أحسست أنني ملكة بمريول ابيض , أو ربما مكتشفة عظيمة , تخيلتني ” مدام كوري ” في مختبرها وهي تحاول اكتشاف مادة الراديوم , أضع مكونات فوق بعضها , اقلي , أسلق , أحمّص , أتبّل , وأواجه البخار ….وأتذوق …أتذوق كثيرا , والنتيجة وجبة رائعة ولذيذة حقا
لم أفوّت برنامجا للطهي على الشاشة , أدون الوصفات على دفتر أسميته ” وصفاتي ” رغم أنه للأمانة لم يحتو على وصفة واحدة من إختراعي . كنت أجرب هذه الوصفات وأطبقها بدقة متناهية , كريمة كنت , او بصراحة أكثر متباهية كنت , أريد من الجميع أن يتذوق وصفاتي , كنت اشعر بلذة طعمها على لسان أفراد عائلتي وجيراني والأصدقاء والأقارب ثناء ومديحا وإعجابا …
قررت يوما” أن أفتح مطعما , أريده بسيطا , يقدم وصفات فريدة , له شخصية خاصة ومختلفة عن باقي المطاعم . فشل مشروعي قبل أن يولد لأسباب لست بوارد ذكرها على كثرتها .
ثم قررت أن أفتح فرنا صغيرا , تخيلته أنيقا على بساطته يستقطب المارة والزبائن برائحة الخبز الطازج والمناقيش والبيتزا , لكن أجهض المشروع قبل أن يبصر النور .
ثم قررت أن أفتح مقهى صغيرا يقدم الوجبات الخفيفة والقهوة والشاي , وهذا المشروع أيضا بقي حبرا على ورق .
كبر الأولاد , واختلفت توجهاتي , خفت لهفتي للمطبخ , ولتجربة وصفات جديدة , واختفى المطعم , والفرن والمقهى من لائحة أحلامي وتخيلاتي , أصبحت امرأة عاملة, وموظفة أخرج من بيتي صباحا ومرات كثيرة أعود متأخرة , فأحضّر ما يسهل تحضيره قبل مجيء باقي أفراد العائلة من مدارسهم وأشغالهم , أصبحت أخصص نهارات العطلة للتعويض فأحضّر أكثر من صنف , فيلتف الجميع حول المائدة يثرثرون ويضحكون ويروون أحداث يومهم يتلذذون بطعامي ويلتهمون ما على الطاولة من أصناف شتى دون أن أسمع كلمة تقدير واحدة .أزعجني الأمر فكنت أسألهم :- ما رأيكم بالطعام ؟ يردون على عجل : – جيد , جيد …ويكملون ثرثراتهم . كنت أشعر باللا تقدير لتعبي واهتمامي ووقفتي الطويلة في المطبخ , كنت أشعر بالاهمال حقا “….فاتخذت قرارا جريئا بالإنتقام : اعتزلت المطبخ .
مما تشكو ” عروسة الزعتر ” أو ” عروسة اللبنة ” أو الجبنة ؟ كلها لذيذة , لا تحتاج لجهد ولا تضييع وقت ولا حاجة للثناء أو التقدير لمجهود بذل في سبيل تحضيرها .
لم أسمع أي شكوى من أحد , ولكن شعرت بإختفاء الثرثرات والضحكات التي كانت تضج بالمكان ساعة الغداء , وأصبحت بشوق لتلك اللمة . تجاهلت مشاعري هذه , – لن أفسح لها المجال لتكسرني أو لتجعلني أتراجع عن قراري . لكنني لم أستطع تجاهل إحساسي بالذنب – والأمومة كلها عبارة عن إحساس بالذنب – ,ويا له من إحساس فظيع – عكّر مزاجي , وصفو نومي وصحوي , وأوقات عملي وراحتي … فشل قراري هذه المرة أيضا , فوجدتني ألبس المريول الأبيض ذات عودة من العمل وأحضّر أصنافا كثيرة وأرتبها على طاولة الغداء .
تلقيت مكافأة جميلة تجلّت بوجوه الأولاد ووالدهم عند دخول المطبخ , فأكلوا بأعينهم قبل أفواههم وبين لقمة وأخرى وثرثرة وأخرى أسمع ثناء” – “الله على طبخك يا ماما ” – ” تسلم ايديكي يا ماما ع الأكل الطيب ” – ” يا سلام ما في أطيب من وصفاتك يا ست الكل ” …
ضحكت في سرّي كثيرا مستمتعة بنشوة النصر فلم يكن بتصوري أن أكثر ما أريده قد أدركه عبر قراري الفاشل هذا, ويبدوحقا أن البطون أسهل الطرق وصولا الى القلوب , ومعاقبتها أسهل الطرق وصولا ….الى التأديب .

شاهد أيضاً

**(نفحات كربلائية)**

بسم الله الرحمن الرحيم ✍️ عبد الإله عبد القادر الجنيد عندما خرج الإمام الحسين -عليهِ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *