أزمة العلاقات مع الولايات المتحدة فشل استراتيجي لنتنياهو وضرر سياسي

بقلم: تال ليف رام

أزمة العلاقات مع الولايات المتحدة، التي تم التعبير عنها على لسان الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي قال بصراحة أكبر إنه لا يمكن لإسرائيل أن تستمر بهذا الشكل، ولن أدعو نتنياهو إلى البيت الأبيض في وقت قريب، يشير إلى هجوم سياسي يضر بالفعل بمصالح اسرائيل الحيوية، حتى خارج الولايات المتحدة.
تعتبر العلاقات مع الولايات المتحدة ركيزة مهمة للردع الإسرائيلي في المنطقة، ولا يقل أهمية انها ورقة مهمة في بناء العلاقات وتقويتها مع الدول العربية المعتدلة، التي ترى أهمية العلاقات مع إسرائيل باعتبارها بابا لتحسين العلاقات مع الأمريكيين.
لقد أصبح التعاون العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة وثيقا للغاية في السنوات الأخيرة. وحتى عندما تكون العلاقات السياسية في أزمة، يكون التعاون العسكري آخر من يتضرر. وهذه عملية طويلة، وللأميركيين أنفسهم مصالح في هذا الصدد. لكن يبدو أنه لا توجد حفرة بالنسبة للحكومة الاسرائيلية الحالية، يمكن أن تلحق الضرر بالعلاقات مع الأمريكيين، إلا وهي عرضة للسقوط فيها. من الممكن تجاهل بوادر الأزمة، والتأكيد على قدرة إسرائيل على العمل بمفردها، ودفع الأمريكيين إلى الاهتمام بشؤونهم الخاصة، كما قال العديد من الوزراء في الحكومة مؤخرا، لكن من المستحيل تجاهل الثمن: إسرائيل قد تدفع ثمن تصرفات سياسية – أمنية داخلية قد تزيد من حدة الأزمة مع الأمريكيين.
كانت إقالة وزير الحرب يوآف غالانت والبازار التركي الذي تلا ذلك، كانت القشة التي قصمت ظهر البعير للأمريكيين. هذه ليست مسألة غالانت الشخصية، ولكن العنوان الذي يرونه فيه وفي المؤسسة الأمنية الإسرائيلية كلاعبين رئيسيين في الوقت الحالي يمكنهم العمل والتعاون معهم، في الأيام التي يفشل فيها أفضل الخبراء في واشنطن في فهم معنى سلوك رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وأولوياته.
إلى جانب الضرر المحتمل لجوهر الديمقراطية في إسرائيل، والذي يخشاه الأمريكيون، يجدون صعوبة في فهم كيف أزال نتنياهو بالفعل القضية الإيرانية وغيرها من القضايا الأمنية الملحة من على رأس أولوياته. الإصلاح القانوني دفع كل شيء جانبا، والحكومة الأمريكية مستاءة جدا.
كان رد رئيس الوزراء على تصريح بايدن القاسي موجها بشكل أساسي إلى القاعدة السياسية في إسرائيل، وبعد ذلك يبدو أن الوزراء وأعضاء الكنيست من الائتلاف يتنافسون فيما بينهم حول المحاكمة الذهبية التي قد يكون ضررها الأكبر أمام الأمريكيين.
أجندة دولة إسرائيل سارت بشكل خاطئ تماما. ففي الأيام التي تقترب فيها إيران من عتبة الدولة النووية ولا ترى في الواقع اتفاقية تلزمها. الحرب في أوروبا تصرف الانتباه الدولي عن إيران. هناك معركة على القوة والنفوذ بين الولايات المتحدة والصين، وهناك تقارب بين السعودية ودول أخرى في الخليج، مع ايران، وعندما يكون لدينا تهديد ملموس متعدد الساحات، وتوشك الساحة الفلسطينية على الانفجار، تكون إسرائيل مشغولة بشكل مكثف بفتح أعمق الجراح في المجتمع.
رئيس الوزراء نتنياهو، بصفته الشخص الذي قاد الحملة ضد إيران لسنوات عديدة ووضعها على رأس أولوياته، كان يفترض به خاصة عندما تكون إيران في ذروة السباق النووي، أن يركز بالكامل في القضية الإيرانية، وتوطيد التحالفات، والتحركات السياسية، وفي إدارة الأولويات، خصوصا عندما تكون هناك أيضا تحديات كبيرة على الساحة الفلسطينية وضد حزب الله.
إن إقالة وزير الحرب غالانت في هذا الوقت، وفي ذروة التوترات الأمنية، حيث لا يزال لدى إسرائيل مشكلة معقدة وغير محلولة مع حزب الله، والساحة الفلسطينية متفجرة بشكل خاص، تعبر عن اللا مسؤولية الأمنية والسياسية، وتثير تساؤلات كبيرة تتعلق بطريقة اتخاذ القرارات وعقلانيتها من جانب رئيس الوزراء ومحيطه المباشر أيضا.
في الأسابيع الأخيرة، كرر كل مسؤول أمني سابق تحدثت إليه بشكل أو بآخر الجملة نفسها: هذا ليس بيبي الذي نعرفه. المسؤولية والبراغماتية والاعتدال والعقلانية والإدارة الاستراتيجية الواعية، هي صفات تميز بها نتنياهو خلال سنوات حكمه الطويلة، حتى بين خصومه وحتى عندما كان في مواجهات حول قضايا معينة مع المؤسسة الأمنية.
المتحدثون ليسوا فقط أولئك الذين هم الآن خصومه السياسيون. حتى أولئك الذين هم على الجانب الأيمن من الخريطة يجدون صعوبة في فهم سلوكه في الأشهر الأخيرة، بصرف النظر عن تفسير يتعلق بمسألة لوائح الاتهام وشؤونه الشخصية.
اكتسب نتنياهو لسنوات عديدة مكانة زعيم إسرائيلي بارز يتمتع بنفوذ دولي كبير، وعلى هذا النحو كان يعرف أيضا كيف يقود إلى إنجازات سياسية. توقيع “اتفاقيات إبراهيم” الهامة للغاية، إلى جانب الانتقادات التي ظهرت حول الطريقة التي قسّم بها الوزراء والمؤسسة الأمنية، تعتبر مثالا على الإنجاز الذي يُنسب إليه.
إن فتور العلاقات مع دول الخليج في الأشهر الأخيرة، هو بالضبط المثال المعاكس، وهو ما يتعارض مع نظرة نتنياهو للعالم. ومن هنا كانت الفوضى المطلقة في سلوك الحكومة في كثير من المجالات لمدة ثلاثة أشهر طويلة.
يمكن لنتنياهو أن يقدم ادعاءات ضد المعارضة بسبب الاحتجاج، لكن في النهاية هناك شخص مسؤول في اختبار التاريخ وهو رئيس الوزراء الذي دفع البلاد في الأشهر الثلاثة الأولى من حكومته إلى واحدة من أصعب الفترات في تاريخها.
لقد نال غالانت، الثقة الكاملة من كبار أعضاء هيئة الأركان ورئيس الأركان في الإجراءات التي اتخذها لكبح التيارات السياسية ومطالب الجناح المتطرف اليميني في الحكومة، ومنعها من التسلل إلى الجيش. أزمة قوات الاحتياط، إلى جانب الهجوم في مجيدو، الذي يُرجح تورط حزب الله فيه، والتصعيد المحتمل للحرب على الساحة اللبنانية، قادته إلى اتخاذ قرار بالمضي قدما ومحاولة إقناع نتنياهو بضرورة تأجيل التشريع، والتوصل إلى اتفاقات واسعة.
الجيش الإسرائيلي مقتنع، خلافا لموقف رئيس الوزراء، أن الجيش تصرف بشكل صحيح، ولو أنه تصرف بشكل عدواني، لكان قد أدى إلى تصعيد المشكلة فقط. ولا بد أن نتذكر، أن الجيش ليس سوى عرض من أعراض أزمتنا الاجتماعية العميقة، ويجب أن يكون بعيدا عن السياسة. ولكن عندما يكون الانقسام الاجتماعي كبيرا جدا، لا توجد فرصة لعدم اختراقه، ومن هنا الحاجة إلى اتفاقيات واسعة، وإلا فإن الأثمان ستكون باهظة للغاية.
ترجمة: غسان محمد

شاهد أيضاً

الاتفاق الإيراني الأميركي غير واضح والقضية اللبنانية مهمة!

بقلم// جهاد أيوب ليس جديداً في الفهم اللبناني الزائد عن حده، أن الكل يتحدث عن …