ماذا بعد التطبيع السُّعوديّ الإيراني وتداعياته على ملفات المنطقة وأزمات لبنان؟

الجُزء الخامس

مدير تحرير صحيفة اللِّواء الأستاذ صلاح سلام: هذا الاتِّفاق يشكِّل مدخلًا لقلب الموازين والمعادلات الإقليمية والدَّوليَّة في المنطقة، وستكون له تداعيات إيجابية على معظم الملفات العالقة في منطقتنا، وهو سيسهّل حتمًا حصول توافق لبناني- لبناني حول مسألة الاستحقاق الرئاسي، ولكنه من المُبكر جدًّا حتى الآن الكلام عن ترجيح كفَّة مرشَّح على مرشَّح آخر.

حمُّود:
منذ إعلان اتِّفاق إعادة تطبيع العَلاقات بين المملكة العربية السُّعوديّة والجمهورية الإسلامية الإيرانية، والذي تمّ من أكثر من عشَرة أيام في ظل العاصمة الصينية بكين، بإشراف ورعاية وضمانة من أعلى المسؤولين الصينيين، تسارعت الإشارات والخطوات الإيجابية الدَّالَّة على أَنَّ البلدين جادَّان في خطواتهما، وأننا نشهد في الحقيقة استمرارًا للهزّات الارتدادية التي تركها هذا الزلزال السياسي والديبلوماسي الكبير الذي خلط الأوراق بشكلٍ مهول في المنطقة، والذي يعيد تنظيمها وترتيب أمور بيوتها الداخلية وَفقًا لأجندات لا تخدم مطلقًا أهداف وأهواء أعداء هذه الأمة الذين عملوا منذ زمن بعيد على طريقة أو نهج “فرّق تسد”، وحاولوا طَوال العقود الماضية زرع الفتنة والتطرّف والشقاق بين شعوب دول هذه المنطقة، وحاولوا بكل الوسائل استنزاف قدراتهم في خلافات ومعارك وحروب عبثية، هدرت الكثير من خيرات هذه الدول ومن ثروات شعوبها. ومنذ إعلان ذلك الاتِّفاق الرسمي الذي فاجأ وصدم وأقلق وأصاب الكثيرين بالذهول، من أعداء شعوب هذه الأمة العربية والإسلامية، فإِنَّ الإشارات والعلامات الإيجابية تتوالى بالظهور إلى العلن بشكلٍ سريع، وهي تؤكد على أننا ذاهبون وبالحدّ الأدنى من التفاؤل على الأقل إلى تحقيق اتِّفاق سلام الشجعان بين السُّعوديّة وإيران، أو إلى أكثر من ذلك، أي إلى إمكانية حصول تحالف سُعودي إيراني، إذا ما أفرطنا في التفاؤل ورفعنا سقف آمالنا وتوقّعاتنا، على الرّغم من العدد الكبير من العوائق والموانع التي قد تُعيق ذلك وتمنع تحقيقه، ولا سيَّما تلك المُتعلّقة بالتدخّلات والأطماع الخارجيَّة في المنطقة، ومواصلة تربّص أعداء الأمة الشرَّ لشعوب المنطقة، واستكمال مهامِّهم التخريبية والتعطيلية، وعدم تقبّلهم لأي اتِّفاق يحقّق آمال وتطلّعات شعوب المنطقة وأحلامها بالرخاء والازدهار. فمنذ الإعلان عن معاودة تطبيع العَلاقات، وعلى تحضير إعادة فتح السفارات وتبادل السفراء بين الدولتين الجارتين، وإعادة تفعيل اتِّفاقات التعاون الأمني والاقتصادي والعلمي والثقافي والاجتماعي والرياضي بينهما، والتي كانت قد أُبرمت بينهما أصلًا في مراحل الانفتاح والهدنة القديمة التي مرّت في تاريخ عَلاقاتهما الحافل بالمفاجآت، وبموجات متتالية من حفلات التصعيد أو الفتور أو التقارب، ومع الاتِّفاق أيضًا على إمكانية حصول استثمارات اقتصادية سُعودية في إيران في مجالات مُحدّدة يتّفق عليها الطرفان، ما قد يساعد الأمير محمَّد بن سلمان على تحقيق بعض الإنجازات الاقتصادية، والوصول إلى تحقيق بعض الأهداف في مسار طموحه الكبير، وما رسم لنفسه في رؤية السُّعوديّة ٢٠٣٠، التي وضعها للمملكة، والتي يسعى لتحقيقها بكل الوسائل للتفوق على دور صديقه اللدود محمَّد بن زايد في دولة الإمارات العربية المتحدة، بل تجاوز تطلعات حكامها إلى ما هو أبعد من ذلك لرؤيته أن المملكة ذات قدرات اقتصادية وبشرية هائلة، ما يؤهِّلها إلى أن تكون في مصافّ الدول الإقليمية، بل العالمية الأقوى في كل المجالات.
وفي هذا السياق الإيجابي نُلاحظ مثلًا أن الحملات الإعلامية المُتبادلة التي كنا نعهدها بين وسائل إعلام كلٍّ منهما آخذة في الإخفات أو الإسكات التدريجي، بعد أن بدأ التغيير الملموس في اللهجة والنبرة تجاه عدو الأمس في مختلف وسائل الإعلام القريبة أو الناطقة باسم هذا النظام من هنا وهناك. وها هي أيضًا بعض التسريبات التي تتكلّم عن بنود سرية تمّ الاتِّفاق عليها، وهي البنود التي لا تسمح لأيّ طرف معادٍ أن يتخذ من أراضي الطرف الآخر أو الدول المحاذية له، مركزًا لإعداد أيِّ هجمات من أيِّ نوع، أو لتحضير أعمال عنف، قد يكون هدفها خلخلة الأوضاع الأمنية، أو لشن هجمات معينة في السُّعوديّة أو في إيران.
وقد توّج ذلك أيضًا، كما بات معلومًا للجميع، بالإعلان السريع عن قَبول الرئيس الإيراني السيد إبراهيم رئيسي بالقيام قريبًا بزيارة إلى المملكة بدعوة من العاهل السُّعوديّ الملك سلمان بن عبد العزيز، يقال: إنها قد تحصل في شهر رمضان الحالي، وهي ستكون مناسبة للبحث في عدة ملفات تستكمل ملف تطبيع العَلاقة، وسوف يسبقها لقاء بين وزراء خارجية البلدين للتمهيد لها، ولتحضير الأجواء وجدول الأعمال والاتِّفاق المبدئي على بعض الملفات. ويقول بعضهم: إنه ليس من المستبعد أيضًا أن نشهد زيارة للأمير محمَّد بن سلمان للجمهورية الإسلامية في القريب العاجل، إذا ما استمرّ قطار التطبيع بخطاه الثابتة، وبهذه الوتيرة. ويبدو أيضًا أن قطار التسويات، ونسج وتمتين التحالفات الجديدة في المنطقة، قد انطلق بقوة دفع صينية صاروخية، بعد الزيارة المهمة التي قام بها يوم الاثنين الماضي الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى روسيا، حيث عقد عدة لقاءات واتِّفاقات ثنائية مهمّة جدًّا مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، أكّدت على ترسيخ العَلاقات الروسية الصينية، ووضعت الروس في أجواء كلّ ما تمّ الاتِّفاق عليه في إعلان الصين الأخير، وهم لم يكونوا بكل تأكيد بعيدين من ذلك، إذا ما نظرنا إلى عمق التحالف الذي يربطهم مع الصين، ولا سيَّما أنّ لروسيا دورًا كبيرًا في دعم وتمتين ما حصل، وأن لها عَلاقات سياسية واقتصادية جيدة جدًّا مع كلٍّ من السُّعوديّة وإيران، وهذا ما يعطي قوة دفع أكبر لكل تلك الاتِّفاقات الثنائية والثلاثية، والتي تنتظر التتويج بعقد القِمة الرباعية الروسية التركية الإيرانية السورية التي لا يزال الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد يرفضها، أو يرفع من المَهر أو الثمن الذي يطلبه من الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من أجل قَبوله بعقدها، وتتويجها بإتمام مصالحة سورية تركية تاريخية، لكي تكتمل بذلك حلقة المصالحات في المنطقة. وفي هذا السياق لا يمكن أبدًا إغفال الأخبار الصحافية التي كشفت عنها صحيفة الجريدة الكويتية منذ يومين عن زيارة قام بها مؤخرًا قائد الفرقة الرابعة في القوات السورية، العقيد ماهر الأسد، إلى العاصمة السُّعوديّة الرياض، والتي بحث خلالها مع المسؤولين الأمنيين السُّعوديّين في عدة ملفات وشروط أمنية تطلبها السُّعوديّة من سورية لكي تعاود تطبيع العَلاقات السياسية والديبلوماسية معها. وأخيرًا، لا يمكن في هذا السياق عدم ذكر الرسالة الإيجابية الكبيرة الأخرى التي أتت منذ أيام من الإمارات التي استَقبلت بحفاوة لافتة جدًّا الرئيس بشار الأسد، والتي توّجت زيارته بكلام لا يخرج أبدًا عن سياق التطبيع السائد في كل دول الإقليم، والذي صرَّح فيه الإماراتيون بشكل قاطع بضرورة عودة سورية قريبًا جدًّا إلى الحضن العربي الدافئ، وإلى جامعة الدول العربية بعد أن طالت مدة غيابها كثيرًا بحسب تصريحات الحكام الإماراتيين.
في ظل كل هذه الأجواء الإيجابية الإقليمية والدَّوليَّة نستكمل استشراف آراء ورؤى وتقديرات بعض النخب الأكاديمية والإعلامية اللبنانية الواسعة الاطلاع، أو تلك المُتخصّصة في العَلاقات الدَّوليَّة وبملف العَلاقات الصينية-الشرق أوسطية، حيث طرحنا على كل هذه النُخب التي استطلعنا آراءها، بعض الأسئلة المُتعلقة بتداعيات التطبيع السُّعوديّ الإيراني على كل ملفات المنطقة، ابتداءً من اليمن، مرورًا بالعراق وسورية، وصولًا إلى لبنان وفلسطين، وما إذا كان هذا التطبيع سيؤدي إلى تسريع عملية التوصل إلى حلّ للاستحقاق الرئاسي في لبنان، وما إذا كان سيؤدي كل ذلك إلى تسهيل عملية وصول الوزير السابق سليمان فرنجية إلى قصر بعبدا قريبًا، أو إلى إعادة خلط للأوراق الرئاسية في ضوء حصول معادلات جديدة في المنطقة تُراعي المصالح السُّعوديّة في لبنان، ونتيجةً للتفاهمات السُّعوديّة الإيرانية التي قد تنعكس على التحديات والتطورات السياسية والاقتصادية التي يتخبّط فيها هذا الأخير، وأخيرًا حول طبيعة الدور الذي من المُمكن أن تقوم به الصين سياسيًّا، وديبلوماسيًا واقتصاديًّا على المسرح العالمي والإقليمي، وما إذا كان العالم قد دخل فعليًّا عصر انحصار الدور الأميركي في منطقة الشرق الأوسط، وانتهاء عهد القطب (الأميركي) الأوحد مع تصاعد الدَّورَين: الصيني والروسي على المسرح الدولي. وفي النهاية ما هو موقف المُتضرّرين من هذا التقارب، وفي مقدمتهم أميركا ودولة الكِيان العنصري الإسرائيلي؟ وما هي أدوات وإمكانات التعطيل والعرقلة التي يملكانها؟ وهل هما قادرتان فعلًا على ذلك في ظل الرغبة الحقيقية لشعوب المنطقة وحكّامها بالتقارب فيما بينهم في الوقت الحالي في ظل التغييرات الهائلة في موازين القوى الدَّوليَّة؟
لكل ما تقدّم، نكمل اليوم مشوارنا حول هذا الملف المهم جدًّا، والذي يشغل حيِّزًا كبيرًا في كل وسائل الإعلام الدولي والعربي واللبناني، وننشر هذه المداخلة القيّمة، للإعلامي والكاتب والمُحلّل السياسي المخضرم الأستاذ صلاح سلام، والذي يشغل منذ مدَّة طويلة مركز مدير تحرير صحيفة اللواء اللبنانية، والذي حقّق مؤخرًا مع رفاقه في صحيفة اللواء، إضافة إلى إعلاميين آخرين، السبق الإعلامي الكبير، بنشرهم المعلومات الأوّلية عن المبادرة الفرنسية الهادفة إلى مقايضة انتخاب الوزير سليمان فرنجية في رئاسة الجمهورية مقابل اختيار السفير السابق نواف سلام لمنصب رئيس للحكومة.

سلام:
مدير تحرير صحيفة اللواء الأستاذ صلاح سلام رأى أن إعلان بكين الثلاثي ليس اتِّفاقًا بين دولتين برعاية دولة ثالثة؛ بقدر ما هو سيُشكّل مدخلًا لقلب الموازين والمعادلات الإقليمية والدَّوليَّة في المنطقة، إذ إن تداعياته السياسية والديبلوماسية والأمنية والاقتصادية ستكون هائلة على كل الملفات الساخنة في منطقتنا، وستتعدّى بكل تأكيد منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي إلى مستوى أوسع، ولذلك فإن حدوث التعاون الأمني والسياسي بين الرياض وطِهران ستكون له آثار إيجابية واسعة جدًّا، تبدأ على مستوى العَلاقات الثنائية، ثمَّ على مستوى العَلاقات الإيرانية الخليجية التي ستتحسّن بواقع الحال بحكم زعامة ومَون المملكة العربية السُّعوديّة على معظم أو كل دول الخليج. وستمتدّ التداعيات الإيجابية إلى العَلاقات الإيرانية في معظم دول الشرق الأوسط، خاصة دول النزاع في المنطقة من اليمن والعراق ولبنان وسورية وصولًا إلى السودان.
وأكمل سلام، إذًا ستكون حدود التعاون واسعة جدًّا، إذا ما قُدّر لهذا الاتِّفاق التاريخي أن تنفّذ بنوده كاملة وبحذافيره، وبنيَّات طيبة، وإذا لم تنجح قوى التعطيل في منع هذا التحوّل الإيجابي الهائل بين دولتين قويّتين، وذات إمكانات سياسية وعسكرية واقتصادية عظيمة في منطقتنا.
ولا شكّ في أن هذا الاتِّفاق من شأنه أن يسهّل حصول حوار أو توافق لبناني-لبناني حول مسألة الاستحقاق الرئاسي، ولكنه من المُبكر جدًّا حتى الآن القول أو الجزم بأن حصول هذا التقارب الذي كان الكثيرون من اللبنانيين، ومن القوى الخارجية، ينتظرون حصوله، سوف يؤدّي إلى ترجيح كفّة أو مصلحة مرشَّح على مرشح آخر؛ ولكن هذا التقارب سيزيل مبدئيًّا الكثير من العقبات التي كانت تعترض حصول انتخابات رئاسية في المرحلة السابقة.
وأكمل” سلام” بأن المُتضرر الأكبر من هذا التطبيع والتقارب بين الدولتين الجارتين هما: الولايات المتحدة الأميركية وحليفتها إسرائيل في المنطقة؛ فالأخيرة (أي الكِيان الإسرائيلي) كانت تراهن كثيرًا على توسيع دائرة التطبيع مع دول مجلس التعاون الخليجي (ولا سيَّما مع المملكة العربية السُّعوديّة)، وجاء الاتِّفاق ليشكِّل صدمة كبيرة للإسرائيليين والأميركيين الذين ذهلوا وأصيبوا بصدمة كبيرة. وقد سارع بعض المسؤولين الأميركيين لتدارك الأمر، وإظهار الترحيب العلني بالاتِّفاق، مقابل الغضب الباطني الكبير والمؤكّد، وحاولوا التخفيف من وطأة وضخامة الحدث، وصرّحوا أنهم كانوا في أجواء هذه المفاوضات، وأنهم يرحّبون بها؛ لأنها تصبّ في مصلحة الأمن والسلام في الشرق الأوسط.
وأضاف سلام قائلًا: إن إعلان الاتِّفاق من بكين بالذات يعدُّ صدمة كبيرة لواشنطن، ولم تتأخر الأوساط الأميركية في الإعلان عن إبداء تحفّظها، والتشكيك في مصداقية الاتِّفاق، وإمكانية تنفيذه ومعارضته، وربما تعطيله.
وختم سلام بالقول: إنّ الصين أطلّت من هذا الاتِّفاق على المسرح الدولي بشكلٍ واسع، وبقوة، بعد أن احتلت المكان المناسب لها على المستوى الاقتصادي في المرحلة السابقة، وأصبحت المنافس الأوَّل للولايات المتحدة الأميركية في المجال الاقتصادي؛ وها هي الآن تغزو حلبة المنافسة السياسية والديبلوماسية مع الولايات المتحدة في مسرح السياسة الدَّوليَّة في منطقة كانت تاريخيًّا منطقة نفوذ أميركي مطلق بلا أي منافس أو شريك حقيقي لها فيها، ولا سيَّما أن الاتِّفاق أُحيط بتكتّم شديد في مرحلة المفاوضات، ولم تعلم به أميركا مسبقًا. وأردف سلام قائلًا: كذلك كانت الحال بالنسبة إلى المبادرة السلمية لوقف الحرب في أوكرانيا، والتي جاءت مغايرة تمامًا للتوجّهات السياسية الأميركية التي تهدف إلى تأجيج نيران الحرب في أوروبا عبر دفع مبالغ مالية طائلة، وتقديم مساعدات هائلة من الأسلحة المتطورة وبكثافة إلى أوكرانيا، في محاولة حثيثة منها لكسر شوكة روسيا، وتدمير قدراتها ومحاصرتها بانتظار انقضاضها على شريكتها الصين لاحقًا.
وأضاف سلام: إنه، وانطلاقًا من كل ما تقدّم، فإنّ الصين ستؤدِّي، ومن دون أدنى شكّ في السنوات القادمة، دورًا محوريًّا عالميًّا أساسيًّا، كونها قطبًا دوليًّا جديدًا على مسرح السياسة والديبلوماسية الدَّوليَّة.

د. طلال حمُّود – رئيس ملتقى حوار وعطاء بلا حدود، ورئيس جمعيَّة ودائعنا حقُّنا.

شاهد أيضاً

بن فرحان أحيا تعاون السلطات لا “الترويكا” ‏سعى إلى وحدة موقف لبناني من المفاوضات المباشرة

كمال ذبيان غادر الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان لبنان إلى بلاده، بعد أن قضى …