
إبراهيم ياسين
طابور
“يا إلهي! متى ينتَهي هذا الكابوسُ؟”
راوَدَني هذا السُّؤالُ المُربِكُ بعدَ أَنْ رمَيْتُ نظرةً إلى الأمامِ مُحاولًا معرفةَ نقطةِ بدايةِ طابورِ السَّيّاراتِ. كانَتِ السَّيَّاراتُ أمامي تمتدُّ إلى ما لا نِهايَة، وكنْتُ قدْ أمضَيْتُ ثلاثَ ساعاتٍ على التَّوالي محشورًا في سيَّارتي الَّتي كادَتْ تلفظُ أنفاسَها الأخيرةَ بعدَ أنْ جفَّ البنزينُ في عروقِ مُحرّكِها.
أجرَيْتُ في ذهني المُتْعَبِ عمليّةً حسابيّةً سريعةً، حيثُ قُمْتُ باحتسابِ الوقتِ الَّذي استغرَقْتُهُ كيْ أتقدَّمَ خطوةً إلى الأمامِ مِنْ خلالِ عددِ السَّياراتِ التَّقريبيِّ. صَدَمَني الحاصلُ بشدَّةٍ، إذْ تبيَّنَ أنَّهُ يلزمُني ساعتانِ إضافيّتانِ لأبلُغَ خرطومَ المحطَّةِ. ازدادَ سُخطي وحَنَقي في تلكَ اللَّحظةِ، ووددْتُ أنْ تُمطرَ السَّماءُ بنزينًا عِوَضًا عنِ الماءِ، فأذبَحَ جيشًا مِنَ الخِرْفانِ، وأُطعِمَ ثلثَ سُكَّانِ البلدِ عُربونَ شكرٍ وامتنانٍ لعنايةِ السَّماءِ.
لمْ يبقَ أمامي خيارٌ سِوَى النَّومِ. وَحْدَهُ النَّومُ كفيلٌ بإراحَتي. سوفَ أغلِقُ جفنَيَّ، وأسندُ رأسي إلى الكرسيِّ علَّني أحْظَى بِقَيلولةٍ خفيفةٍ بينَما يتحرّكُ الطّابورُ بِبُطءٍ قاتِلٍ نَحوَ الأمامِ!
ومِنْ أينَ يأتي النُّعاسُ وأنا مُحاطٌ بِكُلِّ هذهِ الأبواقِ، وقدْ بلَغَ مداها أعمَقَ نقطةٍ في جهازي العصبِيِّ؟!
كانَ الصَّوتُ يأتي مِنَ الخلفِ، والغَريبُ في الأمرِ أنَّهُ صادِرٌ مِنْ أبواقٍ خارجَ طابورِنا الأفْعوانيِّ.
التفتُّ بُرهةً ورائي، فإذا بي ألمَحُ موكبًا مِنَ السَّيّاراتِ الرَّسميَّةِ، وقدْ اصطفَّ إلى جانبِ الطَّريقِ قبلَ أنْ تُفتَحَ الأبوابُ على عجَلٍ ويترجَّلُ مِنْ كُلِّ سيَّارةٍ رِجالٌ بِبزَّاتٍ رسميَّةٍ، تسابقُوا في التَّحلُّقِ حولَ إحدَى سيَّاراتِ الموكبِ ساعِينَ لاهِثينَ لِنَيلِ شَرَفِ فَتْحِ البابِ!
ها هُوَ! وما مِنْ أَدنى شَكٍّ! لمْ تُخطِىءْ عَينِي عندَ رُؤيةِ ذلكَ المسؤولِ الشّابِّ الَّذي خرجَ مِنْ سيَّارتِهِ، وتوجَّهَ صَوبَنا، مُحاطًا بِعناصرِ المُرافقةِ وهُم يُهَرْوِلونَ كما اعتادُوا أَنْ يفعلُوا في دوراتِهِم الإعداديَّةِ.
لقَدْ دأبَ المسؤولُ منذُ استلامِهِ مهامَّهُ الجديدَةَ على التَّهديدِ والوَعيدِ بِمُحاربتِهِ جميعَ أَذرُعِ الفسادِ وأدواتِهِ في البلدِ. فهُوَ طاقةٌ حيويّةٌ متفجّرةٌ داخلَ أَروِقَةِ الحُكومةِ. لا شكَّ أنَّ دماءً جديدةً كهذِهِ ستحرّكُ المياهَ الرَّاكدةَ منذُ عقودٍ في شرايينِ الوَطنِ المُتهالِكَةِ المُعَطَّلَةِ.
إنَّهُ بِلا شكٍّ أمَلُنا الأخيرُ في أرضٍ دفَنَتْ في باطِنِها جميعَ إماراتِ الحُلمِ والطُّموحِ.
توجَّهَ الوزيرُ الشّابُّ نحوَ مَسؤولِ المحطَّةِ مُحاطًا بِمُرافقيهِ، وبعَدَدٍ وَفيرٍ مِنَ الفُضوليّينَ أَمْثالي الَّذينَ تركُوا سيَّاراتِهِم لِهُنَيْهةٍ، وتقدَّموا مِنَ الوزيرِ وحاشِيَتِهِ شاهرينَ أجهزةَ الجوَّالِ لتصويرِ الحدثِ.
لحظاتٌ شائِكَةٌ مِنَ التَّرقُّبِ والانتظارِ تخلَّلَتْها محادثةٌ قصيرةٌ بينَ الوزيرِ ومُديرِ المحطَّةِ، لمْ أستَطِعْ سماعَها وفَهمَها بدِقَّةٍ نظرًا إلى الضَّوضاءِ المُحيطِ بِنا.
كلُّ ما تسلّلَ إلى سَمَعي كان كلامًا عَنْ تعاطفِ الوزيرِ معْ معاناةِ المواطنينَ، وأنَّهُ قرّرَ، عكسَ زملائِهِ، النّزولَ إلى الشّارعِ، ومشاركةَ المواطنِ شعورَ المُعاناةِ والذّلِّ، والوقوفَ طويلاً في طوابيرِ البنزينِ.
أنهَى الوزيرُ مداخلتَهُ التّاريخيّةَ، ثمَّ تقدّمَ معْ عناصرِهِ تجاهَنا، وأَمَرَ كلًّا مِنَ العناصرِ بأنْ يُسَلِّمَ مفتاحَ سيّارتِهِ إلى المواطنينَ الواقفينَ، قبلَ أنْ يبدأَ بتطبيقِ هذا القرارِ بنفسِهِ حيثُ أخرجَ مِفتاحَ سيّارتِهِ الحكوميّةِ الفارهةِ من جَيْبِ سترتِهِ، ثمَّ تقدّمَ نحوي، وسلّمَني المِفتاحَ، وأَمَرَ جميعَ مَنْ في المكانِ استِعارَةَ السّيّاراتِ الرّسميّةِ لإنهاءِ مُقْتَضياتِهِم، على أنْ يبقى هو وعناصرُهُ لحراسةِ سيّاراتِنا رَيْثَما تَتِمُّ تعبِئتُها بالوقودِ اللّازمِ.
عَلى متنِ سيّارةِ الوزيرِ الوثيرةِ، أخذْتُ ألتَهِمُ طرقاتِ المدينةِ واحدةً تِلْوَ الأُخرى. لم أصدّقْ أنَّني سأَصْطدِمُ بِيَومٍ كهذا، وسأجوبُ الشّوارعَ مُمتَطيًا سيّارةً وزاريّةً حتّى وإنْ لَم أكنِ الوَزيرَ نَفْسَهُ.
شعرْتُ بسعادةٍ غامرةٍ ممزوجةٍ بكبرياءَ شديدٍ، وببعضِ استعلاءٍ يَغزو مشاعري عندَ مروري في أيِّ مكانٍ، ورؤيتي مظاهرَ التّبجيلِ والهَيبةِ لدى المارّةِ ودوريّاتِ المرورِ، وحيثُ لم تكنِ الإشاراتُ المروريّةُ الحمراءُ قادرةً على كبحِ جماحِ روحِ المغامرةِ الّتي غمرَتْني بالكاملِ ظهرَ ذاكَ اليومِ.
بعدَ ساعةٍ ونَيفٍ مِنَ المغامرةِ الشّيّقةِ، حانَ وقتُ الحدثِ الأهمِّ. سأفاجئُ زوجتي أيّما مفاجأةٍ حينَ أذهبُ إليها على متنِ سيّارةِ الأحلامِ هذهِ. لا شكَّ أنَّ مفاجأةً كهذهِ ستُفقِدُها القدرةَ على النّطقِ. قد تظنُّ أنّي قمْتُ باغتيالِ الوزيرِ وسطَوْتُ على سيّارتِهِ، أو قَدْ تظنُّ أنّي أعملُ وزيرًا متخفّيًا تحتَ ستارِ وظيفتي اليوميّةِ المتواضعةِ، وقَدْ تَطلبُ عندئذٍ الطّلاقَ بحجّةِ خداعِ مشاعرِها.
قرّرْتُ أنْ أعبرَ دربَ التّكهُّناتِ المُتَعَرِّجَةَ، وأنْ أتَّجِهَ مباشرةً إلى حَيِّنا المتواضعِ حيثُ من شبهِ المستحيلِ أنْ تعبرَ سيّارةٌ رسميّةٌ مِنْ هناكَ أكثرَ مِنْ مرّةٍ في كلِّ قرنٍ!
أوقفْتُ السّيّارةَ تحتَ شرفةِ المنزلِ، ثمَّ قمْتُ بالضّغطِ على مِفتاحِ البوقِ لعلَّ زوجتي تطلُّ مِنَ الشّرفةِ، وينهالُ عليها مشهدُ المفاجأةِ.
بعدَ أنْ تأخّرَتْ في ظهورِها، أطلقْتُ البوقَ مرّةً ثانيةً، فثالثةً، فرابعةً… وما مِنْ مجيبٍ.
عندئذٍ، أبقَيْتُ كفّي على مُنتصفِ المِقْوَدِ لإطالةِ زَعيقِ البوقِ قبلَ أنْ أستيقظَ مَذعورًا مُرتَبِكًا في سيّارتي الحقيرةِ على أصواتِ الأبواقِ مِنْ خَلفي، وحناجرُ السّائقينَ تشتمُني وتطالبُني بالتّحرّكِ.
لَقَدْ تقدّمَ طابورُ البنزينِ خطوةً إلى الأمامِ أثناءَ غفوتي القصيرةِ.
إ
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net