36 عاماً وحدة أبناء شعب واحد

أحمد الشريف

كم هو مؤسف ومحزن أن يحتفل أبناء الشعب اليمني بالعيد الوطني السادس والثلاثين للجمهورية اليمنية الذي يصادف حلوله يوم الجمعة القادم الموافق 22 مايو 2026م، في وقت ما يزال فيه الكثير من المتشبعين بثقافة الحقد والعداوة والبغضاء يعتقدون أن الخلاف الذي حدث بين قيادات المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني هو خلاف بين الشمال والجنوب،

ويضللون من خلاله الجيل الجديد بأن الشمال محتل للجنوب، ويسقطون هذا المصطلح السيئ على الوحدة نفسها التي تعتبر فريضة دينية وواجباً وطنياً مقدساً.
غير مدركين أن الوحدة اليمنية عقد أُبرم بين شعب جزّأه الاستعمار لا يمكن أن تنفرط عراه؛ لأن الوحدة أساساً تمثل الأرض والإنسان ولا تمثل من يدير دولتها سياسياً، ولذلك ستظل صامدة أمام كل الأعاصير التي تواجهها من هنا أو هناك كونها وحدة شعبية وليست وحدة تحققت نتيجة لإرادة فوقية يتم المتاجرة بها سياسياً أو بين نظامين فتنتهي بمجرد زوال مصالحهما، وقد تحدثنا عن هذا الجانب كثيراً في مقالات سابقة ولا نتحرج من التكرار.
وعليه، لا بد أن نعود إلى الوراء قليلاً ونذكر بأن الفرصة التي أُتيحت لليمنيين بعد إعادة تحقيق الوحدة كانت كفيلة بأن تجعل الشعب اليمني يحكم نفسه بنفسه لو أنها استُغلت الاستغلال الأمثل بعيداً عن التشنج والانفعالات، ولجعلت اليمنيين يحققون مكاسب كبيرة تسير باليمن نحو اللحاق بمسيرة الركب الحضاري والخروج من تلك الحلقة المفرغة التي تحشر بعض الشعوب نفسها فيها -وخاصة في دول العالم الثالث واليمن جزء منها- وهو الأمر الذي يجعل الدول الكبرى تتحكم في مصائرها بحجج وذرائع واهية، فتصبح مقدراتها رهناً للغير لأنها لا تمتلك السيادة الوطنية للتحكم في قرارها السياسي، وهو وضع لا ننكر أن اليمن مر به جنوباً وشمالاً قبل إعادة تحقيق الوحدة وبعدها، وما يحدث اليوم من عدوان كوني على اليمن تشارك فيه دول كبرى ليس إلا نتيجة لإصرار اليمنيين على تحرير قرارهم السياسي من الهيمنة الخارجية بعد أن أفاقوا من غيبوبتهم وأعلنوها ثورة تحررية ضد كل تدخل خارجي في شأنهم الداخلي.
إن مرور 36 عاماً على استعادة اليمنيين لوحدتهم في تاريخهم الحديث وسط ظروف صعبة ومعقدة قابلة للانفراج بإذن الله، وفي وقت يستعدون فيه لتصحيح مسار الوحدة من خلال بناء دولة يمنية جديدة يسودها النظام والقانون والمواطنة المتساوية، وأياً كانت الصيغة الجديدة التي ستحفظ لليمن وحدته أرضاً وإنساناً، فإنها ستؤكد أن اليمنيين قد عاشوا فترة طويلة من الصمود والتصدي لكل المحاولات البائسة بهدف تفكيكها والعودة بعجلة التاريخ إلى الوراء والتي كلها باءت بالفشل الذريع، لا سيما في الفترة الراهنة المتزامنة مع استمرار العدوان الكوني على اليمن للعام الثاني عشر على التوالي، وهو ما يدل على أن الوحدة اليمنية قد تخطت الصعاب وترسّخت جذورها رغم ما شاب مسيرتها من سوء إدارة بفعل أولئك الذين وثق فيهم الشعب اليمني وجعلهم قادة له ولكنهم استغلوا الوحدة وحوّلوها إلى مشروع للمتاجرة به والمزايدة خدمة لمصالحهم الخاصة، فتسببوا في إيجاد شرخ بين أبناء الشعب اليمني الواحد.
ومع ذلك، فقد أثبت اليمنيون فعلاً -من خلال دفاعهم وتمسكهم بوحدتهم والمحافظة عليها حتى في ظل العدوان الحالي على اليمن وشعبه العظيم، الذي يقوده رباعي الشر المتمثل في أمريكا والسعودية وإسرائيل والإمارات ومن تحالف معهم من الخارج والداخل- أنهم رجال قادرون على أن ينتقلوا بالوحدة من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وهو جهاد النفس المتمثل في ترسيخ دولة النظام والقانون ومحاسبة الفاسدين أياً كانوا في السلطة أو المعارضة أو من أصحاب الجاه والنفوذ؛ فالكل أمام القانون سواسية ولا يجب أن تتم محاباة أو مجاملة أحد على حساب مصلحة الوطن اليمني العليا، وعازمون على صنع مستقبل جديد ومزدهر بإذن الله تعالى.
إن الوحدة اليمنية ستظل تلك الشمعة المضيئة الوحيدة في سماء الأمة العربية. وعندما ننظر إلى الوضع العربي الراهن وهو في حالة يرثى لها، ولا يملك أي نظام عربي قراره السيادي، لا نعتقد أن ما تطمح إليه الجماهير العربية سيتحقق من حيث وحدة الأمة، ونعتبر بانفصال جنوب السودان عن شماله بسبب الصراع على كرسي الحكم، وسقوط قلعة العروبة سوريا، وإخراج مصر من معادلة الصراع العربي–الإسرائيلي وتحييد جيشها.
وهو الأمر الذي جعل المواطن العربي يفقد ثقته في الأنظمة العربية وفي الحكام العرب بشكل عام، ويكاد اليأس يقضي على كل أمل يخالجه بأن تتغير الأمور ويعود العرب إلى سيرتهم الأولى متربّعين على عرش الزعامة العالمية حينما كانوا يحكمون ثلثي العالم من شرقه إلى غربه، والدول الأوروبية التي استفادت حينها من حضارته كانت تغط في نوم عميق تعيش في ظلام القرون الوسطى وكانت تتحكم فيها الكنيسة، لكن حينما وعت لتحقيق مصلحتها انتفضت وأخذت من العلوم والمعارف العربية ما أعانها على الدفع بمسيرة انطلاقتها وتحديد مسارات مختلفة لنفسها أوصلتها إلى ما هي عليه اليوم من حضارة وتقدم، فأصبح العالم العربي اليوم عالة عليها في كل شيء رغم امتلاك العديد من دوله ثروات هائلة لو وُظّفت التوظيف السليم لخدمة مصالح الشعوب لتحول العرب إلى دولة عظمى يُحسب لها ألف حساب.
إن مشكلتنا في العالم العربي ليست مشكلة تتعلق بالموارد وعدم وجود الكفاءات التي تحكم، وإنما المشكلة تتعلق بحب التسلط والسيطرة؛ فأي طرف يصل إلى السلطة بأية طريقة كانت -ديمقراطية أو انقلاباً عسكرياً- من الصعب عليه أن يفكر بمغادرة السلطة حتى لو ضحّى بشعبه كاملاً ليبقى هو وحده، بل ومستعداً أن يسخر كل موارد شعبه وجيشه ونظامه للدفاع عن الكرسي بدلاً من أن يعمل على تحقيق مصالح الشعب ويؤسس لنظام إداري جيد يمكن على أساسه بناء دولة المؤسسات كما هو حاصل في الدول المتقدمة.
ومن هذا المنطلق أو المفهوم عند الحكام العرب، فإنه من الصعب على أي مواطن عربي تخيل أن تتحد دولتان عربيتان حتى لو في شكل تنسيق المواقف، ولذلك ستظل الوحدة اليمنية التي أكملت عامها السادس والثلاثين هي الشمعة المضيئة في سماء الأمة العربية -كما أشرنا آنفاً- وستفرض بعدها الإقليمي، والقومي والدولي على كل الأقطار العربية بحيث تشكل نموذجاً يحتذى به، وأيضاً تشكل حلقة متفردة وذات أكثر من خصوصية في تاريخ اليمن الراهن، لا سيما بعد أن يتم تصحيح مسارها نزولاً عند رغبة الشعب وتحقيق إرادته تلبية لطموحات الجماهير، ولا يمكن أن تكون إرادة سياسية أو قرارات سلطوية يكون الشعب فيها رقماً مفقوداً.

شاهد أيضاً

الأيتام

بقلم: أمين السكافي عاد الجنوب يتيماً. ليس يتيماً لأن أبناءه غابوا عنه، بل لأنه لم …