ملاحظات حول كتاب “محنة العقل في الإسلام” للمؤلف مصطفى جحا

بقلم الأديب أحمد فقيه

عنوان ا لكتاب هو: “محنة العقل في الإسلام”، وهنا بالطبع، المؤلف يقصد أن عقل المسلم في “محنة”. وهذا، بديهيًا، يوحي بأن تعاليم الإسلام كعقيدة تجعل عقل معتنقيها في “محنة”. وما يقصده المؤلف هو أن من يؤمن بهذه العقيدة يصبح مقيدًا بها ولا يرى غيرها، أو لا يفكر بغيرها، مع أن هذا الأمر ينسحب على جميع العقائد ومعتقديها، وليس العقيدة الإسلامية فقط.

لذلك نرى أن “المحنة” تشمل العقل البشري بصورة عامة، وليس فئة معينة من البشر. ذلك أن عقل الإنسان يبدأ حياته وهو كصفحة بيضاء خالية من أية معلومات سوى ما خصه الله بها من قدرات أولية تساعده على شق طريقه في الحياة، ثم يبدأ العقل يسجل على صفحاته ما يمر أمامه من معلومات وتجارب وأحداث وما يسجله في أوائل حياته يشكل شخصيته المستقبلية ويصعب عليه كثيرًا التغيير فيما بعد.

وفي مجال المعتقدات فقط، نرى الآن في العالم المئات، وكل معتقد يرى معتقدوه أنهم هم الأصوب وهم على حق، مهما كان معتقدهم لا يلقى القبول لدى الفئات الأخرى، لدرجة أن هناك من يقدس البقرة، وهناك من يعبد الجرذان ويقيمون لها المعابد لتسرح وتمرح فيها كما يحلو لها، ولا يجرؤ أحد من سدنة تلك المعابد على إزعاجها أو التأفف منها، وزيادة على كل ذلك، هناك من يعبد الشيطان. وقريش ومعظم العرب كانوا قبل الإسلام يعبدون الأصنام المنحوتة من الصخر الأصم، وقبلهم الأغريق، والفرس وغيرهم لا يبعدون في معتقداتهم كثيرًا عما كان شائعًا. هذا، مع العلم أن كل مجموعة، بل كل فرد من هذه المجموعات على استعداد للدفاع عما يعتقدون بكل ما لديهم وحتى بالأنفس والأرواح.

ومن هنا نرى “المحنة” العقلية لا تخص المسلم فقط وإنما هي محنة بشرية عامة. والمهم في الموضوع هو أن العقل البشري، في بداية نشأته يكون مهيئًا لاستقبال وتقبل أي موضوع يُطرح أمامه، ومع الوقت والتقدم في السن تصبح جميع المفاهيم التي عرضت جزءًا من الكيان. هذا في أغلب الأحيان، وقد يخرج البعض عن القاعدة ليكّون فكرة خاصة، وهذا ما جعلنا الآن ننعم ببحر متلاطم الأمواج من الأفكار والمباديء والمعقدات المتناقضة والمتنافرة. هذا لا تزال الأفكار والمباديء تتوارد، بعضها يلقى قبولًا لدى فئة ما، والبعض الآخر يلقى نفورًا. وهكذا تدور الحياة وتستمر، وتستمر معها الصراعات تبعًا لإختلاف وجهات النظر، وتضارب المفاهيم. ولا ننسى هنا أن كل فئة أو مجموعات، يرون أنفسهم أنهم هم الأصوب وهم على حق وغيرهم على خطأ، وهم الوحيدون الذين سيدخلون الجنة وغيرهم في النار. وهكذا تستمر الدوامة، وتستمر معها الحروب الطاحنة والله هو الأعلم بكل شيء.

ويحصل في كثير من الحالات أن العقيدة الواحدة تفهم من زوايا متعددة، وهنا ينشأ ما يسمى الطوائف أو المذاهب، وهذا موجود حاليًا لدى مختلف العقائد.. وهذه المحنة العقلية التي يتحدث عنها مصطفى جحا يتعرض لها كل إنسان ينتمي لأي معتقد، وهناك مثل قديم يضرب في هذا الخصوص يقول: “من شبَّ علي شيء شاب عليه” وتوفيق الحكيم يتكلم كذلك عن هذا الموضوع فيقول بتعبير مجازي: “لقد كُتب علينا أن نفقد جدتنا ونحن في المهد، وأن نلف بأردية القدم منذ القدم، وأن يفقأ آباؤنا عيوننا الجديدة باللمسة الأولى، وأن يصموا آذاننا بالصيحة الأولى، ومن فرَّ منا ببعض البصر وواجه الدنيا بعينيه هو فانبهر”*

*توفيق الحكيم – من أدب الحياة – (ص 31)

شاهد أيضاً

أحجية الإنسان في ما يريد

بقلم الأديب أحمد فقيه حاجة الإنسان للعبور وجد الإنسان نفسه في هذه الدنيا وهو لا …