كتبت “عربي 21”: على عكس ما يعيشه اللبنانيون في الوقت الحالي من انهيار اقتصادي وتدهور معيشي خاصة بعد انفجار مرفأ بيروت في 4 آب الجاري، الذي راح ضحيته 171 قتيلا وأكثر من 6 آلاف جريح، ومئات المفقودين، وخسائر مادية كبيرة قدرها محافظ بيروت بنحو 15 مليار دولار، عاش لبنان عصرا ذهبيا، ولقب بـ”سويسرا الشرق”، وسميت بيروت بـ”باريس الشرق”.. فما الذي حدث؟.. وكيف انهار الاقتصاد اللبناني؟.. وهل يمكن أن تعود “سويسرا الشرق” إلى سابق عهدها؟
“عربي21” ترصد في الملف التالي رحلة سقوط الاقتصاد اللبناني منذ حصول لبنان على استقلاله في 22 تشرين الثاني 1943 وحتى الثلاثاء الأسود في 4 آب 2020، من واقع البيانات الرسمية والتقارير الدولية، وأبرز المراحل الفاصلة في تغيير المسار الاقتصادي على مدار 77 عاما مضت.
احتل لبنان مكانة جغرافية مميزة جعلته أشبه بوسيط تجاري بين الشرق والغرب، ومكنته من الاستفادة الاقتصادية والتجارية من حركة التجارة العالمية، كما استفاد أيضا من التغيرات والتوترات السياسية العربية والإقليمية والعالمية، وأصبح في فترة الستينيات وبداية السبعينيات مركزا ماليا للشرق الأوسط، خاصة بعد إقرار قوانين السرية المصرفية الشبيهة بتلك المطبقة في سويسرا.
وعلى إثر هذه القوانين، نجح لبنان في استقطاب رؤوس الأموال العربية المهاجرة والمهربة من دول عدة شهدت انقلابات عسكرية وتحولات اقتصادية جذرية خاصة بعد وصول حزب البعث لسدة الحكم بسوريا والعراق وخلال الحقبة الناصرية بمصر، وتبني الاقتصاد الاشتراكي ومحاربة الرأسمالية، وما نتج عنه من هروب رجال المال والأعمال بأموالهم.
وبخلاف غالبية الدول العربية في تلك الفترة، اعتمد لبنان نموذج الاقتصاد الحر “الرأسمالي”، وقام بسن قوانين جديدة آنذاك لتعزيز دور القطاع المالي والمصرفي، أبرزها قانون النقد والتسليف لحماية سرية الودائع وتشجيع رجال الأعمال العرب على الاحتفاظ بأموالهم في المصارف اللبنانية، وهو ما عزز من قيمة الليرة اللبنانية أمام الدولار وتسبب في زيادة معدلات النمو وضعف التضخم إلى جانب ازدهار السياحة وبقية القطاعات الاقتصادية الأخرى الصناعية والزراعية والتجارية.
“مؤشرات ذهبية”
وخلال عقد الستينيات حقق الاقتصاد اللبناني مؤشرات قوية، (كانت بمثابة العصر الذهبي للبنان) حيث فاق المعدل السنوي للنمو الـ 5 بالمئة، (وفي عام 1963، سجل لبنان المركز الرابع عالميا في النمو الاقتصادي بعد الولايات المتحدة، وفرنسا، وسويسرا) وظل معدل التضخم دون مستوى 1.5 بالمئة، ونما قطاع الزراعة 6.3 بالمئة، وساهم بنسبة 12 بالمئة من الناتج المحلي، كما نما قطاعا الصناعة والخدمات 5 بالمئة، وبلغت نسبة مشاركة هذين القطاعين في الناتج المحلي 68 بالمئة، وارتفعت الصادرات سنويا بمعدل 14.5 بالمئة مقابل 5.1 بالمئة فقط نموا في الواردات، وتراوح سعر صرف الليرة مقابل الدولار بين 3 و3.5 ليرات للدولار الواحد.
والمطلع على هذه المؤشرات الاقتصادية القوية خلال فترة “العصر الذهبي” للاقتصاد اللبناني يجد نفسه أمام حسرة علامات استفهام كبيرة أمام ما يعانيه الاقتصاد اللبناني في الوقت الحالي من مؤشرات صادمة، بعد تسجيل دين عام وصل إلى 93 مليار دولار في نهاية أيار 2020، (ما يعادل أكثر من 170 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بحسب وكالة التصنيف الائتماني “ستاندرد آند بورز”، وتعد هذه النسبة أحد أعلى معدلات الديون في العالم).
وانهار سعر صرف الليرة أمام الدولار في السوق السوداء إلى أكثر من 8 آلاف ليرة للدولار الواحد، مقابل سعر صرف رسمي عند 1507 ليرات أمام الدولار، وبلغ معدل التضخم السنوي 462 بالمئة، وتجاوز التضخم الشهري الـ50 بالمئة، وهو ما جعل لبنان أول دولة بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا تدخل مرحلة التضخم المفرط أو الجامح، بحسب جدول تضخم هانكي-كروس العالمي.
وانخفضت الصادرات 7.3 بالمئة في الأشهر الخمسة الأولى من العام 2020، وفقا لأحدث إحصاءات التجارة الخارجية الصادرة عن “مصلحة الجمارك اللبنانية”، هذا إلى جانب معدل نمو بالسالب بلغ سالب 5.6 بالمئة في 2019 وسط توقع انكماش اقتصادي في 2020 بنسبة 25 بالمئة.
وفي عام 1960 بلغ الناتج المحلي الإجمالي اللبناني 830 مليون دولار (أعلى من سنغافورة بنحو 15.5% التي بلغ ناتجها المحلي في ذلك الوقت 700 مليون دولار)، وفي 2019 بلغ الناتج المحلي اللبناني 53.4 مليار دولار مقارنة بـ 372 مليار دولار لسنغافورة (أقل بنحو 600%)، وهو ما يعني أن الناتج المحلي لسنغافورة ارتفع 260 ضعفا، بينما ارتفع الناتج المحلي للبنان 64 ضعفا فقط، خلال 59 عاما، وفقا لحسابات “عربي21”.
“مراحل فاصلة”
وشهد الاقتصاد اللبناني خلال رحلة سقوطه من العصر الذهبي وصولا إلى حافة الهاوية مراحل فاصلة وأحداثا محورية، أثرت بشكل كبير سلبا وإيجابا على مساراته ومؤشراته الرئيسية، من أبرزها اندلاع الحرب الأهلية التي استمرت بين عامي 1975 و1990، مرورا بالاجتياح الإسرائيلي في حزيران 1982، والأزمة السياسية في عهد الرئيس أمين الجميل في تشرين الثاني 1987، وتشكيل حكومة عسكرية في أيلول/ 1988، بعد تعذر انتخاب رئيس جديد للبلاد، ثم الإطاحة بها في 13 تشرين الأول 1990 ليسدل الستار على الحرب الأهلية، وتبدأ بعدها عملية إعادة الإعمار وتشكيل الحكومة الأولى لرئيس الوزراء رفيق الحريري في تشرين الأول 1992، وصولا إلى بدء الاحتجاجات الشعبية في البلاد ضد فساد الطبقة السياسية الحاكمة وما ترتب عليها من استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري في تشرين الأول 2019، وتشكيل حكومة حسان دياب المدعومة من تيار حزب الله في 21 كانون الثاني 2020، قبل أن تستقيل في 10 آب الجاري إثر فاجعة انفجار مرفأ بيروت وتصاعد الغضب الشعبي وارتفاع حدة الضغوط عليها.
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net

