إشكالية الذاكرة التسجيلية في رواية الغوغائي لعامر حميو

إبراهيم رسول

الروائيُّ عامر حميو, يملكُ مُخيّلةً, مليئة ومحتشدة بحوادثٍ يعرِفُها الفرد العراقيّ, الذي عايشَ تلك الأحداث, لكن الطريقة في إعادةِ الروح لتلك الأحداث هي مكمنُ الإبداعُ السرديّ عند السارد. تميلُ الروايةُ إلى تسجيلِ أو تدوّين الأحداث بصورةٍ تسلسليةٍ, يكسِرُها الزمن السرديّ في بعضِ الأحيان, إلا أنّ الغلبةَ هي للأسلوب التتابعيّ , الذي هو أقربُ الأساليب البنائيّة في سرديةٍ نموذجها مثل هذه الرواية.
الذاكرةُ التسجيليةُ هي تدوينٌ مخزونٌ, جاهزٌ ومتوفرٌ, هذا التدوينُ تختزنُ به ذاكرة المبدع, ويكون الخزينُ عبارة عن تراكماتٍ مُتعددةٍ, وهذه التراكماتُ تُوّلدُ تضخمًا في المكانِ الذي يحتويها, فيؤدي التضخم إلى انفجارٍ آتٍ لا محالة, وهذا الانفجار يكون بطرقٍ متعددة. تُذكرني رواية الغوغائي في ثيمتها برواية فندق السلام للروائي محمد سعد جبر الحسناوي, التي كانت أيضًا رواية تسجيليةً, وتذكرني أيضًا برواية في ذلك الكهف المنزوي لعمار الثويني, إلا أن لِكُلٍّ منهم طريقة خاصة مميزة في الصوغ.
اشتغلَ الروائي عامر حميو على أن يكونَ الاهتمام في البناءِ السرديّ على تلك الأحداث, فأنت واجدٌ أحداثًا, قد تكون مألوفةً ومعروفةً عند الغالبية من العراقيين الذين عايشوا تلك الأحداث, لكن الفكرةَ ليست سردًا لتلك الأحداث بقدر ما تكون هناك فكرة الأحداث والفرق بين الاتجاهين واضحٌ بيّن! ففكرة الحدث غير حدث الفكرة!
الذاكرة التي تُريد أن تُدوّنَ لأحداثٍ مَرّت, ستلجأُ إلى الاسترجاعِ كتقنية مركزية في السردِ, وهذا يكادُ أن يغيب عن هذه الرواية, فالروائيُّ لا يسترجع الاحداث بصورةٍ تكرارية, فهو يعمدُ كثيرًا إلى كسرِ نمطيةِ الزمن, والتلاعبُ في التاريخِ السرديّ. يُمكِنُ أن نُقسمَ زمن الرواية إلى زمنين اثنين, الأول: هو الزمنُ التاريخيّ, أي الزمن الذي تجري فيه الأحداث المؤرخة بتاريخٍ معلومٍ, ففي هذا الزمن يجب على الروائيّ ألا يُدخلَ معلوماتٍ مغلوطة, ويجب أن يكون التاريخُ صحيحًا, ومضبوطاً, ولا بدَّ أن يكونَ التسلسل كما حدثت الأحداث, أما الثاني: فهو الزمن السردي, الذي يُسمح فيه للروائي, أن يُمارسَ الكتابة الحرّة غير المُقيدة, ويكسر النمطية التي تهيمن على تسلسلِ الأحدث, هنا يكون الاشتغالُ تقنيًا ويكمنُ الإبداعُ في عملية الكسر هذه, إذ نلحظُ أن الكاتبَ قد تلاعبَ كثيرًا في التسلسل الزمني, فهو يتقلب حُرًّا كيفما شاء دون سلطةٍ تُقيدهُ أو تُعيق حُرّيتهُ التي يكتب بها.
تدورُ الثيمة المركزية في الرواية حول الثورة, الوطنية, الظلم, التي تعرض له المجتمع وهو واقعٌ تحت سطوة سلطة ديكتاتورية, وهذه السلطة نعتت من يقف بوجهها بمصطلح ( الغوغائي). هذا المصطلح يكاد أن يكون متشابهًا عند كُل سلطة ديكتاتورية, فالسلطةُ الأحاديةُ لا تسمح بنقدها أو انتقادها من أيِّ جهةٍ ما, لا تسمع إلا أقوال المدح ولا تريد أن تسمع إلا أقوال الثناء والشكر.
تتكون الرواية من فصولٍ وهذه الفصول تنوّعت مشاهدها, تبِعًا للمظلومية التي يريد الكاتب أن يُظهرها من خلال سرده إلى هذه الأحداث, فالروايةُ مكتوبةٌ لغاياتٍ إنسانية.
إنّ صياغة الاشكالية لهي عمليةٌ جد معقدة, فالمشكلةُ تحتاج إلى حلٍّ, لكن الاشكالية تحتاج إلى تأملاتٍ كثيرة وطويلة في مشاكل يبدو الحل فيها صعبًا أو مستحيلاً, ونأخذ مثالاً لسردية إشكالية, وهي قصة الحب التي كانت بين نهضة بنت الرجل البعثي وطارق ابن الرجل الغوغائي! المعالجة الفنّية كانت تشتغل على أن المسألة إشكالية وليست مشكلة! وقد تمكن الروائي من تقديمها كما هي!
الطريقةُ الفنّيةُ التي كوّنت الاحداث, هي تقنيةٌ تستدعي الاشادة والنظر, التاريخ السياسيُ العراقيُ كان حافلًا بأحداثٍ مروعةٍ مارستها السلطة الديكتاتورية, ورواية الغوغائي الصادرة عن دار ليندا سوريا بطبعتها الأولى في سنة 2021, تشتغلُ على سرديات العلاقة المتوترة بين السلطة والشعب, فقد انضمَ جزء كبير من أبناء الشعب إلى السلطة وأصبحوا سوطها الذي تجلد به الشعب! هنا وّلدت هذه العلاقة, نوعٌ متوترٌ من الهشاشة بين ترابط المجتمع, فأصبحت رجال السلطة هم رجال البطش وأصبح الغالب الأعم من الشعب يسمون ( الغوغائيون أو المخربون), من لديه معرفة بتاريخ العراق السياسي الحديث , سيجد ان طريقة إعادة تدوين الاحداث بهيئةٍ سردية, لم يعدم النزعة الثورية والوطنية, فهذه الروايات دوّنت الألم واشتغلت على مظلومية الإنسان, الصراعُ بين السلطة ( الظالمة) والشعب ( الغوغائي) هو صراعٌ إشكاليٌ, أي لا يمكن أن يجتمعا على حلٍ يُرضيهما معًا, فهما يمثلان إشكالية في العلاقة وليس مشكلة. ما يُمكن أن يُسجل للرواية. إن زمنها الحقيقي يرجع إلى أيام التسعينات من القرن العشرين, وزمنها السردي هو عام 2021, هذا يعني أن الأحداث قد مرّت بمراحلٍ كثيرة حتى اعتصرت في مخيلة الكاتب ليأتي برؤى تمثل روح العصرنة الحديث, فالفترةُ الزمنية تعني أن عملية السرد لم تكن ردة فعلٍ آنيةٍ أو لحظة تدوين مستعجلة, لذا فالسردُ في هذه الحالة يمثل حالة من النضج الفنّي, الذي يُضيف إلى جنس الرواية ويسهلّ الطريق للرواية أن تُساير الحداثة وتقطع أشواطاً من الوعي في تقنية البناء الهندسي للكتابة الروائية.
إنّ القصّةَ كانت غير معنية بإدانة السلطة على سلوكياتها , ولم تكن معنيةً بإعطاء صفات إيجابية كثيرة للمعارضة, فالشخصياتُ كانت تمثل المجتمع خير تمثيل, فهذه الشخصياتُ هي ذاتها دون إضفاء الميك آب عليها, أو صبغها بصبغة خاصة, فهذا التمثيلُ يعني تجرد المبدع من رؤاه الخاصّة واسباغها على شخصياته. الملاحظُ على شخصية ام طارق, يَجِدُ أنَّها النموذجُ الحقيقيُّ للمرأة المكلومة من فقد جزء من روحها ( محمود), هذه المرأة بصرامتها ورفضها القاطع أن يقترن ولدها مع بنت عدوها ( أبا نهضة), ولها ما يبرر هذا الرفض القاطع!
خطابُ الروايةُ لم يُستهلك من قراءتها, فهي من الروايات التي تفتح القراءة الأولى الأبواب نحو قراءة ثانية وربما ثالثة وفي كل قراءة سيجد المتلقي أن ثمةَ استجابات إيجابية نتيجة التلقي الايجابي. نعودُ إلى ما صدرنا به العنوان, وهو موضوعة الذاكرة التسجيلية, نقولُ: أن الرواية كانت على وعيٍّ فنّيٍ في تلك الأحداث, إضافة إلى الوعي بتقنيات الكتابة الايجابية التي جاءت نتيجة دِربة ومِران في الكتابة التخييلية, العملُ الفنّيُ لا ينبغي له أن يكتب بالواقعية المباشرة التي لا تترك شيئًا إلا وسجلّتهُ! كثيرًا من الأحيان, تكون الزيادات تسبب التضخم الذي يؤدي إلى أمراضٍ كثيرة تأتي نتيجة لها, فالزيادات إن لم تجد ما يبرر وجودها فلا حاجة لذكرها, ومن هذه الزيادات, نجد الحوار الذي دارَ بين نهضة وطارق في الصفحة 40, هذا الحوارُ يمثلُ زيادةً في السردية العامة, فما الغاية من اثبات أن الشابة ( نهضة) الحبيبة كانت على درجةٍ من الوعيٍ السياسي, وما هي المسوغات التي تسوغ لها أن تجلب المعلومات من والدها لتخبر طارق بها! طبيعة العلاقة بين الاثنين لم تكن عاطفيةً بما للعاطفة من معنى, فهما كانا كأيِّ اثنين عاديين في الانسجام الوجداني, الخللُ الذي أصاب الرواية, هو أن السرد يوضح أنّهما على درجةٍ كبيرةٍ من الحُب, لكن هذا لم يكن هنام ما يثبته! لم نجد مشهد حنة مشهدٍ واحدٍ يبين كيفية العلاقة العاطفية بين الاثنين!
قدمَ الساردُ أغلب أمكان الأحداث دون أن يُعرفَ هوية هذه الأماكن, فهو يرمز إلى أمكنةٍ معروفةٍ, لكن الأسماءَ لم تكن صريحةً! فلا مسوّغ لهذه الرمزية, أمام تلك الأحداث غير الغريبة؟ فالغايةُ ربما لا تكون إلا لإضفاء سمة الرمز الذي يفتح الباب على احتمالاتٍ عديدةٍ, وفي كلِّ احتمالٍ يكون وجه جديد ينكشف للقارئ, وهذا الاحتمالُ لا يعني أن المدن فقدت حضورها المركزي في العمل الفنّي, إلا أن الطريقةَ قد تحتاج إلى مسوّغٍ أكثر مقبولية من هذا . موجزُ العملُ أنّه يُسلّطُ المشغل السردي على ثيمات, تركزت على ثلاثٍ وهي ( الوطن, الظلم, الإنسان المهمش), هذه الثيمات الثلاث هي العمود الرئيسي للرواية, هذه الروايةُ هي نوعٌ جديدٌ في قراءةِ الواقع العراقي إبان حُقبة معروفة , مهارة الكاتب أنه أرخ ر مزيًا لهذه الأحداث, فهي قريبةٌ من عام 1990 على اختلاف بسيط بين ما قبل وما بعد التاريخ المذكور, المحصّلةُ النهائيةُ, أن الذاكرة التسجيلية التي تختزن في داخلها الأحداث المراد سردها, تكون قد سمحت بالامتزاج والتواصل بين النزوع الواقعي والنزوع التخييلي وفي هذا تكمن المتعة والفن في أدب الرواية, فالإشكاليةُ التي تكمن في الذاكرة التسجيلية, هي أنها تكون مزيجًا بين أمرين, بين ما تحتفظ به من أحداث تخييلية وبين لحظة الكتابة التي تكون تميلُ إلى الواقعية, وبين الأولى والثانية يقف المبدع فارضًا إبداعهُ في الآلية التي يكتب فيها, وإشكالية هذه الرواية, هي أنها تسردُ أحداثًا مضة عليها الكثير من الزمن, فكانت الواقعية لحظةَ التدوين قد عرقلت المسار الفني التخييلي الذي تختزنه ذاكرة المؤلف.

شاهد أيضاً

حين تتكلم النيران… تتغير خرائط القوة

  الإعلامية جمانة كرم عياد الخميس 2026/07/9 “أعظم اللّٰه لكم الأجر” وضعية الحرب الحقيقية، كما …