قراءة في محبسة مار شربل للرسام شوقي دلال

بقلم الدكتور الروائي عمر سعيد

لا يستوي الظّل والنّور، وما النّور دائما حيث تكون الشّمس، لا بل لكم غطّت أشعّة الشّمس أعينًا، وحرمتها حقائق الرّوح الخالدة.
هي محبسة، تجاوزت بضوئها سبعة وأربعين عامًا ومئة.
دخلها الأب شربل بشرًا عام ١٨٧٥، ليخرج منها نورًا بعد ثلاثة وعشرين عامًا من السّجود.
وقد يظنّ البعض أنّ في الأمر ادعاء، ونظن أنّه لو لم تكن هناك قداسة، لما كانت هذه اللّوحة!

يحدّد دلال مدخلنا إلى العمل بذلك المستطيل الّذي يهطل ضوءًا، من خلف صليب يطلّ على السّماء، ثمّ يفترش أرض المحبسة افتراش ثوب شربل الخام أحد جدران دير عنّايا واقعًا.
لتبدأ بذلك حكاية اللّون في هذا العمل.
لقد تجنّب دلال اللّون الأسود بشكل لافت في عمله هذا، ذلك اللّون الّذي يلتصق بالزنازين، والسجون، واللّيل والهلاك.
تجنّبه عن وعي روحي إبداعي، وليس عن وعي تقني. والوعي الرّوحي الإبداعي يتقدّم على الوعي التّقني بخطوات واسعة.
ليُلحِقَ بالضّوء (اللّون الأبيض) مباشرة في عين الرّائي اللّون الأزرق عبر شبه نوافذ لا تحتويها المحبسة واقعيًّا، وتأتي دلالتها على اتّصال الأرض بالسّماء عبر رحلة سعي ذاك القدّيس المشعّة في جوهر هذا المبدع ألوانًا.
خمس نوافذ لا تنفتح على شيء، غير أنّها تفتح المتلقي على أشياء وأشياء في دواخله.
يحيط باللونين الضّوء والسّماء لون بنيّ بتدرجاته، لون ينبعث من خشب السّقف والجدران، يستعيض به دلال عن السّواد، ليؤكّد ديمومة الحياة في محبسة، ستبقى بقاء عجائب قدّيسنا الرّقيق.
فبين ضوء وسماء وخشب، لا زال يحمل في يباسه حياة وإن نارًا ودخانّا ورمادًا بقابلية احتراق، احتراق روحاني، لا زالت تبعثه ذات ذلك القديس، بينها جميعها تشكّلت لوحة محبسة مار شربل شاهدًا على أن.ّ الإبداع طقس سمائي، يمارسه الوحي في اصطفاءاته مهما تباينت دروبها.

والأعاجيب الّتي يسجّلها ذلك الرّاهب المقدّس بنقاء يجاور بين السّماء والتّراب، لا تتجاوز تأثيراتها عجائب، يسجّلها اللون، يرشح من لوحات المبدع دلال جمالًا يوثّق حاله واشتعال اللحظة فيه كلّما ناداه الوحي في غار الألوان.

شاهد أيضاً

هكذا فازت إيران

عبد الحليم قنديل أكتب هذه السطور قبل التوقيع الرسمى النهائى فى “سويسرا” على مذكرة التفاهم …