شعارنا: “ربطة خبز صفراء بدل الأرزة الخضراء”!

 

سلوى فاضل

“لقد إنتصرت نصراً عظيما”.. هذه الجملة رددتها في نفسي آلاف المرات لحظة خروجي من فرن الياسمين على خط الرادوف بالرويس. ما السبب؟ هل يقبع الصهاينة هناك؟!
بالطبع لا. النصر عندي تجلّى بحصولي على ربطة خبز عربي، بعد سير مسافة كيلومتر تقريبا، إن لم يكن أكثر تحت شمس حارقة، كأني أسير “مشّاية” في عراق كربلاء.
عند الظهيرة، إكتشفت أنه لا لقمة خبز في منزلي، نزلت إلى الدكان. “خبز تنور فقط”، “بـ35 ألف”، لعشرة أرغفة مدورة صغيرة.
لبست “السكتشرز”، وحملت نفسي، وسرت بها على قدم متورمة وأوجاع ديسك مستجد ما بعد “كورونا” لم تُميتني، ويا ليتها فعلت قبل هذا اليوم الحار جدا.

 

 

إلى فرن الهادي القريب مباشرة.. قالت العاملة: “ما في خبز”.
وقفتُ، مقهورة، ألعن الوزراء أجمعين. فكرت قليلاً: “هل أتسلق “الفان”؟ لا.. لكن المسافة بعيدة… قررتُ السير على قدمي المتورمة وتوفير بدل نقل يُكلف أكثر من ثمن ربطة الخبز “الحلم” هذه.
سرتُ على مهل باتجاه أفران الصفا، أوقفوا بيع الخبز في هذه اللحظة. طبعا! لأن حظي “بيفلق” الصخر.. هل أنا من ينحس وزارات الدولة يا تُرى؟
من أفران الصفا إلى أفران “الغولدن لايت”، فلا “غولدن” ولا “لايت”، ما في خبز.. هو الجواب الثالث الذي أسمعه خلال أقل ساعة من الوقت.
إستعدّيتُ للسير باتجاه “الشمال” سيرا على قدميّ المتورمتين، إلتقيت بشاب يحمل ربطتي خبز، سألته بلهفة كمن وقع على خارطة تسمية الوزراء لنجيب ميقاتي غداً. قال: نعم فرن الياسمين يوّزع خبزا.. لكن هناك طابور طويل، وللنساء طابورهن الخاص.
شكرا لهم.. للمرة الأولى تُكرّم المرأة، في طابور الذل هذا فقط.
بسرعة شددتُ الرحيل باتجاه “الشمال” إلى فرن الياسمين، وأنا أبحلق بجميع العائدين من “نصرهم” الكبير، أبحلق بالمارة، للمرة الأولى، فقط من أجل التأكيد لنفسي أن التوزيع لا زال مستمرا على “الأبطال” و”المجاهدين” و”المناضلين” و”المحرومين”، و”الشجعان”.
وصلتُ إلى موقعة توزيع الخبز، نظرتُ إلى المجاهدين، فوجدتُهم صفاً طويلا جميلاً، كأنهم في بُنيان مرصوص، ما أجمل هؤلاء المُطيعين، لا يخيّبون أمل موّزع الخبز، لا يتشاجرون، لا يتدافشون، لا يصرخون.. هم مطيعون جداً، يصطفون كما أمرهم العنصر المفروز من البلدية لأجل خدمتهم في الوصول إلى “مكمن النصر”.
طابور النساء صغير، ربما لأن المرأة غير مُكلّفة بالجهاد والنضال، فهذا الجهاد من واجبات البعل، لا البعلة!.
دخلتُ بسرعة لأقطف ثمرة الانتصار بكوني إمرأة، طلبت 3 ربطات، دفعت ثمنهن، ورجعتُ بسرعة قبل أن يُبدل شرطي البلدية رأيه فيأخذ مني إحدى الربطات.

كنت بالطبع سأكذب عليه كما يكذب الوزراء علينا عبر الشاشات، وأقول له هذه لجارتي.. ليتركني أهرب بها منتصرة، فرحة، مملوءة بالسعادة.
عدتُ إلى منزلي سيرا على الأقدام المتورمة، رافعة رأسي، مُنشدة النشيد الحماسيّ المُلهب، متخيّلة ربطة الخبز الصفراء كبديل للأرزة الخضراء على العلم اللبناني الشامخ!.
لعنكم الله أيها الوزراء والمسؤولين والتجار والرؤساء الثلاثة… لعن الله الساعة التي توليتم فيها قيادة هذا البلد.
خلال مسير عودتي الميمونة المظفّرة، راقبت نظرات الحُساد من المواطنين، خاصة ممن سألونني عن مكان موقعة النصر هذه..
وفي كل خطوة كنت أشتم كل من وقع نظري على صورته المعلقة على البانويات في الشارع، ولعنتُ الشعب الأهبل، ولست أنا منه، لأني لم أتسبب بهذه الكارثة التي أعادت “شلة الأنس” إلى قصورها.
فبدل أن أكون في بيتي أقرأ كتبي عن “الحرية الدينية”، وعن “نساء” عزة شرارة، و”التقارب السني- الشيعي”، وجدتني أهرع من فرن إلى فرن، لأؤمّن لقمة خبز، خاصة أن مهمة توزيع الخبز في التعاونيات بات أمرا صعبا،

 

وفي حال توّفر، فإن الربطة باتت بـ17 ألف ليرة، أي بفارق 5 آلاف عن كل ربطة في الأفران.

كل هذا الوقت المهدور، مرفق بالسير على الأقدام، لأن التنقل هو آفة أخرى لا حلّ لها إطلاقا، فما بالنا بمهمة البحث عن الدواء التي قيّض الله لها حلاًّ ربانياً من قبل الإنسانويين القلائل في لبنان.
وأؤكد لمن سيقول لي أن الحصار الأميركي هو سبب مصيبتنا، وليس وزرائنا أو رؤسائنا، أقول لهم إنّ الأميركيين لم يحاصروا سوى المُعدمين الذين لا يتقاضون رواتبهم بالدولار، حيث يمكن لغيرهم أن يشتري خبزهم كفاف يومهم بزيادة 10 مرات.

شاهد أيضاً

مذكرة التفاهم (إيران _أمريكا) وإنعكاسها على دول الخليج والمنطقة

بقلم د. علي محمد الزنم عضو مجلس النواب ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، دخلت مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران …