د . عصام نعمان
تاريخ 13/6/2022
ثمة تشخيص مغلوط لنزاعنا مع الكيان الصهيوني بشأن التنقيب عن النفط والغاز في منطقة الحدود البحرية بين لبنان وفلسطين المحتلة. حقل “كاريش” هو عنوان النزاع ، لكنه ليس أساسه. صحيح ان الصهاينة تجاوزوا في تنقيبهم عن الغاز الخط 29 بما هو الحدّ الجنوبي لمياهنا الإقليمية، لكن عدوانهم لا يتوقف عند تلك المنطقة بل يشمل كل الساحل اللبناني. ذلك أن الولايات المتحدة قامت ، بإيعاز من “اسرائيل” ، بمنع شركات الحفر والتنقيب الإختصاصية التابعة لدول الغرب الأطلسي من العمل مع لبنان في مياهه الإقليمية.
لنفترض ان الوسيط الاميركي عاموس هوكشتاين تمكّن من إجتراح معجزة التوصل الى تسوية بشأن حقل “كاريش” الواقع في المنطقة المتنازع عليها ، فهل يعني ذلك إستطراداً تمكين لبنان من التنقيب عن النفط والغاز في سائر مياهه الإقليمية ؟ واذا بقي التنقيب ممنوعاً ، ما جدوى المفاوضات لإحتواء حقل “كاريش” ؟
قد يقول قائل إن في وسع الوسيط الاميركي تضمين التسوية المطلوبة نصّاً يُلزم اميركا وغيرها برفع الحظر المضروب على شركات الحفر والتنقيب الغربية الراغبة في العمل مع لبنان في مياهه الإقليمية. الحقيقة انه لو كان في مقدور هوكشتاين ان يفعل ذلك لما تأخر عن تضمينه إقتراحه الملغوم (والمرفوض) أثناء زيارته الاخيرة للبنان قبل أشهر. فالدولة العميقة في الولايات المتحدة لها مصلحة في بقاء لبنان بمنأى عن الإفادة من ثروته النفطية والغازيّة ليبقى في وسعها التحكّم بسياسته وإقتصاده من خلال نفوذها في دول الغرب الأطلسي والمؤسسات الأممية (صندوق النقد الدولي مثلاً) التي تمدّه بالقروض والمساعدات . فوق ذلك، إستجدت لأميركا مصلحة إضافية بعد الحرب الأوكرانية . فقد طالبت حلفاءها بوقف التزوّد بالغاز الروسي إقتصاصاً من موسكو مع التعهد بتعويضهم الخسارة المرتقبة بكميات من غاز فنزويلا (ما يتطلّب إنهاء مقاطعتها!) والشرق الأوسط ولاسيما الغاز المراد إستخراجه من الحوض الشرقي للبحر الأبيض المتوسط بموجب إتفاقٍ يضمّ مصر و”اسرائيل” وقبرص واليونان (وحتى تركيا) مع الحرص على إبقاء لبنان وسوريا ممنوعين من التنقيب عن ثروتهما النفطية والإفادة منهما.
الى ذلك ، ثمة عائقان يحولان دون نجاح الوسيط الاميركي في إجتراح تسوية مقبولة من الأطراف المعنية . فلا “اسرائيل” في وارد التخلي عن حقل “كاريش” او السماح بأن يكون مشمولاً بـِ “شراكة” مع لبنان ، ولا لبنان سيقبل بذلك اصلاً ، خصوصاً بعد إطلالة السيد حسن نصرالله مساء الخميس الماضي. ان “الإنجاز” الوحيد الذي يمكن ان يحققه هوكشتاين هو تجميد عمليات التنقيب عن الغاز وإستخراجه من الحقل المذكور في حال نجاحه بتمديد المفاوضات الى أجل غير مسمّى !
حتى تمديد المفاوضات لن يحول دون الإشتباك . ذلك ان “اسرائيل” ، بدفعٍ من مصالحها الذاتية وبتشجيع من اميركا ، ستحرص دائماً على التحايل للإفادة من الإستثمار الكبير الذي وظّفته في حقل “كاريش” ما يدفع حزب الله الى تنفيذ تهديده بقصف ايّ منصّة إسرائيلية تسطو على ثروة لبنان النفطية في المنطقة المتنازع عليها.
ثم ، هل أن أطراف المنظومة الحاكمة في لبنان ، عازمون فعلاً على حزم امرهم ؟ هل ان رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري ورئيس حكومة تصريف الاعمال نجيب ميقاتي ، سيتوافقون على إعتماد الخط 29 حدّاً فاصلاً بين مياه لبنان الإقليمية ومياه فلسطين المحتلة ما يجعل حقل “كاريش” ، كله او معظمه ، ضمن المنطقة الإقتصادية اللبنانية الخالصة ، ام تراهم يخفقون ؟ واذا أخفقوا ، هل يُحجم حزب الله عن إستخدام القوة ضد “اسرائيل” المعتدية على حقوق لبنان السيادية ام يفي بوعده ووعيده فيضرب منصة حقل “كاريش”؟
اذا ضرب حزب الله حقل “كاريش” ، كيف ستكون ردّة فعل “اسرائيل” ؟ هل تكتفي بتسديد ضربة لهدف محدد في لبنان تعتبره تابعاً لحزب الله ام توسّع دائرة الإشتباك فتضرب أهدافاً استراتيجية في عمق ايران منفذةً بذلك خطتها الهجومية الجديدة المسمّاة “القتل بألف طعنة” المستمدة من نظريةٍ مفادها ان ايران أصبحت على عتبة تصنيع قنبلة نووية ، وانها نجحت في اقامة صناعة صاروخية باليستية متقدمة ، وكذلك صناعة مسيّرات بعيدة المدى ، وان لجمها بإستعمال القوة الآن ممكن وقد يصبح مستحيلاً في المستقبل المنظور؟
ثم أليس من الممكن ان تكون قيادة حزب الله ، ناهيك عن القيادة السياسية في ايران (وحرسها الثوري) وربما قيادات اطراف محور المقاومة ايضاً ، قد وضعت في الحسبان ما يمكن ان تقوم به “اسرائيل” من إعتداءات على نطاق واسع فإستعدت تالياً للصدّ والردّ ايضاً ؟
ثم أليس من المنطقي ايضاً ان تكون الدولة العميقة في الولايات المتحدة قد وضعت في الحسبان كل هذه الإحتمالات ، وان تكون قد استخلصت في ضوئها قراراً بعدم جدوى إنزلاقها، هي و”اسرائيل”، الى حربٍ مكلفة وخطيرة التداعيات بينما تنخرط (واشنطن) في حربٍ اوكرانية طويلة الأمد على ما يبدو مع موسكو قبل أشهر معدودة من إنتخابات اميركية نصفية قد تُؤدي تداعياتها الى تقليص حظوظ الحزب الديمقراطي ــ حزب الرئيس بايدن – بالفوز فيها ؟
اذا كان الامر كذلك ، ما التنازلات التي قد ترتأي ادارة بايدن ان على “اسرائيل” (واميركا) تقديمها لتفادي حرب مكلفة مع ايران وحلفائها يمكن ان تتطور الى حرب إقليمية ، كما كان حذّر السيد نصرالله قبل أشهر؟
اخيراً ، وليس آخراً ، أليست “اسرائيل” نفسها وسطَ ازمتها السياسية والاجتماعية في وضعٍ دقيق قد يحمل قيادتها السياسية والعسكرية على التفكير جدّياً في تفادي حربٍ مكلفة يستطيع خلالها حزب الله منفرداً ان يُلحق بجبهتها الداخلية ، ولاسيما بخاصرتها “غوش دان” (المتخمة بالعمران والسكان والبنى التحتية الإقتصادية والإجتماعية والمرافق العسكرية والموانيء البحرية والجوية) خسائر هائلة ، فتقوم بإستباق الكارثة بتقديم تنازلات تفتدي بها كيانها المهدّد؟
أسئلة دقيقة ومقلقة والإجابة عنها صعبة في مرحلة بالغة التعقيد والحساسية والخطورة . مع ذلك سأجازف بإختصار :
تمديد المفاوضات يؤجّل الإشتباك. إستمرار السطو الإسرائيلي على ثروتنا النفطية يُعجّل الردّ، وربما الحسم ، لصالحنا.
هل يتقدّم التعجيل على التأجيل ؟ الجواب لدى “اسرائيل” .
مجلة كواليس www.kawalees.net مجلة كواليس www.kawalees.net
