قلق الانتماء وعقدة الماضي في رواية الأنتيكة للروائي عامر حميو

إبراهيم رسول

المناهجُ النقدية تنوعت بتنوع الأعمال الابداعية, وستكون قراءتنا لهذا العمل الأدبي, وفقَ المنهج النقدي النفسي أو ما يُسمى (psychological criticism ), الذي يعد المنهج النفسي في دراسة الأدب من المناهج النقدية التي تتعامل مع السياق الخارجي المحيط بالعمل الأدبي’ محاولاً رسم خريطة نفسية للمبدع, من خلال ربط البنية الداخلية للعمل الأدبي بالسيرة الذاتية والخصائص النفسية ومنطقة وعي و لاوعي الذات المبدعة, ومعرفة طرق تحويل وترجمة الرغبات المكبوتة, والأحداث, والتجارب الشخصية إلى ذاكرة وإلى فعل لغوي إبداعي. لعل المنهج النفسي, ظهرَ للوجود أو اضيفَ إلى المناهج النقدية على يد العالم النفسي سيجموند فرويد, بدأت القراءات النفسية, تأخذ حيّزاً من الاهتمام, وصارت الدراسات النفسانية في السرد تهتم بالحالات والاضطرابات التي تعاني منها الشخصية, وهذا تبلور في قراءتنا لهذه الرواية, التي نرى أنَّ الشخصية تُعاني من تشتتٍ , قلقٍ , ضياع واضطراب, فهو قلقٌ على الدوام, ونفسه تنازعه على أشياءٍ كثيرة, وهو يتقلب ما بين هذه الأشياء. عند التمعن في شخصية فاضل, نجدها شخصية ضعيفة, لا تملك شجاعة الرأي الفصل .
القراءةُ في رواية الأنتيكة, لن تبتعد عن ثيمة العمل الإبداعي, بل ستكون فيها وحولها, دون تنظيرٍ نقديٍ أو تحذلق لغوي لا فائدة منه, فكرة عنوان المقال مستوحى من الرواية ذاتها, إذ ورد العنوان في صفحتين من الرواية, كانا يمثلان أهميةً كبيرة ومركزية في عموم فصول وأحداث الرواية, قلق الانتماء وردَ في قول للشخصية في صفحة 67 ما نصه: (… وفي هذا الوقت بالذات استيقظ في داخلي احترام أكثر لمن أسروني, وربما تكون هذه اللحظة هي البداية لأن أقرر كل خطوة خطوتها في ما حدث بعدها, فمن لا يسرقك وأنت ضعيف لن يتجاسر ويسيء إليك لو التجأت لتسكن بلاده, لكنني عندما تولد لدي هذا الشعور وتلبستني فكرة طلب اللجوء انسلخت من انتمائي السابق..) وأما الجزء الثاني وهو عقدة الماضي وردَ في صفحة 87 ما نصه : ( … فلمَ التفت للماضي؟ ألأن به حميدة؟ نعم لأن به حميدة…)
سنركزُ قراءتنا في رواية الأنتيكة للروائي عامر حميو الصادرة عن دار ليندا للطباعة والنشر والتوزيع سوريا سنة 2020 بطبعتها الأولى على جانبين لا غير.
الجانبُ الأول وهو قلق الانتماء, الشخصية الرئيسة ( فاضل) لها ذاكرة مُتخمة بالأحداث والوقائع, الراوي الداخلي الذي تمثل في شخصية فاضل, تقنية الفلاش باك أو الرجوع إلى الوراء قليلاً أو بعيداً هي تقنية يلجأ إليه الروائي ليُمهدَ السرد إلى ما بعد الوراء, وهذا ما حصل في هذه الرواية. الهاجسُ الذي رافق الشخصية المركزية منذ أول وهلة أي لحظة التحاقه في معسكر الجيش والمشاركة في احتلال دولة ثانية ( الكويت), كان واضحاً على البطل, أنَّه يضمرُ أشياء كثيرة, وذكريات ستبقى تلاحقه في كل سنين حياته القادمة, يعودُ فاضل إلى بيته بعد فراق عقدين من الزمن عن مكانه الأول, إلى عام 1991, العامُ الذي بدأت في سلسلة إذلال الشعب العراقي. يعودُ غريباً أو كالغريب, يتساءلُ في نفسه: ( هم ما زالوا كما هو واضح من افتراشهم لعتبات الدور مثلما تركتهم قبل عشرين سنة, فما الذي تغير فيهم حتى ينسوني بهذه السرعة)( صفحة 9). جملة التعجبُ هذه, ولّت في نفسه, الشعور بغربة الانتماءِ إلى مجتمعٍ يعرفهم ولكنهم تناسوه أو ربما نسوه, هذه يُفسر العلاقة التي بين الإنسان والمكان, هي علاقة شدٍ وجذب, فغربة الانصهار في المحيط لم تكن مقبولة في ذاته الحيرى. تنحّى الروائي المؤلف عن تدخله في روي الشخصية الرئيسة, وبقي اللسان المهيمن أو الأعلى لشخصية فاضل, نُفاجئ بأن فكرة الرجوع إلى الوراء, إلى ذكريات قديمة أو مرَّ عليها ردحاً من الزمن, أننا نجد قِصة جديدة, ولها آثار كبيرة على شخصية فاضل, هذه الشخصية هي قصته مع المرأة التي قد يكون أحبها, ولكنه مارسَ معها ما يمارسُ الزوج مع زوجته, وفضَ غشاء بكارتها وقد قالها في صفحات متقدمة ما نصه : ( فقد أولجت مدفعك بقلعتها وفتحت كل حصونها..) ( الصفحة 88). هذه المرأة ( حميدة) قد أسلمته أغلى ما تملك, ليتبينَ بعد فراقه عنها بثلاثة أشهر أنّها حاملٌ وقد فضحها التقيؤ الكثير, ليكتشف أمرها أهلها, ويقوموا بقتلها, غسلاً للعار, وتموت حميدة ولكن طيفها وروحها بقيت تسبب الغصص الكثيرة على فاضل.
إن حميدة الشخصية التي لها الدور المهم في بناء أحداث الرواية، ولعلها تمثل جانب الاشتغال النفسي في الرواية، فقد ظهر السرد، أنها شخصية ودودة، صادقة، بريئة وعاشقة بكل إخلاص، إنها أعطت أغلى ما تملك لأغلى ما تريد، هذه الروح الطيبة، التي عبث بها فاضل أيما عبث، وكان فعله السبب في قتلها، شكل هذا أزمة نفسية في شخصية فاضل، وهذه الأزمة لم يتمكن من النجاة منها، على الرغم من تركه كل ما يُعيده إلى ذكراها، الاشتغال السردي كان يعنى بهذه الحالة، الجانب الروحي والقلق النفسي، الاضطراب النفسي.
الجانبُ الثاني, الذي عنوناه بعقدة الماضي, هذا الماضي, الذي شكلّ عقدةً في نفسية الشخصية المركزية, فهذه العقدة, كانت تؤرق على البطل حياته, وهي السبب في هذا التشتت وعدم الاستقرار.
التساؤلُ في غايات بطل الرواية (فاضل)، حول رجوعه إلى بيت أهله، هذه الذاكرة بقيت تنغص عليه حياته كلها، الابتعاد عن مكان وحادثة الألم، لم يكن كافياً لنسيان تلك الوقعة الأليمة في نفسه. لَعَلَّ العنوان ( الأنتيكة), هو رجوعٌ إلى الماضي، بذكرياته الحلوة والمرة، حتى أنه لم يستطع مغادرة هذا الماضي، هذا الرجوع أو سردية الرجوع إلى الوراء كان الساردُ موفقاً، من حيث الانشغال على الجانب النفسي للشخصية، إذ القلق، التشتت، الذاكرة، وغيرها من الصفات التي أوصلت الشخصية إلى اللاثبات واللاانتماء لأيةِ حياةٍ جديدة.
الاشتغالُ الوظيفي التخييلي , جعل النص مفتوحاً على وجهاتٍ تأويليةٍ متعددة, تُو​ضحُ حالة التشتت والضياع والحيرة, هذه الأزمات سببها , الصراع بين عالم النفس الداخلي والمحيط الاجتماعي, كل ردة فعل, أعطت نتائجاً معكوسة في شخصية فاضل, هذه الشخصية المريضة نفسياً, هي نموذج لحالات مرضية مزمنة. الروائيّ الذي خلقَ المواقف, كان بَعيداً عن التدخلِ المُباشر في الصراعِ الجوانيّ في شخصيةِ فاضل, هذا الصراعُ الداخليّ كان صورةً نموذجيةً للتعبير عن حالةِ تُعد من بين الحالات التي تعيش قلق الانتماء والتشتت. الاتقانُ في بناء الجملة التي تصف القلق, كان حقيقيةً بناءً بارعاً, والجميلُ بهذه التقانة, أنّها أعطت المساحة والحرية, للشخصية لتقص حكاياتها الداخلي بنفسها. إنّ عقدةَ الحرب وما خلّفته, لم تغب عن بال السارد, لكنه يوظف هذه النقمة, ليس بخطابٍ مباشرٍ, بل يجعلها مضمنة بين ثانيا النص. النهايةُ قد تكون أسهل من البداية في كثيرٍ من الأحيان, ولعل الروائي أو الأغلب الأعم من الكتاب, ينشغلون بأهميةٍ كبيرة في البدايات, لأنها مفتح الدخول أو العتبة الأهم, لكنهم يتركون أهمية قليلة للنهايات, التي تعني حل العقدة, وتعني الخاتمة النتيجة. القارئ قد يكون مشغولاً أو مهتماً بنهايةِ القصة أكثر من فنية البداية, النهاية تمثل الشيء المهم أو الغاية الأكثر إلحاحاً للمتلقي, ما نلمحهُ في هذه الرواية, أنها أصابها البرود السردي, وهذا ملمحٌ يُشير إلى النهاية, نقرأ في الفصل الثاني عشر صفحة 159, نجدُ أن السردَ فقد صفة التخييل وصار يميلُ إلى الواقعية المباشرة أو التقريرية التي لا تُحبذ في الرواية التي سمتها العامة هي النزعة الفنية , يقول في أول الحديث: ( تعد مهنة النجارة من المهن التي تعتمد على الجهد العضلي لعمالها والنباهة أثناء العمل, لأن العامل بها إن فقد التركيز عما يصنعه , فقد يخرب جماله…) هذا وما بعده, يعد تقريراً مباشراً, وهذا ما جعل الرواية تنتهي نهاية غير ما بدأت به.
عوداً على بدءٍ, الروايةُ هي نسيجٌ اجتماعي, واشتغالٌ في المحيط, لم تكن الشخصية تعبر عن حالة فردانية أو أزمة نفسية, فهي تشير إلى حالات كثيرة مشابهة لها, لا تكون الرواية إلا مرآة عاكسة فقط, بل؛ لا بدَّ أن تتصف بصفة الخلق, حتى وإن كان الخلق في طريقة المرآة العاكسة.

شاهد أيضاً

مذكرة التفاهم (إيران _أمريكا) وإنعكاسها على دول الخليج والمنطقة

بقلم د. علي محمد الزنم عضو مجلس النواب ،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، دخلت مذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران …